الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: التشكيل ورجل الشارع ”قراءة في كتاب مصرع الإنسان الممتاز لعبد الله بولا”

ملف العدد: التشكيل ورجل الشارع ”قراءة في كتاب مصرع الإنسان الممتاز لعبد الله بولا”

dr-abdullah-bola-a

مدخل

ينطلق عبد الله بولا في أطروحته (مصرع الإنسان الممتاز)من أرضية معرفية تعتبر أن كل إنسان هو مشروع لمبدع يحمل في دواخله قدرات تخليقية كامنة– قد تختلف طرق التعبير عنها، ولكن مؤسسة الامتياز بأنواعها تعمل على احتكار الفن كما غيره من المجالات بتضييق الخناق عليه بوضعه داخل إطار تعريفات مؤسسية مشوهة تؤدي إلى استبعاد كل من لا ينتمي إلى المؤسسة من إطار التعريف الفني، حتى ولو كان مبدعًا خلاقاً، يتصدى بولا لحجج مؤسسة الامتياز مفندًا إياها في سلسلة مقالات تم نشرها على صفحات جريدة الأيام بين عامي 1976 – 1977 هادفًا فيها لنزع الفن من أنياب مؤسسة الامتياز وإعادته إلى الإنسان العادي (رجل الشارع) بوضع تعريفات أكثر شمولاً ومفاهيم أكثر اتساعاً تعيد نشاطات تشكيلية تم استبعادها عمداً إلى داخل حظيرة الفنون التشكيلية، أو رد الاعتبار للفنون الشعبية والمساعدة على تحول المؤسسة الفنية إلى أفق أكثر رحابة وإنسانية.

يقع علينا واجب إرجاع هذا الدين إلى ورثته الشرعيين أبناء الإنسان كافة

 ثم تجميع هذه المقالات وتحريرها وإعدادها للنشر عبر الأستاذة نجاة محمد على لتقدم في شكل كتاب متوسط الحجم تكفلت مؤسسة الشارقة للفنون بإصدار طبعة أولى له في مايو 2017، ورغم أن بولا أبدى تحفظًا في البداية على تجميع مقالاته ونشرها باعتبار انه تجاوز الكثير من الأفكار التي حوتها المقالات بفعل الانفتاح وتغير طرائق التفكير مع الزمن، إلا أنه عاد ووافق على نشرها مضيفًا إلى المكتبة السودانية الفقيرة – إلى حد ما- لمثل هذه النوعية القيمة من الكتب.

سيرة

عبد الله أحمد بشير (بولا ) هو مفكر وفنان تشكيلي سوداني، ولد عام 1943 وهو احد الذين اثَروا بشدة على حركة التشكيل بالسودان من خلال مساهماته الفكرية التي اثْرت سوح النقاش الثقافي منذ سبعينات القرن الماضي وهو خريج كلية الفنون الجميلة في العام 1967 ويعتبر بولا من رواد العصر الذي شهد نمو حركة وعي سوداني بالتشكيل ونشوء مدارس وحركات تشكيلية ذات طابع قومي وتولًد رؤى فكرية محلية خلقت بيئة نقاش وتناظر كان بولا احد المؤثرين فيها بمقالاته الثرية في شتى مجالات التثاقف ذات البعد القومي أو الإقليمي، نال بولا الماجستير بفرنسا في العام 1980 ثم نال الدكتوراه من جامعة السوربون في العام 1984.

الإمتياز

يعرف البولا الامتياز بأنه الإدعاء الأيدلوجي للامتياز بالمعنى الذي يدعى فيه أصحاب الحظوة أن امتيازاتهم تأتي من ميزات شخصية مركوزة فيهم، أو أنها هبة من الله وليست على أي حال نتيجة للتقسيم والانقسام الاجتماعيين، أو أن الإنسان الممتاز هو إنسان الطبقة السائدة الذي يرى في امتيازاته الاجتماعية حقًا طبيعيًا. وتحاجج مؤسسة الامتياز في تثبيت ادعائها بأن الميزات الفنية والإبداعية تستند بالأساس على الاستعدادات الفطرية الموروثة والتي يعتبرها بولا جزءًا من حقيقة  اعتادت مؤسسات الامتياز التعلق به من اجل تكريس امتيازها بمحاولة إبعاد النشاط الفني عن أي  ارتباط  له بالنشاط العقلي، بحيث لا يمكن اكتسابه ولا يمكن تعلمه باعتباره إلهامًا أو حدسًا أو أي شيء لا علاقة له بالعلم الموضوعي، وهذا من أجل تبرير احتكارها للامتيازات رغم أنها تلعب دورًا كبيرًا في توزيع فرص المعرفة وبالتالي تحديد أصحاب حظوة الامتياز من دونهم، ومن ثم تحويل النشاط الخلاق إلى سلع غالية لا تملك الجماهير ثمنها ولا تستطيع التمتع بنتائجها فتصبح وسائل استعباد بدلًا من كونها وسائل تحرر وتتحول مؤسسة الفن بجلها إلى وسيلة للدعاية والتمجيد بحيث تنتشر صور وتماثيل أصحاب السلطة والثروة وتشتهر قصائد مدح السلاطين.

تقوم مؤسسة الامتياز ببناء أغطية مفاهيمية مخادعة حول تعريفاتها المغلوطة وتحشد حولها البراهين والحجج وتقوم بمحاربة كل من يحاول كشف ألاعيبها، فهي إذاً عدوة النقد لأنه يقوم بتعرية المؤسسة من امتيازاتها فيبدو الرجل الممتاز عاديًا كما رجل الشارع فيصغر حجمه وتقل امتيازاته. ولكنها عوضًا عن ذلك تقوم  بتأسيس عملية نقدية تقوم على قيمها هي، فيبقى الجميل هو الجميل بنظر المؤسسة والقبيح هو القبيح في عينها لا غيرها، ويرى بولا أن المفاهيم الجمالية حتى تحتاج إلى المراجعة، فالمفاهيم النقدية المؤسسية التي تحكم الجمال تم استلامها من مؤسسة الامتياز دون أن تخضع لفحص دقيق ما يدعو للأسف، فالنقد ظل لازمان طوال حبيس مواصفات واحتياجات سدنة مؤسسة الامتياز، فالمديح احتل المكانة في العصر الأموي والعباسي – ومؤكد لن يمدح شاعر رجلًا فقيرًا من العامة، وفي عصر النهضة كانت الكنيسة تأمر بعض الفنانين بستر عورات تماثيلهم، بل إن كوربييه الفنان تم توجيه اللوم عليه لأنه قام برسم المسيح بملابس إنسان فقير، فللبرجوازية نظرتها الجمالية ولها أيضاً مسيحها الذي يشبهها – أو كما يقول بولا.

IMG-20171130-WA0009

 

مفهوم التشكيل

يطرح بولا مفهومًا أوسع للتشكيل بحيث يستوعب نشاطات تشكيلية ظلت خارج دوار التعريفات المؤسسية للفن التشكيلي لفترات طويلة، فيعرف الفن التشكيلي بأنه علم صياغة أشكال المرئيات ويقول عن التشكيلي:

التشكيلي في فهمي هو كل من يعمل في مجال صناعة أشكال المرئيات ابتداءً من من صانعي المراكيب (لن أقدم أي مؤاخذة)  وتتسع الكلمة لتشمل السمكري، مصمم الأزياء, النجار، المعماري،  المشاطة، الكوافير .. الخ

ويمضي بولا في القول بان الخلط المفاهيمي في تعريف الفنان التشكيلي ناتج عن اعتماد شكل المنتج أساساً للتعريف بحيث أن منتجي اللوحات والمنحوتات هم فنانون بينما من ينتجون أشكالاً قابلة للاستخدام هم حرفيون، يرى هو أن التصنيف إنما يجب أن يعتمد على طريقة التخليق لا شكل المنتج، فالفنان هو الخلاق في أي مجال و الفنان التشكيلي هو الخلاق في أي من مجالات التشكيل حتى وان كان صانعًا للسجاد، فالقدرة على التخليق والإبداع هي من تحدد الفنان من دونه، ويبقى الفرق بين الحرفي والفنان هو أن الحرفة تعني إتباع مجموعة جاهزة من القواعد تؤدي إلى انجاز عمل بعينه، أو أنها تقليد نموذج جاهز وإتقانه وفقًا لقواعد مسبقة، أما الفن فهو تجاوز لقواعد الحرفة أو انه الإبداع.

هدم مؤسسة الامتياز

يرى بولا أن الامتياز الاجتماعي ظاهرة تاريخية نشأت لأسباب تاريخية موضوعية وهي قابلة للنقد والتحول بفعل الطبقة المقهورة التي تعتلي الدرجة الدنيا في طبقات الامتياز، ويضيف أن النشاط الخلاق-  والذي هو أساس الفن – كان يمارس أساساً من جميع أفراد الجماعة خلال نشاطهم الحياتي (الزراعة ، صناعة الأدوات .. الخ) ولكن رويدًا استولت المؤسسات مع الزمن عليه، ورغم أن البرجوازية ارتابت الفن أولاً بحيث أنها صادرت مجالات الفلسفة والحقوق ولكنها لما رأت بإمكانية اقتحام الفن فعلت ذلك – فهي مولعة بالربح واحتكار الميزات وتكديس الثروات ، فأنشأت مؤسسة النقد السلفية القائمة على قيم الإنسان الممتاز وهي في الحق ليست إلا مؤسسة للدعاية والإعلان ولا علاقة لها بالنقد.

ويضيف بولا أن مؤسسة الامتياز تسلب الناس قدراتهم على التخليق والإبداع ومن ثم تدعي أنهم عديمي القدرات، أي أنها تتجاوز عمدًا أسباب عدم نمو وتطور المقدرات الفنية عند البعض تشبها بما كان يقوله برناردشو للأمريكان في خصوص السود

إنكم ترغمونهم على مسح الأحذية ثم تستنتجون أنهم غير صالحين إلا ليكونوا ماسحي أحذية” .

ومن ثم بعد ذلك تعمد على تثبيت التقسيم الطبقي الذي يعضد امتيازهم، فالمجتمع مقسم إلى أغنياء وفقراء بالفطرة وأذكياء وأغبياء ومن يملكون حسًا فنيًا ومن لا يملكون دون أن تكون هناك إمكانية لحدوث تغيير بينهم وتبديل – فالأمر خارج نطاق الوعي، ومن ثم يصبح وجود الامتياز مقدساً، امتلاكه حق وممارسته واجب، وتصبح اللا مساواة عدالة

إن أول تزييف مارسه واضعو العقائد البرجوازية هو تزييف مفهوم المساواة

يصبح الحرمان الثقافي ليس واقعًا مترتبًا على أسباب ذات أبعاد اجتماعية يمكن تغييرها، بل هي حتمية ناتجة من عدم قدرة الجماهير على استخدام المعرفة كما الطبقة الممتازة الموهوبة المفطورة طبيعيًا على الاستخدام الأمثل للمعرفة، فالجماهير عند المؤسسة غير صالحة للانشغال بالفن عكس أصحاب الامتياز الحساسون والذين يملكون ذائقة جمالية فنية فطرية يتفوقون بها على غيرهم.

إن محاولة الفصل بين العقل والفن ما هو إلا محاولة للهروب من النقد الموضوعي وهي إحدى ميكانيزمات مؤسسة الامتياز الدفاعية، يؤمن بولا بأن كل إنسان يمكنه أن يحصل على المعرفة التي تمكنه من التعاطي مع الفنون، فقط يتطلب ذلك تخليص وسائل المعرفة من قبضة المؤسسة، فالدراسات تؤكد بأن مكمن العمليات السلوكية بما فيها النشاط الخلاق والمقدرة على التخييل هو العقل، ويكفي أن يختل العقل لتختل كل تلك المقدرات.

ينادي بولا بتوسيع إمكانيات كلية الفنون مع إتباع فهم أكثر شمولًا للتشكيل ومراجعة شاملة للمناهج والسماح بتعدد الرؤى فيها حتى لا تستمر في تخريج حرفيين متوسطي المهارة لا يضيفون شيئًا للتشكيل، ويجيء هذا بالابتعاد عن معاداة الذين يتجاوزون مناهج تعليمها العقيمة ويضرب مثلًا بالكثير من التشكيليين الذين لاقوا ضيقاً أثناء الدراسة أو العمل في الكلية بل فصل بعضهم منها رغم أن أعمالهم بعد ذلك شهدت على نبوغهم مثل عمر خيري وحسن موسى وعلاء الدين الجزولي.

رجل الشارع ليس عاديًا

إذا فرجل الشارع ليس عاديًا إلا بمقدار ما تبعده المؤسسة من امتياز الفن وبمقدار ما تضعه من عواقب وحواجز تحول دون حصوله على أداوت تمكنه من اعتلاء مكانته الطبيعية، بل إن رجل الشارع يمارس التشكيل من خلال المشاهدة والكثير من النشاطات التي لا تدرجها المؤسسة تحت لافتة التشكيل ( الزخرفة، اختيار الملابس وتصميمها .. الخ)، ويجب أن يتم تجذير هذه الممارسة ويجب أن يعلم رجل الشارع أن من حقه ممارسة كافة أشكال النشاط الخلاق بما فيها النقد والتشكيل ويجب أن يعلم أن المشكلة ليست في بلادته بل في المؤسسة التي صادرت عنه هذا الحق بالمكر الفلسفي والترويج للمنطق المياتفيزي للمعرفة.

يرى بولا أن التشكيل نشاط مكتسب وضروري لبناء إنسان متقدم وعلى المهتمين بها المجال العمل بكل جهد على إسقاط الحجج السخيفة والذرائع الهشة غير المنطقية التي تعتبر التشكيل موهبة يمتاز بها البعض دون رجل الشارع العادي، فرجل الشارع ليس عاديًا.

 

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان