الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : الحركة الفنية التكعيبية

ملف العدد : الحركة الفنية التكعيبية

عنوان

ترجمة خاصة لجيل جديد : سلمى الباقر

لقراءة الموضوع الاصلي اضغط ( هنا ) 

بدايات الحركة التكعيبية :

نقطة التحول التي أدت الى ظهور الفن التكعيبي تمثلت في المعرض الذى حوى آخر اللوحات التي رسمها الفنان بول سيزان قبل وفاته, كان المعرض في صالون الخريف في باريس في العام 1907. أسلوب سيزان التبسيطي في تصوير الأجسام و الطبيعة كان ذو تأثير بالغ على الفنانين بابلو بيكاسو و جورج براك. و في عام 1906 كان بيكاسو قد تعرف على بعض أنواع الفن غير الغربي: فقد اطلع على الفن الإيبيري في أسبانيا, و تعرف على أعمال ماتيس المتأثرة بالفن الأفريقي, و أيضا زار متحف التروكاديرو للأنثروبولوجيا. ما جذب بيكاسو لكل تلك التقاليد الفنية هو استخدامهم لأساليب تجريدية و مبسطة لعرض الجسد البشري و الطبيعة, مخالفين بذلك الأسلوب الذي كان سائداً في عصر النهضة و الذي اعتمد على مطابقة اللوحة للطبيعة بصورة تامة.

الانطلاقة: “آنسات أفينيون” :

كل تلك التأثيرات المختلفة على بيكاسو انعكست في لوحته الرائدة “آنسات أفينيون” في عام 1907و التي تعتبر البداية للحركة التكعيبية البدائية أو ما يسمى بما قبل التكعيبية. التشويه المتطرف للأجساد, تمثيل المساحات بصورة مجزأة و متقطعة, و الألوان الخافتة في تلك اللوحة مثلت العناصر الأساسية للحركة التكعيبية التي ظهرت فيما بعد. (لوحة آنسات افينيون في الأسفل)

1

بعد رؤية براك لآنسات أفينيون في مشغل رفيقه بيكاسو, كثف بحوثه وتجاربه في تبسيط الأشكال في لوحاته و رسم مجموعة من المناظر الطبيعية, من ضمنها لوحة منازل في لوتساك (في الأسفل). في هذه اللوحة صور براك الأشجار و الجبال كظلال مكعبة و هرمية الشكل تشبه الأشكال الهندسية. تعرف العالم على الفن التكعيبي لأول مرة عند عرض براك للوحاته في معرض دانييل-هنري كانفيلير في جادة فينيون في نوفمبر عام 1908. في هذا المعرض وعندما رأى الناقد الفني الفرنسي لوي فوسيل لوحات براك وصفها “بالمكعبات الغريبة”, ومنه جاء اسم الحركة التكعيبية.

2

تلك الأعمال التكعيبية الأولى لبيكاسو وبراك لم تكن لترى النور لولا رؤية كانفيلير الثاقبة, و ذلك لأنه كان الداعم الأكبر لها. كان بيكاسو و براك فقيرين في عام 1907, و كان كانفيلير يعرض عليهما شراء لوحاتهما مباشرة بعد رسمها. بذلك كان يحميهما بصورة غير مباشرة من الضغط الناتج عن محاولة إرضاء الزبائن أو تلقى النقد السلبي من الناقدين في المعارض. بعد المعرض الذي كونه براك في عام 1908 عرض الفنانان أعمالهما فقط في معرض كانفيلير مع بعض الاستثناءات القليلة جداٌ. 

تكعيبية بيكاسو و براك :

التعاون اللصيق بين بيكاسو و براك الذي ابتدأ في العام 1909 كان أساسياً و محورياُ لنشوء الأسلوب التكعيبي. كان الفانين يلتقيان بصورة منتظمة ليناقشا سير أعمالهما, و في بعض الأحيان كان من الصعب تمييز عمل أحدهما عن الآخر. كلاهما كان يعيش في منطقة مونماتر البوهيمية في باريس قبل و أثناء الحرب العالمية الأولى, الشيء الذي جعل التعاون بينهما سهلاً.

في عام 1912 تحدث كانفيلير عن التكعيبية لأول مرة في مقابلة علنية , و ذلك كان استجابة للاهتمام و الإدراك المتصاعد للعامة بالحركة. لكن عندما إبتدأت الحرب العالمية الأولى, تم نفي كانفيلير من فرنسا كونه ألماني الجنسية. بذلك أصبح ليون روزنبيرغ البائع و الموزع الأول للفن التكعيبي في باريس, جاعلاً أخاه بول روزنبيرغ المسؤول الرسمي عن توزيع لوحات بيكاسو في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى و الثانية.

بالرغم من عودة بيكاسو و براك للنمط التكعيبي بصورة دورية خلال مسيرتهما المهنية, و بالرغم من المعارض و الأعمال المتفرقة حتى عام 1925, إلا أن “حركة-الرجلين” لم تستمر طويلاً بعد الحرب العالمية الأولى.

تكعيبية الصالون/ القسم الذهبي :

تكعيبيي الصالون, الذين تمت تسميتهم بهذا الاسم بسبب عرضهم لأعمالهم في المعارض العامة فقط كصالون الخريف,  لم يعملوا مع بيكاسو و براك و لكن تأثروا بتجاربهما.

أعمال تكعيبيي الصالون كانت الوسيلة التي تعرف بها العامة على الفن التكعيبي بصورة أوسع في بداية القرن العشرين. ضمت هذه المجموعة كل من: روبرت ديلوناي, البرت غليز, فيرناند ليجيه, خوان غريس, هنري لوفوكونييه, روبرت ديلا فروزنييه, و جان ميتسيجا.

ميتسيجا و ديلوناي الذين كانا صديقين منذ عام 1906 بدءا بالتعاون مع غليز بعد أن تعرفا عليه بصالون الخريف الذي يقام كل عام. و عرّف غليز كل من ميتسيجا و ديلوناي على هنري لوفوكونييه الذي نشر كتابه ” Note sur la peinture” عام 1910 متحدثاً فيه عن عبقرية بيكاسو و براك في تحرير الفن من كل القيود التقليدية.

أولئك الفنانون قاموا بعرض أعمالهم بصورة جماعية في صالون المستقلين عام 1911, للعامة ليتعرفوا على الفن التكعيبي بصورة لصيقة و لجمهور أكبر. معرض صالون المستقلين كان من المعارض غير المراقبة (من قبل النقاد), عليه كان الرأي العام للجمهور محكوما بموقع و كيفية عرض اللوحات. حصل التكعيبيين على إدارة لجنة تعليق اللوحات من فناني الحركة التعبيرية التجديدية, و ذلك ليتمكنوا من عرض لوحاتهم في غرفة واحدة كمدرسة واحدة مترابطة. أثارت اللوحات البلبلة أو كما قال غليز ” بينما كانت الصحف منشغلة بتنبيه و تحذير الجمهور من هذا الخطر الكبير, و بينما كانت المناشدات تُرسل للجهات المسؤولة ليوقفوا هذه المهازل, كان المغنون و النجوم و الفكاهيين و الكتّاب الساخرين يوظفون أوقات فراغهم في اللعب بكلمة “مكعب”, مكتشفين أنها اصبحت وسيلة ممتازة لإثارة الضحك, وهو كما نعلم جميعنا, الخاصية الأساسية التي تميز الإنسان عن الحيوان” !

بالإضافة لعرض أعمالهم في معارض ضخمة, اختلف تكعيبيي الصالون عن بيكاسو و براك في أن أعمالهم غطت نطاق فني واسع, مما قاد أحد مؤرخي الفن لجمع اسم فناني الصالون بمصطلح  “الفن التكعيبي الملحمي” لتمييز أعمالهم عن أعمال بيكاسو و براك محدودة النطاق. جزّأ تكعيبيي الصالون الأشكال و الأجساد إلى أشكال هندسية صغيرة مثل بيكاسو و براك, إلا أنهم لم يتخذوا منظور عصر النهضة للفراغ مثلهما, و لم يلتزموا بالألوان الترابية المحدودة للتكعيبية التحليلية و لم يلتزموا ايضا بأسلوب استخدام الملصقات في التكعيبية الإنشائية.

في نهاية العام 1911 بدأ غليز و ميتسيجا الذين كانا يعيشان معاً في ضواحي باريس, و معهما آخرون من مجموعة تكعيبيي الصالون, بالاجتماع في ضاحية بوتو حيث كان مشغل الفنان جاك فيلون و أخاه النحات ريموند دوشامب-فيلون (و لهذا كان يطلق عليهم أحيانًا مجموعة بوتو). من المرجح أن أفكار غليز و ميتسيجا لكتابة أول كتاب عن الأسلوب التكعيبي On” Cubism (1912)” قد تشكلت في هذه الاجتماعات.

في العام التالي خططت المجموعة لافتتاح صالون القسم الذهبي الذي كان أرضاً خصبة للعديد من الموجات الفنية الأساسية. سمي الصالون بهذا الاسم ليظهر التكعيبيون ارتباطهم بالقاعدة الذهبية للفن, وهي الإيمان بالنظام و أهمية النسب الرياضية في أعمالهم و التي تعكس تلك النسب المتناسقة للطبيعة. تم تنظيم معرض القسم الذهبي بعد صالون الخريف لعام 1912 في معرض لا بويتي. في ذلك المعرض قام الناقد الفني غيلوم أبولينير بإطلاق مصطلح “الأورفية” على أعمال ديلوناي. و في العام الذي تلاه نشر أبولينير كتابه “تأملات جمالية: الفانون التكعيبيون”. كان لكل تلك المعارض و الأدبيات مجتمعة تأثيرا بالغاً في باريس و في العالم.

مثلهم مثل بيكاسو و براك, لم يستمر القسم الذهبي كوحدة متماسكة بعد الحرب العالمية الأولى, و اكتفوا فقط ببعض المعارض المتفرقة في الفترة بين عام 1918 و عام 1925.

مراحل تطور الأسلوب التكعيبي :

المراحل المختلفة لتطور الأسلوب التكعيبي اعتمدت بصورة كبيرة على أعمال بيكاسو و براك عوضا عن فناني صالون التكعيبيين. لكن أسماء هذه المراحل و الفترات التي ظهرت فيها لا يمكن تحديدها بصورة دقيقة و هي موضع اختلاف و جدل حتى يومنا هذا. يمكن تلخيص هذه المراحل الى:

التكعيبية السيزانية (1908-1909) :

أول أطوار الحركة التكعيبية. ظهر عام 1907 عندما أعيد اكتشاف أعمال بول سيزان . و ذلك لأنه عاش في محافظة أيكسون في السنين التي سبقت  وفاته و لم يعرض أعماله في باريس طوال تلك المدة. بعض الفنانين لم يسبق لهم رؤية منظوره الفني من قبل و البعض الآخر لم يكن على معرفة بأعماله في تلك الفترة. بعد إعادة اكتشاف سيزان, تأثر الكثير من فناني تلك الفترة بأعماله. و ذلك لإتقانه استخدام الفرشاة المنعكس في جودة  لوحاته, لاختفاء البعد الثالث فيها, و أيضا لتميز ضربات فرشاته  المنتظمة و المتماثلة. لوحة Houses at L’Estaque (1908) لجورج براك تعتبر مثالا واضحا لهذا الاسلوب.

2

التكعيبية التحليلية (1910-1912) :

في هذه المرحلة, اكتست التكعيبية حلة في قمة المنهجية و التنظيم. سميت هذه المنهجية في فترة متقدمة بالتكعيبية التحليلية, و فيها يعتمد الفنان على تأمل موضوعه كجزء من خلفيته و موقعه فيها وتمازجه معها و من ثم عرضه في اللوحة من نقاط رؤية مختلفة . اقتصر بيكاسو و براك على الموضوعات التقليدية كالبورتريه و الحياة الصامتة و أيضا اعتمدا علي الألوان الترابية و درجات الرمادي الهادئة فقط و ذلك لغمر القطع المتجزأة للأجسام والأشياء المكونة لللوحة. بالرغم من التماثل الظاهري للوحات بيكاسو و براك, إلا أن الاختلاف بين أسلوبيهما ظهر بوضوح مع الزمن. حيث تظهر الأجسام أو الأشكال في لوحات براك و كأنها في انفجار نابع من مركز اللوحة ناشراً جزيئاتها الى الخارج. أما لوحات بيكاسو فتوحي بأن مركز اللوحة يعمل كمغناطيس يجذب جزيئاتها إليه. يظهر هذا التأثير المتناظر بوضوح في لوحتي Violin and Palette (1909) لبراك و Ma Jolie (1911) لبيكاسو (علي اليمين و الشمال على التوالي).

3

مع نهاية هذه المرحلة ابتدأت إسهامات خوان غريس لهذا الأسلوب. تمثلت هذه الإسهامات في محافظته على الوضوح الحاد لأشكاله, و اقتراحه لاستعمال شبكة تركيبية في الرسم و أيضا إضافته لبعض الألوان الجديدة لتغيير الأسلوب الذي كان يبدو متزمتا و أحادي اللون لفترة طويلة.

التكعيبية الإنشائية (1912-1914) :

في عام 1912, و مواصلة لسعيهما الدائم لاختبار و تجربة وجهات النظر والمفاهيم الفنية الجديدة و البحث فيها, ابتدأ بيكاسو و براك في إدخال مكونات و عناصر جديدة لأسلوبهما. أدخل بيكاسو قطعة من ورق حائطي تشبه نسيج الكرسي في إحدى لوحاته الزيتية (في الأسفل) و بهذا كان قد ابتكر أسلوب الكولاج التكعيبي (استعمال الملصقات في اللوحات) . أما براك فقد ألصق قطع من الصحف اليومية في إحدى لوحاته أيضأ منشئاً حركة البابير-كول (الأوراق الملصقة).  جزء من هذا التغيير قد يكون نتيجة لعدم الإرتياح الذي سببه الأسلوب التجريدي المتطرف للتكعيبية التحليلية. و يمكن القول أن ظهور الأسلوب التكعيبي الإنشائي كان اتخاذاً لمنحى أكثر بعداً عن التصورات الفنية للفراغ في عصر النهضة, و أكثر توجهاً نحو مفاهيم جديدة للتعبير عن الأجسام و الأشياء. تجارب بيكاسو النحتية تعتبر أيضا كنوع من التكعيب الانتشائي و ذلك لاحتوائها على قطع خارجية ملصقة.

4

التكعيبية الكريستالية (1915-1922) :

كاستجابة للفوضى التي سببتها الحرب, ابتعد الكثير من الفنانين الفرنسيين عن التجارب المتطرفة في أساليبهم, و كذلك فعل التكعيبيين. حيث وصف أحد المؤرخين الفنيين هذه المرحلة بأنها “ناتج نهائي للتصفية التدريجية للإمكانيات” . ففي لوحة  Three Women (1921) للفنان ليجيه (في الأسفل), الموضوعات المصورة ذات حواف حادة وواضحة و ليست متداخلة و غائرة فيما بينها, و لم يظهرها ليجيه من زوايا مختلفة. ارتبطت التكعيبية الكريستالية بصالون الفن التكعيبي و بأعمال بيكاسو و براك, وهي جزء من توجه أوسع ابتدعه فنانو مدرسة الفن الباريسية تحت شعار “العودة للتنظيم”.

5

الإضافات الحديثة للحركة التكعيبية :

انتشرت الحركة التكعيبية بسرعة في كل أنحاء اوروبا في الفترة من عام 1910 و حتى عام 1919 . و ذلك يعزى للنهج التنظيمي المميز لها و أيضا للانفتاح في الخيارات الممكنة لعرض الموضوعات الفنية بأساليب جديدة. انقسم النقاد في تفسير المفهوم الأساسي الذي أراد التكعيبيين التعبير عنه في أعمالهم. بعضهم يقول أن التكعيبيين اهتموا بعرض موضوعاتهم بطريقة موضوعية و ذلك لإظهار شخصيتها الحقيقة للمشاهد, و البعض الآخر يقول أن التكعيبيين اهتموا بعرضها بصورة تجريدية لتشويهها و تحريف طبيعتها.

تعتبر الحركة التكعيبية الأساس الذي تفرعت منه العديد من الأنماط الفنية في القرن العشرين, كالنمط المستقبلي, الأورفي, البنائي, التفوقي, و نمط دا ستييل. الكثير من الفنانين العظماء انتموا للحركة التكعيبية في مرحلة من مراحل نموهم الفني, و يعتبر مارسيل دوشامب الأكثر شهرة من بين هؤلاء, و ذلك يعزى للاهتمام الكبير و النقد السلبي الذي جذبته  لوحته ذائعة الصيت Nude Descending a Staircase (1912)  (في الأسفل) التي عرضت في معرض الفن الحديث في نيويورك عام 1913.

6

غذّت أفكار الحركة التكعيبية بعض من الظواهر الفنية الشهيرة كظاهرة الآرت ديكو و هي ظاهرة استخدام الفن في التصميم الصناعي و المعماري. تأثرت الحركات الفنية الأكثر حداثة, كالحركة الإصلاحية, باستخدام التكعيبيين للشبكة, و من الصعب تخيل نشوء أي حركة للفن غير التمثيلي بدون التجارب التي قام بها التكعيبيون. ككل الحركات الفنية التي تدعو الى التغيير, كالبوب و الدادا, هزت الحركة التكعيبية أسس الفن التقليدي, وذلك بقلبها لتقاليد عصر النهضة رأساً على عقب, و تغييرها لتاريخ الفن بأصداء وصلت حتى حقبة ما بعد الحداثة.

عن سلمى الباقر

mm
كاتبة ومترجمة من السودان