الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: السريالية

ملف العدد: السريالية

15694508911_99be72338a_h-825x510

ترجمة خاصة

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

    خلال معرض السرياليين الدولي عام 1936، الذي أقيم في لندن، خاطب المتحدث الضيف “سلفادور دالي” الحضور مرتدياً بدلة غطس قديمة الطراز من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، وممسكاً بقيدي كلبين بإحدى يديه، ويحمل بالأخرى عصا بلياردو. وفي منتصف خطابه، أعاق قناع الغطس تنفسه، وبدأ الرسام الإسباني يختنق وأخذ يلوح بيديه طلباً للنجدة. افترض الحضور- دون أن يساورهم أي شعور بالقلق- أن حركاته و إيماءاته كلها كانت جزءاً من أدائه. وكما يزعم، أنقد الشاعر السريالي ديفيد غاسكوين دالي أخيراً،  الذي علق بعد تعافيه قائلاً: “أردت أن أظهر أنني كنت أغوص عميقاً داخل العقل البشري.”  وبعد ذلك أنهى خطابه، وقد تم عرض جميع الشرائح المصورة المصاحبة وهي مقلوبة رأساً على عقب، دون أن يفاجئ ذلك أحداً بطبيعة الحال.

    تظهر هذه الحكاية بجلاء غرابة و لامعقولية، وحتى سُخف عناصر الحركة السريالية، والتي يجسدها سلفادور دالي، الذي كانت المؤسسة الفنية في بدايات القرن العشرين تنظر إليه كشخصية هزلية. إلا أن السريالية كانت في الواقع أكثر تنوعاً مما هو معروف عنها، مشتملة على مجالات وأساليب وجغرافيات مختلفة، منذ العام 1924 حتى نهايتها عام 1966.

ما هي السريالية؟

    السريالية حركة فنية وأدبية أسسها الشاعر أندريه بريتون في باريس عام 1924، اقترحت أن عصر التنوير- الحركة الفكرية المؤثرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتي كانت تُعلي من شأن العقلانية والفردانية – قد قمع النواحي الأكثر أهمية ومنها اللاعقلانية والعقل الباطن، كانت السريالية ترمي إلى تخليص الفكر واللغة والخبرات البشرية من الحدود العقلانية المقيدة.

    درس بريتون الطب والطب النفسي، وكان مطلعاً على كتابات سيغموند فرويد في التحليل النفسي، كما كان مهتماً بشكل خاص بفكرة أن العقل الباطن- منشأ الأحلام- هو مصدر الإبداع الفني وقد كان بريتون ماركسياً متحمساً، وأراد للسريالية أن تكون حركة ثورية بوسعها تحرير العقول من نظام المجتمع العقلاني، لكن كيف يمكنهم تحرير العقل البشري؟

    وظف السرياليون (التلقائية الفنية) Automatism   وهي ممارسة شبيهة بتحرير الوعي وتداعي الأفكار، لإنتاج أعمال فنية نابعة من العقل الباطن و من الأمثلة المبكرة لاستخدام هذا الأسلوب، لوحة الرسام السريالي أندريه ماسون (معركة الأسماك)1926  Battle of fishesالتي استخدم فيها خامات متنوعة، بدايةً أخذ ماسون بعض الجص، وتركه يسقط سقوطاً حراً على قطعة القماش ثم نثر عليه بعض الرمل، وترك حبيبات الرمل لتلتصق بصورة عشوائية، ثم خربش ورسم حول الأشكال المتكونة اعتمد الفنانون الذين يوظفون الأساليب التلقائية على عامل الصدفة، والتي دائمًا ما تسفر عن نتائج مفاجئة، صورت لوحة ماسون النهائية سمكتين من فترة ما قبل التاريخ، تتقاطر الدماء من فكيهما، وتتقاتلان بشراسة في أحد المستنقعات البدائية: تعبير لا واعي عن العنف المتأصل في الطبيعة.

    لكن ليس كل السرياليين يختارون رسم أعمال مجردة كتلك، فكثيرون منهم يرون أن تمثيل المظاهر العقلية للأشياء في العالم الواقعي قد يكون أكثر فاعلية في استحضار التداعيات بالنسبة للمُشاهد، حيث يكشف واقع اللاوعي الأعمق عن نفسه، أنجز فنانون مثل دالي والرسام البلجيكي رينيه ماغريت أعمالاً مفرطة في واقعيتها، أشبه برؤى منامية، باعتبارها نوافذ مفضية إلى عالم غريب ما وراء الحياة الواعية، لوحة ماغريت (المستبصر)La Clairvoyance 1936، على سبيل المثال، وفيها يصور فناناً يرسم طائراً محلقاً في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى بيضة قابعة على طاولة إلى جواره- توحي بمشهد من حلم أو حالة هلوسة.

أيقونات السريالية

    على الرغم من أن السريالية في الواقع مرتبطة بشخصيات لامعة ولا تحظى بتقدير كبير مثل دالي، فإن بريتون جند مجموعة واسعة من الفنانين والمثقفين النشطاء في باريس ليكتبوا ويقيموا معارضهم تحت لوائه.

_ أندريه بريتون 1896-1966 باريس

_ خوان ميرو 1893-1983 باريس/اسبانيا

_سلفادور دالي 1904-1989 اسبانيا/باريس/الولايات المتحدة

_رينيه ماغريت1898-1967 بروكسل

_يفيس تانغاي 1900-1955 باريس

_فريدا كالو 1907-1954 مكسيكو سيتي

_ماكس إرنست 1891- 1976 باريس

_ميريت أوبنهايم 1913-1985 سويسرا

    وبما أنها مبنية على تقاليد المدرسة الدادية، عدت السريالية ضمن أعضائها عددًا من أهم رموز الدادية مثل تريستان تزارا، وفرانسيس بيكابيا، وجيان آرب، وماكس إرنست، ومارسيل دوشامب وبحلول العام 1924 تعززت هذه المجموعة بانضمام عدد من الفنانين والشخصيات الأدبية، من الكتاب بول إلوارد، و روبرت ديسنوس، وخورخي بيتالي، وأنتونين أرتود، ومن الفنانين خوان ميرو، و يفيس تانغاي ومن النحاتين ألبرتو غياكوميتي، وميريت أوبنهايم ومن صانعي الأفلام رينيه كلير، وجيان كوكتياو، ولويس بونيول.

    لكن بريتون كان شديد التقلب حيال الذين يختارهم للانضمام للحركة السريالية، وكان معتاداً على استبعاد الأعضاء الذين يشعر أنهم لم يعودوا يشاركونه رؤيته للسريالية، على سبيل المثال، كل من ديسنوس و ماسون تم إقصاؤهما من المجموعة بموجب (مانيفستو السريالية الثاني) The Second Manifesto Of Surrealism عام 1930 لعدم رغبتهما في دعم أهدافه السياسية، وأيضاً بيتالي الذي كانت رؤيته للسريالية مختلفة بشكل كبير عن رؤية بريتون، فقام بتشكيل مجموعة منشقة خاصة به: جمعية علم الاجتماعThe College Of Sociology  والتي كانت تنشر الدوريات وتقيم المعارض طوال فترة الثلاثينات.

السريالية في الأمريكتين

    باعتبارها حركة نشأت في فترة ما بين الحربين، تجاوبت السريالية مع فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتي شهدت إعادة الإعمار البطيء للمدن الفرنسية الكبيرة، كما شهدت أوج عظمة الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية بالخارج بالإضافة إلى صعود الفاشية في أنحاء أوربا.

    بحلول العام 1937، أرغم معظم رموز السريالية على مغادرة أوربا فراراً من اضطهاد النازيين، تعكس لوحة ماكس إرنست (أوربا بعد المطر) 42-1940 تعكس تلك اللحظات المفعمة بالقلق برؤية تنبؤية متكونة في ذروة الحرب العالمية الثانية، وهو عمل تجريدي جزئياً، استخدم فيه تكنيك الترسيم decalcomania الأسلوب الذي يتضمن الرسم على زجاج، ثم ضغط الزجاج المرسوم عليه على القماش للمحافظة على عنصر الصدفة، توحي أوربا بعد المطر بمدن تحولت إلى ركام، وجثث لبشر وحيوانات، وتشكيلات جيولوجية متآكلة في أعقاب الكارثة.

    ساهمت هجرة السرياليين إلى أماكن مختلفة بحثاً عن ملاذ من الحرب العالمية الثانية في نشر تأثير الحركة عبر الأطلسي، حيث وطدت أقدامها في الأمريكتين ومع اكتساب السريالية للكثير من الزخم خلال الثلاثينات والأربعينات، قدمت أساليب التلقائية و الاهتمام بعلم النفس والميثلوجيا إلى جيل جديد من الفنانين، مثل جاكسون بولوك الذي استلهم بعضاً من أعماله من السريالية.

    وفي أمريكا اللاتينية، وجدت السريالية صدىً لها في أعمال فنانين مثل فريدا كالو، التي كانت أعمالها المتسمة بطابعها الشخصي الشديد موازية للاتجاهات السريالية دون أن تحاول أن تضفي عليها أية أبعاد فكرية.

أهمية السريالية

    مثلت السريالية بوتقة لصهر الأفكار والأساليب الطليعية التي لا يزال الفنانون المعاصرين يستخدمونها اليوم، ومنها توظيف عنصر الصدفة في الأعمال الفنية، هذه الأفكار فتحت آفاقاً جديدة فيما يتعلق بأساليب الرسم التي يسعى خلفها التعبيريون التجريديون، كما امتد تأثيرها ليشمل الفنون الأدائية.

    رغبة السريالية في كسر قيود العقلانية قادتها إلى التشكيك في أبسط مبادئ الإنتاج الفني: الفكرة القائلة بأن الفن هو نتاج لمخيلة مبدعة لفنان واحد، كان بريتون يروج لما يعرف بـ (الجثة الفاتنة) exquisite corpse كتكنيك لإبداع عمل فني جماعي، ولا تزال تمارس كلعبة على نطاق واسع اليوم يتضمن التكنيك بدء جملة أو اسكتش أو كولاج، ثم إعطاءه لشخص آخر ليكمله، دون أن يعرف هذا الشخص ما كتبه أو رسمه أو وضعه الشخص الأول، تم اشتقاق المصطلح من لعبة بسيطة لكتابة نثر جماعي كانت محصلتها جملة: “سوف تشرب الجثة الفاتنة النبيذ الجديد”.

    نظراً لاعتماد هذا التكنيك على عنصر الصدفة، وميله لإنشاء صور فكاهية أو غرائبية مربكة، سرعان ما أصبح يعتمد عليه في إنتاج الأعمال الجماعية اللاواعية التي كان يسعى خلفها السرياليون. لوحة (الجثة الفاتنة27) 2011 عمل شارك في انجازه كل من غادة عامر، و ويل كوتون، وكاري ليبويتز وهي نموذج معاصر لعمل مفكك أسلوبياً وموضوعاتياً يمكن أن يكون نتاجاً لهذا التكنيك السريالي.

    ذهب المؤرخ والناقد الموسيقي غريل ماركوس إلى حد وصف السريالية كفصل في سلسلة من المحاولات الثورية لتحرير الفكر، والتي تمتد من تجديفات المهرطقين في العصور الوسطى وحتى الستينات وما بعدها، على ضوء هذا، يمكن فهم السريالية باعتبارها نتاجاً لهذه المحاولات، إلى جانب الحركة الموقفية Situationism ، ومظاهرات الثقافة المضادة خلال الستينات، و حتى ثقافة البانك punk: مشروع يهدف لهدم النظام  العقلاني الذي يفرضه المجتمع على الأفراد.

عن محمد عبد العاطي

mm