الرئيسية / احدث التدوينات / مُجرد قِطْعة…شوكُولاتـَة (4)

مُجرد قِطْعة…شوكُولاتـَة (4)

5dab129be7b604e396f77cc886cd0c6201d062e3

“ميرا” من هي ؟! لا أعني بهذا بياناتها الشخصية , هي عرفتني على نفسها بالفعل.. بل أعني من هي بأعماقها ! يحدث أحيانًا أن نتوقف أمام بعض الأشخاص الذين يدخلون حياتنا خاصة المقتحمين منهم.. ونتساءل من هم ! ما الشيء الذي يميزهم ! لماذا يجذبوننا دونًا عن غيرهم ؟؟ لماذا نشعر وكأننا نعرفهم في حياة ماضية, وبنفس الوقت وكأننا لا نعرفهم على الإطلاق.. وإن كنا شغوفين باكتشافهم.. بالاقتراب من عالمهم والبقاء فيه كثيرًا.. يدفعنا الفضول وحب الاستطلاع تارة.. أو الإعجاب بهم تارة أخرى.. أو شيء آخر لا ندريه !

لا أحب أن يقتحم أحدهم حياتي ! لا أحب هذا الشعور.. كما لم أحب يومًا التعلق بأي إنسان.. أعرف أنني سأفشل في الاستمرار.. أنا شخص لا يطاق ! للأسف أنا على يقين من هذا لن يتحملني إلا أنا !

كما أنني بالقطع لا أحتاج بأي حال من الأحوال التعلق بامرأة.. لأنني أعرف النتيجة مسبقًا ! من هي التي ستتحملني ؟؟ تجاربي مع النساء فاشلة.. أنا أبحث عمّا هو غير موجود في زماننا هذا ! أبحث عن الحب الذي يجعلني حرًا طليقًا مبدعًا.. الحب الذي يهذب نفسي وروحي ويمنحها السكينة ولو بغمرة الصخب والضجيج !

أنا رجل غير مطلوب بمقاييس هذا الزمان.. حتى لو حاولت الارتباط والزواج بنفس الطرق المتبعة في عصرنا هذا… فلن تُقبل بياناتي بأي مركز من مراكز الزواج ستكون النتيجة دائمًا.. شخص غريب الأطوار لا توجد امرأة تتطابق صفاتها معه… أو لا يوجد شخص على الإطلاق قد يتفق معه.. ابتسمت لنفسي بسخرية وأنا أمسك بأقداح الشكولاتة الساخنة وأفكر في “ميرا” ثانية ! اتجهت إليها أتصنع الهدوء وأنا أضع القدح أمامها..

غمرني شعور عجيب بالارتياح فجأة عندما رفعت نظرها إلي والتقت عينانا لم أتحمل النظر إليها طويلا.. وكأن عيناها تخترقان أعماقي تكشفان أسراري من وراء نظارتها الصغيرة..

لاحت على وجهها شبه ابتسامة سرعان ما اختفت وهي تعتدل في جلستها وتُعَدِل من وضع نظارتها وتقول:

– أعلم أن لديك عشرات الأسئلة والاستفسارات دعني أتكلم وأنا سأجيب على أسئلتك قبل أن تسألها.. ستجد الإجابات في حديثي.. لذا أرجو ألا تقاطعني.. امنحني فرصة كاملة حتى أنقل لك الصورة كما ينبغي..

كدت أن أتذمر وأعلن أنني لا أحب هذا الأسلوب.. أن يبدأ أحدهم الحديث معك ويطلب منك ألا تقاطعه بحجة ألا يخرج من الاسترسال في الحديث.. فالأسئلة الطارئة وليدة اللحظة لها سحرها وقد تكون مفيدة.. و بالغالب تكون إحدى وسائلي لمضايقة من يتكلم أو من أرغب في قطع الحوار معه بصورة أو بأخرى.. لماذا أنا على يقين من أنني مكشوف تماما أمام هذه الأنثى ! و نظراتها التي تخترقني..

قررت أن اصمت وحاولت جاهدًا ألا أرسم أي تعبير على وجهي !

–  أعلم أن الحيرة تملكتك عندما ناديت باسمك.. لكي تفهم هذه النقطة تحديدًا علينا أن ننتهي بها لا أن نبدأ بها..

لتكن البداية بعد استقرار أوضاع العالم والاتفاق على شكل الحياة على الأرض بين رجال الدين والعلم. بدت الحياة وكأنها استقرت ووصلت إلى ما يشبه المثالية.. هذا إن اعتبرنا أن هناك ما هو مثالي بالحياة لكن! الحقيقة أن واقع الحال يشبه كثيرًا جبل الثلج.. يظهر ثلثه أمام أعيننا ولا ندري شيئا عن حقيقة ثلثيه الباقيين!

الاستقرار المزعوم كان مجرد خدعة توارى خلفها الكثير من الاضطراب.. هناك شيئاً هامًا في حياة البشر افتقدوا وجوده وتواجده بتقنين الحياة وإعادة ترتيبها وكأنها معادلات ثابتة القيمة والاتجاه!

الحياة ليست مجرد معطيات وعمليات ونتائج… كدت أن أقاطعها لأن المفترض أنها عالمة والحياة بالنسبة لها هكذا تقريبًا…… تذكرت طلبها فصمّت على مضض! وأكملت هي:

– رغم التلاقي بين الدين والعلم في نقطة إلا أن هناك شيئًا مفقودًا في تواصلهما.. النمطية وتقليدية التصرفات أفرغت كل شيء من مضمونه.. حتى قيام البشر بعباداتهم شابه بعض القصور فبدا كما لو كان سلسلة من الأفعال المتصلة والمترابطة ولكن بلا روح!

قد يفتقد العلم للروح ويتخذ سبيله بين جوامد الأشياء يحللها ويفسر إشكاليات تواجدها.. لكن! الدين كما هو مفترض يُعنى بعمق الإنسان الروحاني.. بتلك الطاقة التي تربط بينه وبين العالم من حوله..بهذا التيار الانفعالي الذي يسري بداخله وينتشر بين خلاياه.. وهكذا فإن ارتباط الدين بالعلم رغم ميزاته العديدة إلا أنه تأثر تأثرًا مباشرًا بمادية الحياة التي وصلت لأقصى درجاتها بالتطور الحضاري الذي نحياه..

ربما لم يستبين الأمر لنا سريعًا ونكتشف ماهيته إلا بحدوث ظواهر اجتماعية سلبية انتشرت في أنحاء الأرض لتشمل علاقاتنا الإنسانية.. هذا على الجانب الإنساني.. وعلى جانب آخر لاحظ العلماء خلال السنتين الماضيتين شيئاً غريبًا ظهر جليًا في صور الكرة الأرضية التي تسجلها الأقمار الصناعية كل لحظة..

دعني أريك شيئًا.. فتحت حقيبتها وأخرجت حاسوبها المحمول وعرضت علّي مجموعة من الصور لكوكبنا الجميل وهي تقول أن هذه الصور التقطت على مدار الثلاثة أشهر الماضية.. ويبدو فيها عمق الكارثة التي حلت بالأرض..

دعوني أصف لكم ما رأيته.. أنا واحد من القلائل الذين يرون في الأرض أجمل الكواكب بامتزاج لون الماء الأزرق والمساحات الخضراء والصفراء منها.. أحب شكل الأرض من الخارج أكثر من الزُهرة أو زُحل أو غيرهما من الكواكب الصغيرة التي اكتشفت بمجرتنا ليبلغ عدد كواكب مجموعتنا الشمسية واحد وعشرون كوكبًا حتى الآن منها ذلك الكوكب الأخير “كليبان” والذي بدا كلوزة عملاقة..

الأرض أجملهم وستبقى! لكن أي أرض! فالأرض التي شاهدتها لم تكن هي الأرض التي أعرفها.. لقد قاربت ألوانها على الاختفاء خلف ظلالاً رمادية كست الكرة الأرضية بأكملها كطبقة شفافة حجبت عنها الحياة!

نظرت إلى ميرا مشدوهًا ومتسائلاً وحزينًا.. ويبدو أنها لم تدرك سوى حزني أكثر من أي شيء آخر فإذا بها تربت على يدي كأم تطيب خاطر ابنها.. اندهشت من ردة فعلها.. كما أحسست برجفة تسري في يدي وتنتقل إلى جسدي نتيجة لمستها التي تداركتها هي سريعًا فأخذت تُعَدِل من وضع نظارتها على وجهها.. يبدو أن هذا هو رد فعلها السريع عندما تضطرب!

وحتى لا تجنح بكم سفينة الخيال نحو شاطئ الرومانسية.. أنا لم أعني هذا! بل ما أعنيه هو شيء يصعب وصفه! هناك شيء غريب في هذه الأنثى! هل سأكتشفه يومًا لا أدري!

أعود لميرا.. التي أخذت تصف لي أن ظهور هذه الهالة الرمادية حول كوكب الأرض توافق مع ظهور الوباء وانتشاره.. بالإضافة إلى أمر آخر على جانب كبير من الخطورة.. هذا ما قالته بروية وهدوء وكأنها تنعي الأرض وسكانها…

– هناك ثقب أسود عميق يقترب من الأرض بسرعة مخيفة! رصدته جميع المراصد الفلكية الأرضية والمراصد المنتشرة بالفضاء.. ظهر من العدم فجأة ولا ندري من أين أتى!

أنت بالطبع تعلم أن هناك عدة أمور استعصت على فهمنا نحن العلماء ومازالت رغم التطور الهائل الذي حدث في بدايات هذا القرن.. والذي أتاح لنا إماطة اللثام عن الكثير من أسرار الكون.. إلا هذه الثقوب السوداء المنتشرة في سديمه.. والتي ما زلنا  نفسرها بنفس التفسيرات البدائية للقرنين الماضيين.. فجوات بلا جاذبية معروفة.. تبتلع الأجسام التي تسقط فيها و قد تنقلها لأبعاد أخرى.. ما أهميتها؟! وكيف نتجنبها!

طلاسم غامضة بلا إجابات.. علينا أن نتعامل معها ونحن راضخين لوجودها..

صمتت قليلاً ولم أدر هل لتمنحني فرصة لاستيعاب الأمر…أم حتى أسألها.. بالطبع تعجلت وكدت أن أحاصرها بأسئلتي لولا أنني تذكرت أنها لم تصل بعد للنهاية المنشودة ألا وهي كيف عرفت اسمي وما هو المطلوب مني! وحسنا فعلت فسرعان ماعادت هي للحديث ثانية؛ وبدا الأمر وكأنها لم تتوقف لحظة..

– أنت تعلم أنه الآن وبنفس اللحظة يجتمع مجموعة كبيرة من رجال الدين والعلم لبحث الأمر وتدارك الخطأ.. نعم! يبدو أن عالمنا الذين ساهموا هم بصنعه وتقنينه هو الخطأ

أصبحنا نفعل الصواب لأننا لا ندرك الخطأ.. فانتفت قيمة الصواب عنه! وأصبح بلا قيمة! فالأشياء بأضدادها تظهر وتتضح! لكن تحول الأشياء لثوابت واختفاء ما يقابلها صنع فجوة ما في الكيان الإنساني تشبه تلك الفجوة التي تقترب من الأرض!

– هل تعلم يا سيد “نادر” أن هناك مجموعة من البشر في الأرض مثلك؟؟

– مثلي! ماذا تعنين!

– أعني أن حالهم كحالك, لا يرتدون الخوذة ويعيشون الحياة بتناقضاتها.. وربما يعشقون الشكولاتة أيضًا!

وأنا واحدة منهم!

ها هو السر قد انكشف.. إنها امرأة مفعمة بالحياة.. لذلك أحسستها أنثى غريبة!

يبدو أنني رغم احتفاظي بقدر مناسب من المشاعر والأحاسيس التي لا تتوافر في عالمنا إلا أنني لم أقابل من هو مثلي لم أشعر بهم أو أحسهم.. وكأنني.. وكأنني

– وكأنك تفتقد القدرة على التواصل! لأنه لا مجال للتواصل على كوكبنا الذي افتقد الروح وطاقة الروح بالأثير من حولنا!

كانت هذه “ميرا” التي أجابتني فسألتها متعجبًا:

– بالله عليك كيف تفعلين هذا! أتقرئين الأفكار! ألم تنقرض قراءة الأفكار بين البشر في عصرنا هذا! ألم يعد التخاطر الروحي كسحر المشعوذين في القرون الغابرة؟؟

ابتسمت وهي تقول:

– هو سِحر، ولكنه بالقطع ليس شعوذة ! سؤالك يحمل الإجابة..

نعم! كيف لم أدرك هذا لا تخاطر روحي لأنه لا تواصل بين الأرواح.. بل تزامن بين أفعال وردود أفعال البشر.. هذا هو شكل الحياة التي نعيشها..

إذا فالبشر الذين ما زالوا يحتفظون ببعض من روحانيته هم وحدهم القادرين على التواصل مع من يشبهونهم!

– لكن أنا لا أتمتع بهذه الميزة!

أجابتني ميرا:

– نعم! لأنك لم تدرك طبيعتك ولا ماهيتك! رغم أنك تمتلك طاقة روحانية هائلة إلا أنك تستغلها بطريقة سخيفة.. بالسخرية ممن حولك واقصائهم والانزواء عن عالمهم الذي ترفضه!

عمومًا لا مشكلة فنحن نعمل على الجمع بين البشر الذين يتميزون بما تمتلك من صفات.. لأنهم الوحيدون المنوط بهم إنقاذ الأرض وسكانها.. وربما البشرية لأجيال قادمة!

وهكذا علمت باسمك.. كما أنني على علم بتاريخ حياتك.. أنا وفريق العلماء الذين يشاركونني لإنقاذ الأرض..

نجحنا إلى حد كبير في اقتفاء أثركم وبهذه اللحظة يتواجد أشخاص مثلي للحديث مع من هم مثلك في كل أنحاء الأرض..

وأنا اخترتك أنت لنعمل سويًا!

هل هي واقعة تحت تأثير سحري! طردت الفكرة سريعًا من خاطري حتى لا تكتشفها فهي تقرأني وأنا لم أزل بعيدًا كل البعد عن اكتشاف أسرارها..

– بعيدًا عن أفكارك النرجسية هناك أمران يجب أن تعلمهما! الأول لابد لنا من مغادرة شقتك والتوجه إلى مقر أبحاثنا.. للتدريب على التخاطر الروحي الذي ستحتاجه أنت ومن يشبهونك ممن سينقذون الأرض إن أمكن!

والثاني أننا نحتاج إلى استخلاص بعض من مكونات شريطك الوراثي DNA لمزجها مع العقار الجديد الذي سيوزع على جميع سكان الأرض كمحاولة لتجديد طاقاتهم الروحية خلال الفترة القادمة.. لا وقت لدينا فالتفسير الوحيد لاقتراب الثقب الأسود حتى وإن لم يكن منطقيًا أنه يشبه سلة المهملات التي تقوم ذاتيا بتطهير وتنظيف الفضاء.. فتبتلع بقايا النجوم والكواكب الميتة وصخور النيازك وأي أجسام غريبة بلا حياة..

وهذا يعني شيئان؟؟ أننا رغم من عدم اكتشاف حياة على أي من كواكب مجموعتنا الشمسية بالمعنى المفهوم, إلا أن عدم ابتلاعها بثقب أسود قد يعني أن على هذه الكواكب نوع ما من الحياة لم نستوعبه بعد!

كما يعني أن الأرض الآن بكل ما عليها من أرواح البشر والنباتات والكائنات تفتقد طاقتها الحيوية التي تثبت بقائها على قيد الحياة… الثقب يقترب من الأرض لأنها من منظوره كوكب ميت غادرته الحياة!

ولكي تعود الحياة يجب أن تزول الطبقة الرمادية.. ويجب أن يُشفى الناس من الوباء.

تفسيراتها منطقية وحججها مقبولة! ولكن هذا لم يمنعني أن أقول ساخرا:

– وهل سيكفي المستخلص من شريطي الوراثي أنا ومن يشبهونني لإنقاذ حياة البلايين من البشر!
كم عددنا! أعتقد أننا لا نكفي لكي تستشعرنا مجسات هذا الثقب وتدرك أن هناك حياة على هذا الكوكب التعس؟؟

ابتسمت ميرا في هدوء وهي تقول:

– بالقطع لا نحن لسنا العلاج بل جزء منه ! العلاج كاملاً سيكون في قطعة شوكولاتة لكل كائن على سطح الأرض… مجرد قطعة شوكولاتة!

معشوقتي… هل يمكن أن يكون الحل بهذه البساطة ! هل يمكن أن تنقذ البشرية من الفناء قطعة شيكولاتة.. مجرد قطعة شوكولاتة!

متتبعًا تاريخها الطويل منذ اكتشاف شجرة الكاكاو واستخدام حبوبها في المقايضة.. ثم اعتبار مشروب الكاكاو مشروب ملكي في حضارة الأزتيك ولملك المايا.. ومرورًا بإنتاج أول قطعة شوكولاتة عن طريق التجربة والصدفة والاكتشاف.. وتحول الشكولاتة مع الوقت لساحرة القلوب ورمز المحبة .. نهاية باكتشاف فوائدها العلمية مع الوقت.. والتي اكتشفت أنها أكبر مما كنت أتخيل أو أعرف

وهذا ما فهمته من ميرا ونحن في سبيلنا لإنهاء التجربة والاستعداد لإنقاذ الأرض!

مجرد قطعة شوكولاتة.. جملة نطقها الكثيرين منا نحن الذين قادتهم الصدفة للتواجد بمكان واحد لهدف سامٍ لم يطرأ على بال أيا منا يومًا أننا سنكون حاملين عبء تحقيقه.. جملة نُطِقت بكل اللهجات واللغات التي عرفتها البشرية منذ أن تفرق الناس ببرج بابل كما تقول الأسطورة وفقدوا التواصل لغة واحدة.. مجرد قطعة شوكولاتة قد تكون علاجًا للبشرية وإنقاذًا للأرض.. هنا في هذا المكان توجد  المعامل التي يجري العمل بها على قدم وساق لإنتاج الدواء الذي يتيح للبشر العودة واليقظة من هذا السبات الذي رماهم بسهمه.. السبات الذي أصاب البشر بأرواحهم وأصبح ينتهي بما يشبه الغيبوبة كما صنفه العلماء في الفريق البحثي! رغم قيام الجسد بوظائفه الحيوية.. إلا أنه يبقى في المراحل الأخيرة مغيبا بشكل شبه كامل…

لم يكن الوقت في صالحنا لأن الثقب اقترب من مجال الجاذبية الكونية لكوكب الأرض وهذه الجاذبية نوع آخر من الطاقات التي تم اكتشافها في السنوات الأخيرة.. فكما أن للأرض جاذبيتها على سطحها.. لها جاذبية أخرى تشتد وفق مكانها في المجرة وبين الكواكب الأخرى.. وهذه الجاذبية تتسارع كلما اقترب أي جسيم من الأرض وغلافها الجوي.. ويبدو أن للثقب أيضًا نوع من الجاذبية التي تتيح له شفط الجسيمات والكواكب.. ومن الغريب أو لنقل من حسن حظ الأرض أن مجالي الجاذبيتين تصارعا فيما بينهما.. حيث يعتقد العلماء أن الأرض تقاوم بصورة أو بأخرى, تقاوم لأنها المعركة الأخيرة.. وتقاوم وكأنها تمنحنا بعض الوقت لننقذ أنفسنا وننقذها.. بعد كل ما ارتكبه الإنسان على سطحها وفي حقها من جرائم.. ما زالت تمنحه فرصة للبقاء!

كم هي جميلة هذه الأم وحنونة ورائعة لو أدركنا طبيعتها..

كانت الأيام التي أمضيتها في المختبرات والمعامل واللقاءات مختلفة تماما عما عشته حياتي كلها.. حيث يبدأ يومنا باكرا بعد الافطار وأخذ العينات الطبية للمتابعة الصحية ثم عقد جلسات بيننا وبين العلماء يتخلل ذلك موعدي الغذاء واستراحة ترفيهية كانت تجمع بيننا نحن المنوطين بانقاذ الأرض في أحاديث زادت بالقطع من روابطنا الاجتماعية.. كان كل فرد فينا يخرج من الجلسة وقد زاد يقينه أنه لم يكن بالشخص الغريب الأطوار قدر ما كان بالشخص الغريب وسط القرباء!

كان موقع التجربة جزء من معامل رودهام التي تعمل بها “ميرا”.. وهي معامل عالمية شهيرة تختص بالأبحاث العلمية في مجالات الطاقة الحيوية والتواتر الحيوي وقياسها بأجواء الأرض سواء بين الكائنات أو بين البشر.. وهذه الأبحاث هي التي أدت إلى اكتشاف انخفاض مستوى الطاقة على سطح الأرض وتناقصه تدريجيا بدرجات متفاوتة حتى تسارع النقصان في السنوات الأخيرة بما وصل لهذه الدرجة التي ظهر معها الوباء وغشي الأرض هذا الغلاف الرمادي الذي غطاها..

هذه المعامل والمقر الرئيس والمختبرات كلها مبان مجهزة ومهيئة بأحدث النظم التكنولوجية وتقع على مساحة هائلة تقدر بمئات الأفدنة.. إن ملكية معامل رودهام كلها من الأراضي تبدو كما لو كانت ملعبًا عملاقًا للجولف..  بمساحاتها الخضراء وروابيها المتناثرة.. إحدى هذه الروابي هي المكان الذي أقمنا فيه..

أما المكان الذي نقيم فيه نحن فهو عبارة عن معملي أبحاث طبية متصلين أحدهما خاص بتحليل دمائنا ومزج عناصرها مع المادة المستخلصة من الشوكولاتة.. والجزء الآخر خاص بالاهتمام بنا ورعايتنا صحيا من الناحية الجسدية و الفسيولوجية حيث يقوم العلماء بتدريبنا على استغلال طاقاتنا المختزنة داخلنا والتي لم تستغل بعد.. كذلك يدربوننا على االتخاطر الروحي”التليباثي” وتهيئة أرواحنا للتواصل.. وكلا الجزئين هما ثلثا المبنى الذي نقيم فيه.. أما الثلث الآخر فيشبه فندق كبير هرمي الشكل وأعتقد أن هذا الشكل الهرمي ليس من قبيل الصدفة.. على اعتبار قدرته في الاحياء والتجديد .. والفندق مجهز بمطاعم وغرف للنوم والإقامة ووحدات ترفيهية وملاعب مصغرة للجولف والتنس..

كان  لابد لنا من حضور جلسات مطولة مع فريق العلماء لنفهم طبيعة التجربة وكيفية استغلال دمائنا مع مزيج الشكولاتة لصنع الدواء..

كانت هذه احدى الجلسات التي أستمتع بها حد الذوبان.. كذوبان روحي بقطعة شيكولاتة.. طريقة شرح ميرا لأصعب الحقائق العلمية تأسرني لديها قدرة غريبة على تبسيط كل شيء وعرضه في سلاسة متناهية.. أوضحت لنا أنه على الرغم من وجود عدد كبير منا إلا أننا لسنا جميعا صالحين لاستخراج مواد من شريطنا الوراثي لاستخدامها.. فالبعض منا لديه أجساما مضادة أو بعض الجينات التي تحمل صفاتًا غير مرغوب فيها… ابتسمت وأنا أتخيل أن كل صفاتي غير مرغوب فيها في هذا العالم.. و يبدو أن ابتسامتي استفزت ميرا فنظرت لي بحدة لا أدري سببها وقالت لي بأسلوبها الجاد:

– سيد نادر أحتاج للحديث معك بعد الجلسة

شعرت أنني طفل مشاغب توعدته أمه بالعقاب فأومأت لها بهدوء..

في هذه الجلسة فهمنا أن استخدام الشكولاتة تحديدًا ليس بسر او اكتشاف علمي فطبيعة المواد المكونة للشوكولاتة كالأندروفينات والسيترونات والفلانوفيدات كلها مواد تزيد من الشعور بالحب وتمنح إحساسًا بالسعادة والرضا.. كما تحسن مجموعة الأحماض الأمينية الموجودة بالشكولاتة من حالتنا المزاجية..

لكن الجديد هو وجود تلك المواد أحادية التأثير مجتمعة في الشيكولاتة .. وهي مجموعة الأنادميد التي تثبط من الإحساس بالكآبة وتقضي على المشاعر السلبية… كما أن قدرة الجسم على امتصاص هذه المادة بدون إدمانها بعد أمرًا غريبا.. لأن الشكولاتة كما تحتوي على الأنادميد تحتوي أيضا على الثناميد وهي المادة المعادلة والمكافئة لتأثير الأنادميد..  وعلى هذا فإن محبي الشكولاتة لدرجة الإدمان ليسوا مدمنين بالفعل لها.. ولكن! لحاجتهم العاطفية والنفسية للشوكولاتة أكثر من غيرهم….

كانت الشكولاتة هنا بمثابة غذاءهم الروحي.. وخبز الحياة بالنسبة لهم..

كانت عملية معقدة الفهم واكتشاف مذهل لدى العلماء.. حيث كانت الشكولاتة تحمل تركيبة من المواد المتناقضة والمعادلة التأثير.. بحيث تتفاعل هذه المواد عند تناول الشكولاتة لها مع كل فرد حسب طبيعته وصفاته الخاصة..

كانت الشكولاتة بهذا الاكتشاف من أكثر المواد توازنًا على سطح الأرض.. بل هي أكثرها على الإطلاق..

فكل المواد لها صفات و خصائص تميزها تختلف بها عن المواد الأخرى و بما يجعلها تميل لاتجاه دونا عن الآخر…

سواء أكانت معادن أو مواد طبيعية أو مواد مخلقة صناعياً.. بينما الشكولاتة تتكون من مجموعة من المواد التي تتحد وتتوائم مع بعضها البعض بنسب متعادلة حد التطابق..

وهذه الخاصية هي التي أتاحت للعلماء الفرصة لاستخدام الشكولاتة كمادة متوازنة لن تؤثر في المادة الفعالة للعلاج كما لن تؤثر بالقطع على البشر تأثيرًا سلبيًا لأنها تتعادل مع طبيعتهم بما يتناسب معهم بما يمنع بالتأكيد من ظهور أي آثار جانبية عليهم.

كانت الشكولاتة أكثر توازنـًا منا نحن البشر المختارين لعملية الإنقاذ.. وعلى هذا الأساس تم اختيار أكثر مجموعة حيادية منا لاستخدام المواد المستخرجة من شريطها الوراثي ودمجها مع الشيكولاتة.. بحيث يتم تصنيع دواء كعلاج للمرضى الذين أصابهم المرضى..

وتصنيع شوكولاتة من نوع خاص يتم توزيعها على كل سكان الأرض ويتم تناولها مع  الغذاء كعنصر مساعد وبنسب تضمن الحد الأدنى من تأثيرها المطلوب..

– هذه هي جلستنا الأخيرة! قبل تدريباتكم المكثفة على استغلال طاقاتكم الروحية  و التدريب على دمجها فيما بينكم في اليوم المنشود..

وسيكون بحسب علماء الفلك وحساباتهم بعد أسبوعين من الآن… أي الأحد الموافق 17/11/2165

كانت هذه كلمات “ميرا” التي اختتمت بها اللقاء..

أسبوعان من الآن… وننقذ الأرض أو نفشل في إنقاذها!

لابد لي من أن أفعلها إذًا.. لابد لي من الاعتراف! أعتقد أنني وقعت في الحب.. أو أعتقد انني بدأت في اكتشاف الحياة… يالها من سخرية! اكتشف الحياة وقد قاربت الأرض على الفناء…

أنا أحب ميرا, ولكنني أتجنبها وأتجنب الحديث المباشر معها… أعرف أنها ستقرأ ما بداخلي كعادتها.. وها هي قررت أن ننفرد بحديث وهكذا ستكتشف السر.. لابد لي من البوح قبل الاكتشاف!

تباطأت بعد خروج آخر أفراد المجموعة.. واقتربت من ميرا متوجسًا أتظاهر بالثبات وأتصنع المرح..

– ها أنا ذا!! هل أنا معاقب؟؟

نظرت لي ميرا نظرة ساحرة انخلع لها قلبي ولكنني تماسكت وبادلتها نظرة ساخرة .. ولم أنطق بشيء فداخلي يموج بصخب..

– ألم أخبرك انك ستكون رفيقي في تجربة إنقاذ الأرض؟ ألم يكن من الواجب أن نتلاقى حتى تستوعب بالضبط كيف ستتحد قوانا؟

أنت تعلم أننا نعمل في أزواج تكاد أن تكون متطابقة وباقي المجموعات بدأت بالفعل في ترتيب أفرادها والعمل على زيادة التواصل فيما بينها حتى تكون الطاقة الروحية كافية؟؟

– التطابق بيننا؟؟ هذا أمر بصراحة أستغربه فكيف أتطابق أنا معك أنتِ بمثل هذه الشخصية الغريبة التي أنا عليها!

– يبدو أنك لم تتخل بعد عن شخصيتك المصطنعة!

– نادر أعتقد أن الوقت لا يسمح بالتصنع ومحاولة اخفاء الحقيقة!

– نعم! ميرا أنا أحبك وأنا الذي كنت أعتقد أن قلبي لن يدخله الحب أبدًا

– أنا لم أكن أعني هذا الأمر! بل كنت أعني أن….. . لا مشكلة فيبدو أن كلاهما واحد

– هل تسرعت في الإعلان عن حبي؟؟

– لا يا نادر ليس الأمر هكذا فأنا أعلم بحبك لي.. وأعتقد أنني أيضًا ربما أبادلك نفس المشاعر.. ولكن ليس هذا وقته فإنقاذ الأرض أهم من أي شيء وتدريباتنا معا الفترة القادمة… و…… و….

لم أسمع أيا من كلمات ميرا بعد اعترافها بأنها ربما تبادلني حبــًا بحب! فقد مادت بي الغرفة وغمرتني سعادة لم أشعر بها من قبل! أحب هذه الفاتنة صاحبة العقل اللماح.. أحب هذه الهادئة الواثقة التي لا تعرف السخرية وتشعر بمن يجاورها من البشر وتتقارب معهم وكأنها تعرفهم طيلة عمرها!

– نادر! نادر! أين ذهبت؟؟

ليس هذا وقتًا مناسبًا للشرود.. ترفق بنفسك قليلا وتمهل فكل شيء سيتأتى لك أن تصل إليه مع الوقت.. إن تعجلك هذا هو ما يجعل من الأمر صعبًا.. نادر أنت لا تعرف نفسك جيدًا .. لأنك قاومت أن تسبر أغوارها قاومتها وقيدتها وحبستها داخلك! ارتضيت لنفسك هذا الإطار الزائف.. والقناع الواهي الذي ترتديه دائما.. لو تصرفت كطبيعة نادر التي أوضحتها تحليلات الطبيب الذي أوصى والدتك بضرورة امدادك بالشكولاتة كلما طلبتها.. لعرفت من هو هذا الإنسان الذي يحمل في قلبه النادر الكثير من المشاعر النقية البكر.. التي افتقدها عالمنا.. و كاد نادر أن يفقدها لولا الشيكولاتة..

نادر أنت مثلي! تحمل قدر هائل من الطاقة الروحانية والمشاعر المتدفقة التي لا ترضى بالتقنين والقيود

ولكن! لأنك بدلا من أن تكتشف ما بداخلك خشيت الاقتراب منه وملامسته واكتشافه والإحساس به.. ارتضيت لنفسك بأن تكون غريب الأطوار.. على أن تكون إنسان نادر ومختلف…

نادر! أمامنا الكثير الذي يجب علينا أن نعمل معًا لإخراجه من داخل هذا القلب الذي يتظاهر بالجفاء!

قلبي يتظاهر بالجفاء! ليس قلبي فقط فصاحب القلب نفسه تعود على أن يكون ساخرا وجافيا.. تعود على الاختفاء وراء قناعه الثلجي رغم كل هذا الدفء الذي اختزنه بداخله حتى كاد أن يحرقه… نعم أنا تعودت على الخداع وكنت أتصور انني أخدع من حولي ولكن في الحقيقة أنا كنت أخدع نفسي قبل الجميع..

كنت أخشى من الاعتراف بحقيقتي.. فالجميع كان ينعتني بغرابة الأطوار لمجرد الاختلاف فكيف بهم الحال لو تصرفت بطبيعتي. لو أعلنت اعتراضي على القيود أو لو رفضت تقنين المشاعر و التي نشعر بها.. أو لو رفضت أن تكون تصرفاتنا وردود أفعالنا وفق منظومة موضوعة وليس وفق تفاعل لحظي نابع من دواخلنا..أنا كنت على صواب.. ما كنت أفكر به رغم غرابته مقارنة بمن حولي ولكنه كان هو الصواب هو الواجب عمله..

ربما خوفي أنا ومن يشبهونني في التعبير عن ذواتنا الحقيقية هو ما دفع بالأرض إلى حافة التهلكة.. هو ما أوصلنا لهذا! فنحن لم نعترض لم نرفض لم نعلن عن رفضنا..لم نصرح بما نحن عليه ورضيا لأنفسنا بوضع هذه الخوذة البلهاء لا على رؤوسنا فقط ولكن على قلوبنا وعلى مشاعرنا..

ليس الحكماء في الأرض ورجال الدين والعلم فقط هم المخطئون بل نحن أيضا من كنا نستطيع أن نلفت انتباه العالم من حولنا إلى بلادة الحياة ورتابتها.. إلى برودها الذي يشبه الموت وما هو بموت!

لو حاولنا! لو !

– لو انتفت تماما بعدم حدوث شرطها يا نادر… لو أن تقدم أو تؤخر من الأمر شيئا!

كانت هذه ميرا.. ابتسمت لها وأنا أقول ألن تكفين أبدا عن كشفي هكذ؟!

ربما سيأتي اليوم الذي تفعل فيه أنت هكذا معي و أكثر….. لا تستعجل

بدأ العد التنازلي لمستقبل الأرض.. والعد التصاعدي لحياتي الجديدة في التواتر شيئا فشيئا كلاهما معا بنفس الدرجة ومع اختلاف الاتجاه..

لم أكن وحدي الذي أشعر بالقلق والتوتر والترقب والانفعال.. كانت أجهزة قياس التوتر الانفعالي تتزايد مؤشراتها في الارتفاع مع الوقت…  دبيب الحياة بدأ يسري في أرجاء المكان كدبيب حياة تسري في جنين ما زال يتشكل في رحم أمه..

منح تواجدنا جميعا بنفس المكان وانطلاقنا في التعبير عن مشاعرنا وانفعالاتنا  المكان ألوانا جديدة…للزهور والأشجار والنباتات وأصواتًا مختلفة للحيوانات والطيور من حولنا… ربما كانت الحياة واحدة لم تتغير ولكن إحساسنا بها هو الذي تغير بالقطع..

وكانت البشرى بعد تصنيع العلاج ومزجه بالشكولاتة وتقديمه للراقدين في سبات عميق.. لقد بدأ السابتون في الاستفاقة بدأوا في الاستيقاظ.. عادت لهم الحياة أو ولدوا من جديد!

أما نحن المنوطين بانقاذ الأرض فلقد أصبحنا أكثر حرية وانطلاقا في التعبير عن أنفسنا وفي فهمها وفي الإحساس بمن حولنا..

نحن على استعداد للاتحاد والاندماج مع أمنا الأرض.. نحن على استعداد لمنحها طاقاتنا لتحيا من جديد!

أصبحت الشكولاتة غذاء الروح لكل البشر على سطح الكرة الأرضية وارتفعت مؤشرات القياس لمعدلات الطاقة في كل مكان على سطحها

وبدأ الكثيرون في الاستفاقة…

حدث الكثير قبل اليوم المنشود!  تغيرت الحياة على الأرض بمجرد قطعة شوكولاتة ذابت في أفواه البشر وأذابت جليد قلوبهم وأرواحهم!

سيأتي يوم الأحد الموافق 17/11/2165 وتنتصر الأرض.. سيفر الثقب الأسود ويعود من حيث أتى! الصور المبدئية لكوكب الأرض في الفضاء تشير إلى انفراجة في الغلالة الرمادية التي أحاطت بالأرض.. أصبحت أكثر شفافية وبدأت الأرض في الزهو بألوانها…

وحتى هذا التاريخ .. وقبل حدوث المعجزة الكبرى.. حدثت معجزتي أنا.. أصبحت أو لا أعرف! كنت  و عدت أكثر تفاعلا مع الحياة.. أكثر مرحا أكثر انطلاقا .. أكثر شغفا بالحياة وأكثر عشقا لميرا… لم أعد محتاجا للسخرية, ولم أعد غريب الأطوار بل أصبحت أو كدت أن أكون من هؤلاء البشر الذين يحملون في قلوبهم سر الكون…

وميرا لقد شغفت بي حبا… هي لم تعترف بعد! أنا الذي اخترقت حصونها وسبرت أغوار نفسها لقد أصبحت بارعا  في قراءة روحها وفهمها

ولكنني لن أصارحها.. سأنتظر حتى تعترف بنفسها!  مازلت مشاغباً.. فلم أتغير بعد تغيرًا تاماً.. أو لنقل هناك أشياء لا تتغير أبدا!

وفي صباح يوم الأحد الموافق 17/11/2165 بدأ اندماج البشر في حلقة واحدة بكل مكان على سطح الأرض.. البشر اتحدوا يدا بيد..

صغارا وكبارا وشيوخا.. نساءً وأطفالاً ورجالاً.. الذين شفيوا من المرض والذين مازالوا يتلقون العلاج.. رجال الدين والعلم والساسة..

ونحن! أكثر أهل الأرض روحانية وشاعرية وقدرة على التواصل.. أكثرهم ذوبانًا مع أثير الكون كذوبان قطعة الشكولاتة في الفم!

حتى الكائنات والمخلوقات على سطح الأرض التي تجمعت في أماكن واحدة صنعت لها خصيصا..

تقاربت الأرواح والأجساد.. تقارب الجميع في سفينة واحدة.. لقد كانت الأرض هي سفينة نوح لنا جميعا… ونحن بانتظار النجاة

وبلحظة فارقة في عمر الأرض منذ نشأتها..  توحدت طاقاتنا بطاقاتها.. وتجمعت ووُجهت إلى ألواح فضية تستشعر ذبذبات الحياة داخلنا وتعكسها خارج الأرض.. لتتفتت الغلالة الرمادية أو ما تبقى منها في وجه الثقب الأسود… الذي يختفي لتعود الأرض للحياة من جديد!

لقد نجحنا! بأرواحنا التي عادت للحياة… ومجرد قطعة شيكولاتة!

وقفت أمام ميرا منتصرا!  أشعر بالزهو والسعادة والفخر.. وانتظر أن تعترف بحبها لي.. ولكنها لم تفعل!

بل أخذتني من يدي ووقفت بي على رابية تطل على مرج من الزنابق البيضاء.. وهي تهمس: لن أعترف! لأنك تنتظر اعترافي!

بل سأعترف بحبك…. لأنني أحبك!

يالي من ساذج! ما زالت تتفوق عليّ في قراءة أفكاري! تلك الفاتنة!

ومازال السر كامنًا في ………………………مجرد قطعة شوكولاتة

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .