الرئيسية / احدث التدوينات / الانسانية والمجتمع

الانسانية والمجتمع

تقوى

 

منذ بدء الخلق , والاختلاف المتباين في القصص التي وردت الى مسامعنا عن هذه  البداية الا انها جميعا كانت تتفق على ان الانسان لم يستطع التواجد في هذا الكون الفسيح بمفرده بل ظل في حوجة دائمة ومستمرة لوجود من يشاركه فكرة التواجد على ظهرهذه الارض والتفاعل مع كل ما يحيط به من بيئة ومخلوقات وطبيعة بمختلف مكوناتها المادية والمعنوية.

من اجل ذلك , سعى الانسان دائما للتواجد في مجموعات صغيرة يتقاسم معها شيئا ما بصورة او بأخرى بدءًا باحتياجاته الاساسية من غذاء ومسكن وملبس , لتتسع هذه الدائرة بصورة غريزية وتشتمل على مقاسمته مع افراد هذه المجموعة أشياء اخرى تتجاوز قيمة المادة , كالأعراف والعادات والتقاليد والقيم والاخلاق التي تشكل في مجموعها الهيكل الاساسي والرئيسي الذي يمثل كافة هؤلاء الافراد داخل المجموعة والذي يعرف ( بالمجتمع ).

لذلك بإمكاننا ان نعرف المجتمع بصورة بسيطة على انه : مجموعة من الناس تعيش سويا في شكل منظم وضمن جماعة منظمة , في حيز مكاني معين و ظروف زمانية معينة تخلق نوعا من العلاقات الثقافية والاجتماعية والدينية بين افراده بصورة تضمن السلام والتجانس فيما بينهم.

المحرك الاساسي الذي دفع ولا زال يدفع الانسان إلى خلق هذه المجموعات هو حقيقة ان الفرد يملك وسائل محدودة نوعا ما كوحدة مستقلة ولكن من خلال مشاركته اياها مع الاخرين تصبح هذه الوسائل في مجموعها ضخمة جدا , وتصبح بتنوعها قادرة على تحقيق المصلحة العامة بصورة اكثر كفاءة وجودة.

سلوك التواجد في مجموعات لم يكن يمارس من قبل الانسان وحده بل من قبل اغلب الكائنات الحية الاخرى وتحديدا القرود . الشيء الذي ساعد العلماء في دراسة هذا السلوك بصورة اكبر , حيث كانت المجموعة بالنسبة لهم تشكل مصدرا للأمان والتفاعل المشترك من اجل توفير الغذاء والتكاثر لضمان استمرار اجيالهم وحفظها من الانقراض.

مارس الانسان القديم نفس السلوك حيث تشير الكثير من الدراسات القديمة إلى أن الانسان الاول كان يحتاج لهذه المجموعات ايضا لضمان توفير الغذاء عبر الصيد , والامان عبر وجود هذه المجموعة, والتكاثر وحفظ الجنس البشري من خلاله .

وككل حاجات الانسان الاخرى , مرت حوجة التواجد في مجموعة بالكثير من التطورات والبلورة وصولا الى الشكل الحالي لمجتمعاتنا وانظمتها المتطورة .
احتاج الانسان لوجود الاسرة الصغيرة التي تتسع شيئا فشيئا لتشمل العائلة ومجموعات العوائل التي تخلق مجموعة صغيرة متحدة  تتقاسم الكثير من الاشياء المادية والمعنوية , لذلك نجد ان الانسان ممثلا لمجتمعه حرص على وجود شكل واطار يحفظ هذه العملية عبر ( الزواج ) – مثالا – , وسن الكثير من القوانين والتي رغم تنوعها واختلافها من مجموعة لأخرى ومن مجتمع لأخر الا انها تعبر عن نفس الحوجة وهي رغبته في خلق نظام متماسك يحفظ كينونتها .

سواء ان تم هذا الزاوج في المسجد او الكنيسة او المعبد , سواء حدث في الشرق او الغرب يظل قادرا على تحقيق الغاية الاساسية منه وتكوين الارضية الصلبة التي ستنبثق منها مجددا المزيد من دعائم الاستمرارية.

احتاج الانسان لوجود ضوابط تحكم تعاملاته الاخلاقية , فسن القوانين واللوائح , والعقوبات الرادعة لكل من يحاول المساس بها , وسعت الكثير من المجتمعات لتطبيق لوائحها بصرامة حادة , وسواء كانت هذه القوانين خاضعة لنظام ديني او سياسي معين الا انها وفي نهاية الامر تسعى مجتمعة لحفاظ كيان المجتمع وضمان التعايش السلمي بين افراده بدون اذى او ضرر .

احتاج الانسان لوجود تفاعل بين افراده بصورة تلبي غرائزه واحتياجاته لذلك نجد ان الانسان ابتدع الكثير من اشكال العلاقات التفاعلية بينه وبين الاخرين , كالحب والصداقة والجيرة وعلاقات العمل و عمل على الحفاظ عليها من خلال القيم والاخلاق التي تتضمن احترام قدسية هذه العلاقات وسعى لتمليك هذه القيم وغرسها في الاجيال القادمة مانحا اياها ارثا غنيا يتطور يوما بعد يوم الى انه يظل محتفظا بشكله العام المتفق عليه بين افراد المجتمع .

عملية التطور التي لازمت بنيان هذه المجتمعات بشقيها المعنوي والمادي اسهمت في ارتقاء بعض المجتمعات وتميزها اخلاقيا واقتصاديا وسياسيا الامر الذي لعب دورا كبيرا في ترسيخ اهمية احترام المجتمعات لأفرادها.

لذلك نجد الكثير من المجتمعات ترفض بشدة كافة اشكال الخروج عن اعرافها وتقاليدها خوفا من المساس بهذا الكيان وتهديد استقراره , ونجد الافراد من زاوية اخرى مطالبين بالانصياع لهذه اللوائح بدون تقبل لمساحة اعادة النظر والتفكير فيها والذي من شأنه ان يصنف جرما مستحقا للعقوبة في بعض الاحيان برغم ان بعض هذه العادات والتقاليد كانت اثقل من ان يحملها المجتمع على كتفيه وهو في طريقه للتطور وللتغير والحركة الايجابية لتصبح حملا ثقيلا مربوطا بقدميه معطلا له ولأفراده من التقدم.

الجدير بالذكر ايضا , ان بعض المجتمعات تتجاوز قمع افرادها وردعهم عن المساس بالكيان المجتمعي والخروج عن عاداته وتقاليده لتخلق حربا من نوع اخر ضد المجتمعات الاخرى التي تقوم بممارسة نفس السلوكيات المجتمعية ولكن بأسلوبها الخاص الذي قد يبدو في ظاهره عكسيا ومنافيا للمجتمع المعني.

من اجل ذلك , نجد ان تحقيق الوحدة الانسانية وتقبل الانسان لاختلاف الاخر عنه يجب ان يبدأ من نقطة ادراكنا العميق لحقيقة ان الانسان في شرق الارض وغربها كان ولا زال يمارس نفس السلوك البشري لتلبية احتياجه , تماما كابتداعه للغة والدين والثقافة والفن كما اسلفنا في مقالات سابقة ولكن بطريقة مختلفة وان هذا الاختلاف هو اصدق دليل للوحدة الانسانية , وان محاربتنا لهذه الاختلافات هو طعننا لحقيقة ان الانسان في ارجاء الارض قاطبة هو نفس الانسان , باحتياجاته المتشابهة واختلاف تلبية هذه الاحتياجات بحكم ما يمليه المكان والزمان والظروف المحيطة .

 

عن تقوى سامي

mm
طبيبة وكاتبة ومترجمة من السودان