الرئيسية / احدث التدوينات / من وحي الأخبار : التحرش

من وحي الأخبار : التحرش

 

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-11-29 22:33:49Z |  | ÿ–ŽŽÿ—ÿ—ÿWY)EM
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-11-29 22:33:49Z | | ÿ–ŽŽÿ—ÿ—ÿWY)EM

جلست أتابع بانتباه خبراً على قناة ال CNN الإخبارية عن أحد مشاهير المنتجين بعالم هوليوود يدعى هارفي واينستين، كان الخبر يتحدث عن سيدة تقدمت ببيان تتهمه فيه بالتحرش، ما أعطى الكثير من النساء ممن آذاهن الشجاعة للتقدم بمثل تلك الاعترافات، أعاد ذلك الخبر حادثة أخرى مشابهة للمذيع الأمريكي بيل أورايلي حيث تقدمت زميلته بقناة فوكس نيوز بدعوى ضده أيضاً تتهمه بالتحرش، فكان ذلك دافعاً لأخريات ليتقدمن بشكواهن، حظين جميعاً بتعويضات مالية بلغت ملايين الدولارات، لا أعتقد أن تلك الأموال أياً كان قدرها تفي المرأة المُعتدى عليها حقها، إلا أنه ضرب من العقوبة والمواساة خير من السكوت والارتضاء، ذُكر في الخبر أن حوادث التحرش والاغتصاب والاعتداء التي تتقدم فيها الضحية ببلاغ لا تتناسب وما يحدث حقيقة، هذا في تلك المجتمعات التي تسمى بالمنفتحة، ما أخذني للتفكير في واقع مجتمعاتنا اليوم، هذه المجتمعات التي تسمى بالمحافظة، والتي ما أن يذكر التحرش حتى تشير أصابع الاتهام إلى المرأة أولاً.

لماذا نجد صعوبة كبيرة في البوح بمثل هذه الاعتداءات لماذا تسقط المُتحرش بها تحت طائلة الاتهامات ، لماذا تتحول الضحية إلى جانية، كيف لنا أن نتقبل بسهولة كل تلك الأعذار الواهية التي يقدمها المتحرشون، لا ليس فقط تلك التي يقدمونها، بل تلك التي يقدمها لهم المجتمع على طبق من ذهب، أذكر قبل عامين يزيد عن ذلك أو يقل، حادثة بإحدى المستشفيات حيث تعرضت إحدى الطبيبات للتحرش من قِبل أحد المرضى، والتي تقدمت بشكوى حينها، لن أخوض في تفاصيل تلك الحادثة غير أني سآخذ منها شاهداً، حيث كنت قد كتبت منشوراً على صفحتي بالفيسبوك مستهجنة الحادثة، كان عدد من المداخلات ينتقد الطبيبة خاصة والطبيبات عامة على مظهرهن الذي لابد هو المسبب الأساسي خلف تعرضهن للإساءة والتحرش. الجدير بالذكر أن الكثيرين من أولئك في الواقع يدينون فعل التحرش ويرون أن المتحرش مذنب، ولكنهم بالمقابل يضعون اللائمة بالتساوي، أو ربما للمرأة على المتحرش درجة في ذلك، حيث أنها لولا إغراؤها لما وقع هو ضحية الفتنة، لتقع هي ضحية التحرش. هكذا تجيء قراءة تلك المداخلات وغيرها من الآراء المتحيزة. 

أذكر في إحدى المناسبات حكت سيدة حادثة وقعت أثناء جلوسها بإحدى الحافلات وهي في طريقها إلى منزلها، فتحدثت عن فتاة صرخت بوجه رجل كبير في السن كان يضايقها، فأنكب يهزئها مستعيراً لقب يا ابنتي حتى يثير حفيظة الجالسين، فوقف دفاعاً عنه بعض الركاب مطالبينها باحترام نفسها واحترام الرجل الذي هو في مقام والدها، فما كان منها إلا أن أوقفت الحافلة وغادرتها بعد أن أخبرت الرجل أنه أبعد بكثير من أن يكون في مقام والدها، ورغم أن السيدة أكدت أن الفتاة محقة بإدعائها إلا أنها اتفقت مع من كانت تروي لهن أنه “كان تنستر” نعم هكذا من السترة، أي أنه من المعيب أن تتحدث بما حدث معها وتتالت منهن عبارات ك “عينها قوية” و”قاهرة” و”سليطة” كلها عبارات تستخدم أحياناً للإشارة إلى النساء اللاتي يكسرن عُرف السترة المُعوج، فلا ينحنين لهندسة العيب الجائرة.

عُرف السترة هذا الذي يجعل الكثير من النساء يسكتن على التحرش من الغريب والقريب، وفي ذلك استصغار لأمر قد يصل أحياناً حد الاغتصاب، لنجد الصمت سيد الموقف في أغلب الحالات. في مجتمعاتنا يبدو أن أقصى ما نخشاه في هكذا مواقف الفضيحة، فتجد الواحدة منّا إن تعرضت للتحرش أو المضايقة كما يحب البعض تسميتها، نظرت لنفسها وبحثت عن علتها التي وضعتها في ذلك الموقف، وإن أدركت أنه لا اعوجاجها ولكن مرض المتحرش هو العلة، حدثت نفسها أن “لا داعي للفضيحة” فتركته وتجاهلت ما حدث، قد يستقيم تجاهل أمثال هؤلاء ولكن ليس دائماً، يحق لنا دوماً دون عرف السترة هذا إبداء مشاعرنا الحقيقية من استياء وضيق، والدفاع عن أنفسنا كيفما أقتضى الموقف.

إذا ما رجعنا إلى منبع تلك الأعراف والتقاليد التي تحد من حرية المرأة وتميل إلى استضعافها، نجد بعضها يأخذ سنده من التاريخ والبعض الآخر من النصوص الدينية، فالتصور الماضوي للفتنة والإغراء يقودنا إلى جملة الأساطير التي ترمي حواء بتهمة إغراء آدم حتى يأكل من الشجرة المحرمة، لنجد تلك الحادثة شاهدة في كل المواقف دليل إدانة، لهذا الكم من التعقيد والإرث المجتمعي الذي يلعب دور كبير في تحجيم المرأة وإضعاف صوتها، نجد أن على النساء الاجتهاد أكثر في سبيل المقاومة، فعلى المتحرش تحمل المسؤولية كاملة جراء فعلة دون البحث له عن مبررات، فالمتحرشون هم أعداء المجتمع، يخلون بسلامته وصحته، ومحاربتهم بكشفهم وبالتبليغ عنهم هي الخطوة الأساسية لمحاربة الظاهرة والحد منها، يحتاج ذلك لتغير فكري حتى تستطيع النساء في هذه المجتمعات كسر حاجز الصمت.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .