الرئيسية / احدث التدوينات / فتاة الحافلة 

فتاة الحافلة 

فتاة-تقرأ-في-الحافلة

بقلم: عمر النمري

1 _

*حدث مرة أيام الجامعة أن جلست أمامي فتاة في حافلة الطلبة تحمل أوراقًا تراجع من خلالها ” بلاغة ” فرُحت أقرأ ، سعِدت كثيرًا بمحتوى الأوراق، كانت البنت تُخرج مرآة صغيرة من حقيبتها لترى وجهها أو ربما لترى من خلالها الشخص الذي يتجسس خلفها، نزلت عند كلية الأدب، أردت أن أتبعها ثم امتنعت لأن مريضًا ينتظرني في مستشفى ابن مسوس لأكمل ترميم سنه .

في المساء و أنا عائد بعد يوم متعب و جدتها في الحافلة مجددًا .. سبحان الله و سبحان الخالق .. اغتنمت الفرصة و كلمتها .

قلت . أهلا

قالت . مرحبًا

قلت . ” راني حلفت الصباح كون نلقاك العشية نهدر معاك . . “

تمعّنت في عينها جيّدًا و كأنها سماء يوم ربيعي صافي، تعبرها سحابة تتبدل ألوانها كلما تغيرت الإضاءة، و ذاك الوجه الذي أعتقد أنّ الزمن لن يؤثر فيه يومًا .. صافي هو بدوره كالمرآة، تلك الأسنان المنسقة وسط ذاك الفم الجميل و ذاك الأنف اللطيف، و فوق كل هذا حياؤها لا تصر حتى أن تنظر إلى عيني مباشرة .

قالت . كيف ذلك .. أنا لم أرك في الصباح ؟؟

قلت . كنت جالساً في المقعد الذي خلفك و كنت أقرأ باهتمام كبير الأوراق التي كانت بين يديك .. الظاهر أنك تدرسين أدب .. لقد اشتقت حقاً إلى الحرف العربي .. وحده الحرف هو الذي يستطيع تحريكي.

قلت في نفسي ” ليت هذا الجمال يكون في مستوى تلك الأوراق التي كان يحملها في يده “

قالت . أجل أدرس أدب . السنة أولى . ماذا تدرس أنت ؟

قلت . أدرس جراحة أسنان .. أنا في السنة الرابعة .

كنت أسأل و هي تجيب . لكني لاحظت أني سببت لها بعض الإحراج .. ربما كان معنا في الحافلة شخص يعرفها . اعتذرت منها .. و ذهبت إلى زاوية أخرى و كنت أسترق النظرات .. هذه التي منظرها من قريب يجعلك تُسحر و منظرها من بعيد يجعلك تحلق عاليًا . .

هل حقاً كنت قبل لحظات أتحدث مع هذا الجمال . . كدت أكذّب نفسي

كان الجو ممطرًا، و تلك الحافلة اللعينة المكتظة بالطّلبة تسير ببطء وسط زحمة السير، الكل يرتدي معاطف و البعض يحمل مظلات تقطر بالماء .. زجاج النوافذ يعلوه الضباب و الإنارة خافتة .. كان ينقصنا أن نشعل النار وسط الحافلة كي نشعر فعلًا و كأننا في غابة استوائية مطيرة ،حينها تذكّرت خُبز أمي و تلك الليالي الطوال .

لم ألاحظ أنهم كانوا يرمقونني بنظراتهم حتى انزويت، لكن ليس من عادتي أن أكترث لنظرات البشر ، كنت أرى تلك الأعين العابثة كأنها أعين الضفادع .. لطالما اصطدت الضفادع في صغري في (واد_فرجة ) الواد الذي تعلمت فيه السباحة بمعية الضفادع في مدينتي (فرندة).

وصلت الحافلة إلى الإقامة بباب الزوار،  نزل الطلبة تباعاً مُتدافعين ،أردت أن أجعلها تنزل قبلي و أقول لها السيدات أولاً . . كنت لبقاً .. بيني و بين نفسي لكنها نزلتْ من باب و نزلت من باب آخر، أردت أن أتبعها لباب دارهم لعلي أرى إن كان أخوها أهلاً للمصاهرة ، لأن أصحاب المدن الكبيرة فيهم من الميوعة ما يجعلني أتضجّر منهم حد الغثيان ، تلك الميوعة التي طالما لم أستطع تبريرها ، و لطالما كرهت أناسًا بسببها .

بدّلت رأيي و صعدت لغرفتي، المهم أني اكتشفت أنها تسكن في الحي المقابل للإقامة ‘ سوريكال’ ، كانت أخبرتني بهذا في حديثنا .

كنت جائعاً و منهكاً والحياة الجامعية تعلمك كل شيء حتى السرقة .

كان تربصي بمستشفى ابن مسوس يوم الثلاثاء من كل أسبوع ، لوهلة صار هذا اليوم عزيزًا علي ، رغم أني كنت أمقته بسبب  أستاذة علمانية متعجرفة تدرسني هناك ، و أيضًا لبعد المسافة و زحمة السر .

2 _

*دخلت غرفتي .. استلقيت فوق السرير دون أن أنزع حذائي كالعادة .. سرير صديقي ، وسادته تملؤها رائحة الموتى لأنه لا يُجدد غلافها أبدًا حتى يرميها في آخر السّنة في سلّة المهملات ، لكن لا بأس لأنها لصديقي العزيز .

في الليل وضعت أوراقي أمامي و رحت أكتب _ إن الفتيات اللواتي يدرسن معنا في كلية الطب أغلبهن ليس عندهن حس أدبي ، حتى أوقات فراغهن يقضينها في الحديث عن الدراسة و الامتحانات _ فكّرت أن أكتب لها رسالة لأرى ردّها كيف يكون .. لأن ما شدّني إليها في الحقيقة هي تلك الأوراق و ليس جمال عينيها ، كتبت الرسالة و أردفتها بقصيدة .. هذه أبيات منها .

كُنت أعتقد أنني أصبحت لا أبالي .. حتى رأيتك يا بنت السوريكالِ .

قولي لي من أي معدن أنت، أمِن .. نحاس رخيس أم من ذهب غالي .

رأيتك و ليتني ما رأيتك و ما حدّثتك .. و ما رفعت قلمي و ما سهرتُ الليالي .

كتبتها على نسختين كما أفعل دائما ، و رحت أترقب صبيحة يوم الثلاثاء .

مرّت أيام الأسبوع طويلة ، و ها قد جاء يوم الثلاثاء ، كانت تلك الأيام أيام إضراب في الجامعات و الدراسة تتوقف في بعض الكليات، لذا خفت أن لا أجدها.

اليوم أنا ذاهب لاجتياز امتحان في مصطفى باشا ، خرجت في الصباح فقط من أجل أن أسلّمها الرسالة، ها هي ذي واقفة في موقف الحافلات مثل حمامة ، كم هو جميل أن تبدأ نهارك بمقابلة وجه نيّر كوجهها ، اقتربت منها سلّمت عليها و أعطيتها الرسالة و ابتسمْت ، و كانت هي إلى الرضى أقرب، رغم أني لم أستطع أن أفهم جيدا معنى تلك الابتسامة الصغيرة التي ابتسمتها لي . كانت رسالتي مبسوطة و مشفرة ، شروطي الكبيرة التي طالما وضعتها في تلك المرأة التي سأحبها ، جعلت كل النساء اللواتي قابلتهن في حياتي يرسُبن وكنت أتوقع رسوبها  لكن لا بأس بالمحاولة .. المشكل الكبير الآن هو  أنه علي أن انتظر أسبوعا آخر لأرى النتائج .

مرّ ذاك الأسبوع أطول من سابِقه، لأن الشوق تملّكني لمعرفة ردها .. و كيف يكون، كنت أريد ردا برسالة من عندها .. هكذا نتكافأ .. و أرى من خلال خطها . ما يدور بداخلها . لا بأس من كثرة السهر تلك الليلة لم أنهض باكرا و فاتتني حافلة 7:30 المرتقب أن أجدها فيها .. غسلت وجهي و شربت قهوة على عجل كي ألحق حافلة 08:00 . هذه الحالفة تخرج شبه فارغة لأن معظم الطلبة يذهبون في الأولى و الثانية، دخلت من باب السائق فرأيت الفتاة تجلس هناك في طرف الحافلة  تضع حقيبتها الجميلة على المقعد بجانبها و كأنها تحجز مكانا لي .. أتمنى أن يكون ذاك المكان قلبها .

لوهلة أردت مُعاقبتها لأني تذكرت عيناها ذاك اليوم قبل أن أعطيها الرسالة و كأنها كانتا تقولان ” ابتعد من فضلك . فجمالي ملك للملوك لا الصعاليك ” .

جلست في المقعد خلف السائق .. أخرجت أوراقي لأراجع بعض النقاط، و رُحتُ أرمقها .. و كأني رأيت احمرارٌا على وجنتيها .. اغضب هو أم خجل . أعلم أنّها منزعجة منّي ، هذا وقت مناسب كي ألعب على أوتارها لأعرف أهي مشدودة جيّدا !! … أهي قابلة للعزف !! .. ما مدى مدة صلاحيتها، فأنا لا أحب المثلجات أحب خبز الشعير .

شعرتْ بأني أهنتها هي التي انتظرت أسبوعاً مثلما انتظرت و تركت حافلتها من أجل أن تلقاني، أنا أيضا تركت النوم ليلة كاملة من أجلها أفكر فيها . . انطلقت الحافلة كان فيها بعض الطلبة و ذاك المكان المحجوز لي كما هو . توقفت الحافلة في المحطة الموالية نزل بعض الطلبة ليركب آخرون، و وجهها لا يزال محمرا و إذا بشخص وسيم يسألها الجلوس فنزعت حقيبتها و نظرت إلي نظرة هي إلى الجمال عندي أقرب إلى الشر.. جميلة و رقيقة حتى و هي منزعجة . هذا خبر سار ..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة