الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: المدرسة التعبيرية

ملف العدد: المدرسة التعبيرية

757px-Van_Gogh_-_Starry_Night_-_Google_Art_Project

ترجمة خاصة

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

من منا لم تمر أمام ناظريه لوحة الصرخة لـ إدفار مونك؟ عرف أنها له فأُعجب بها وتأملها لبرهة، أو أنه لم يعرف صاحبها لكنها أسرته، ولربما لم تعجبه تلك الطريقة في الفن بل واستثنى أنها فن وأزاحها من أمام عينيها ومن عقله، أما أولئك الذين لا يعرفون لوحاته فهم بالتأكيد قد سمعوا بقصة اللوحة والرعب الذي سكن صاحبها ودفعه لرسمها.

سواء أكنت من المعجبين أم الكارهين لـ إدفار مونك، المندهشين من طريقته أو المأسورين بها، فهنا سنأخذك في رحلة إلى المدرسة التي انبثق منها عمل إدفار مونك والتي قادت أسلوبه وألوانه ألا وهي المدرسة التعبيرية.

البدايات:

 تبعًا لانعطافة القرن في أوروبا والتغيرات التي حدثت في الأساليب الفنية، والرؤية التي انبثقت كردة فعل للتغيرات الجذرية التي حدثت في الوسط المجتمعي، تغيرت نظرة الأفراد للعالم بفعل التقنيات الجديدة والجهود التمدنية المهولة عبّر الفنانون عن الأثر النفسي لهذه التطورات بالزحف بعيدًا عن التمثيل الواقعي لما يبصرونه إلى الطريقة العاطفية والنفسية لتأثير العالم عليهم. ويمكن تتبع جذور المدرسة التعبيرية تحديدًا بإيعازها إلى فناني ما بعد الانطباعية أمثال إدفار مونك في النرويج، وغوستاف كليمت فنان حركة الانفصال الفنية ومن ثم انتقالها أخيرًا إلى ألمانيا سنة 1905.

إدفار مونك في النرويج:

برز فنان أواخر القرن التاسع عشر النرويجي إدفار مونك كمصدر إلهام مهم للتعبيرين. فأعماله النابضة بالحياة والعاطفة فتحت الطريق أمام إمكانيات جديدة متجهة نحو التعبير. وتحديدًا عمله الكانفس المحموم الذي يعبر عن قلق الفرد في المجتمع الأوروبي المتحضر الجديد: لوحة الصرخة الشهيرة (المرسومة سنة 1893) والتي كانت شاهدةً على الصراع بين ما هو روحي وبين الحضارة والذي أصبح ثيمة أعماله الرئيسية. بحلول سنة 1905 أصبحت أعمال مونك مشهورة في أنحاء ألمانيا حيث كان هو أيضًا يقضي معظم وقته هناك مما جعله على تواصل مباشر مع التعبيرين.

غوستاف كليمت في النمسا:

أما الفنان الآخر من أواخر القرن التاسع عشر الذي كان له أثرٌ في تطوير التعبيرية هو غوستاف كليمت الذي عمل وفقًا لما يُسمى بالفن الجديد النمساوي التابع لحركة الانفصال الفنية. كان مزاج كليمت السخي في التعبير عن عناصره بألوان زاهية ومشرق، والأسطح المُفصلة التي تسير على نمط واحد، و الأجساد الممدودة كلها خطوة إلى الأمام نحو الألوان الغريبة،وضربات الفرشاة الإيمائية، وهي أيضًا الأشكال الخشنة التي أنتجها التعبيريون لاحقًا. كان كليمت معلمًا للفنان إيغون شيل وهو الذي قدمه لأعمال إدفار مونك وفنسنت فان جوخ من بين الجميع في معرض لأعمالهم سنة 1909 وعرفه عليها.

بزوغ فجر التعبيرية في ألمانيا:

بالرغم من أنها تضم العديد من الفنانين والعديد من الأساليب إلا أن الظهور الأول للتعبيرية كان سنة 1905 حين أسس المجموعة أربعة طلاب هندسة معمارية ألمان أرادوا أن يصبحوا رسامي المجموعة المُسمية الجسر (Die Brücke ) في مدينة دريسدن وهم: إرنست لوديق كيرشينر، فريتز بلييل، كاريل شكميدت روتلوف، إريك هيكيل. وبعد مرور عدة سنوات أي سنة 1911 أسس مجموعة من الفنانين الشباب المتشابهين بالأفكار والميول مجموعة أسموها الفارس الأزرق (Der Blaue Reiter) في ميونخ بعد رفض معرض محلي لوحة واسلي كانديسنكي المعنونة بـ الحكم الأخير المنشورة سنة 1910. وبالإضافة إلى كانديسنكي ضمت المجموعة فرانز مارك،بول كليّ، أوغست ماكي الذين ومن بين الجميع أسسوا هذه المجموعة الطليقة المترابطة.

المصطلح: “التعبيرية”:

يُعتقد بأن المصطلح “التعبيرية” صاغه المؤرخ الفني التشيكي أنتونين ماتيجيك سنة 1910 ناويًا بذلك أن يشير إلى عكس الانطباعية. ففي حين سعى فنانو الانطباعية للتعبير عن عظمة الطبيعة والتركيب الإنساني في لوحاتهم، فإن التعبيرين على حد قول ماتيجيك سعوا فقط إلى التعبير عن الحياة الداخلية عادةً في لوحات تصور موضوعات مؤلمة و واقعية. ويجدر بالذكر أنه لم يطلق فناني حركة الجسر ولا غيرها من الحركات الثانوية أبدًا على أنفسهم بأنهم أتباع المدرسة التعبيرية، وفي السنوات الأولى من القرن استخدم المصطلح بكثرة للتعبير عن تنوع الأساليب الفنية بما فيها ما بعد الانطباعية.

المفاهيم والأساليب:

مجموعة الجسر: كيرشينر، شكميدت روتلوف، هيكيل، بلييل

متأثرين بفنانين من أمثال:مونك،فان جوخ،وإنسور سعى أفراد مجموعة الجسر إلى التعبير عن الشعور الصافي بصور استفزازية ومتحدية للمجتمع الحداثي. حيث صوروا أحاسيس قاطني المدينة، المومسات، الراقصين في طرقات المدينة والملاهي الليلية مصورين التفسخ والفساد في المناطق الحساسة من المجتمع الألماني، ففي أعمال مثل لوحة كيرشينر المُسماة شارع برلين (المرسومة 1913) ركز فنانو المجموعة على الانسلاخ والنفور المتأصل في قلب المجتمع الحديث،وضياع التواصل الروحي بين الأفراد في الحضارة الحداثية، فسكان المدينة المتشابهين أصبحوا بعيدين عن بعضهم البعض، يتصرفون كما لو أنهم محض سلع، كالمومسات اللاتي يتصدرن عمل كيرشينر.

 

Untitled, 9/17/02, 10:11 AM,  8C, 4706x6118 (723+851), 100%, straight 6 sto,  1/12 s, R74.6, G54.6, B65.9 photo Paige Knight

 لوحة كيرشنير

على عكس الحس الريفي للانطباعية والرسومات الأكاديمية للكلاسيكية الجديدة استخدم فنانو الجسر أشكالًا مشوهة و متنافرة، وألوانًا غير معتادة لردة الفعل العاطفية للمتلقي من العيان. وكانت المجموعة متفقة على الجماليات المقللة والبدائية، على إحياء المحتوى الأقدم وفن ألمانيا في القرون الوسطى،حيث استخدموا تقنيات تصويرية مثل مكعبات الرسم الخشبية لإنتاج نماذج خشنة و متنافرة.

نشرت المجموعة منشورًا مطبوعًا على الخشب أسموه (البرنامج) ليصاحب معرضهم الأول، يلخص تحطيمهم للعادات الأكاديمية في الفن، ومناديًا بجماليات أكثر تحررًا وموجهةً أكثر نحو الشباب، و على الرغم أن كيرشينر هو من كتبه إلا أن هذا المنشور خدم المجموعة كبيان رسمي يوضح المثل العليا لمجموعة الجسر. كان جزءٌ كبيرٌ من رسومات أعضاء المجموعة مُستلهمًا من أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في مشاريعهم الفنية أو في خلفيتهم الفلسفية على حد سواء، واقتبسوا اسمهم من  كتابه هكذا تكلم زرادشت (المنشور في السنوات 85-1883) و من اقتباسٍ يقول: “ما يجعل الإنسان عظيمًا هو أنه جسرٌ وليس نهاية”. نشأت المجموعة وتعاونت سنة 1913 عندما كتب كيشنير (تاريخ الجسر) لتمتزج عندها الجماعة بفاعلية ونجاح.

الفارس الأزرق: كانديسنكي، ماكي ،كليّ،مارك

تشارك فنانو مجموعة الفارس الأزرق نزعة إلى التجريدية،المحتوى الرمزي، والتلميحات الروحية. حيث سعوا إلى التعبير عن الجوانب الشعورية للوجود بأداء رمزي جدًا وبألوان زاهية. واشتقوا اسمهم من رمز الخيل والفارس المُشتق من إحدى لوحات فاسيلي كاندينسكي: فالبنسبة لكانديسكي يرمز الفارس إلى الانتقال من العالم المحسوس إلى الملكوت الروحي، كما أنه كان أيضًا مجازًا للممارسة الفنية. وبالنسبة للأعضاء الآخرين مثل فرانز مارك، بول كليّ،أوغست ماكي أصبح هذا المفهوم مبدأً أساسيًا لتجاوز التصور الواقع والولوج في التجريدية.

لوحة كاندسنكي

 لوحة كاندسنكي

بالرغم من أن مجموعة الفارس الأزرق لم تنشر أي بيان فإن ما جمع أعضاءها كان ابتكاراتهم الجمالية التي كانت متأثرة بالنماذج الفنية للقرون الوسطى و البدائية: التكعيبية والوحشية. أيًا يكن لم تدم المجموعة نفسها طويلًا: فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 جُند كل من فرانز مارك و أوغست ماكي في القوات الألمانية وفتلوا بعدها ببرهة. أما الأعضاء الروس فاسيلي كاندينسكي و أليكسي فان جاولينسكي وغيرهم فأجبروا على العودة إلى الوطن. تبعًا لذلك كله تفككت مجموعة الفارس الأزرق مباشرةً.

التعبيرية الفرنسية: رووه،سوتين،شاغال

كانت مرونة التعبيرية تعني أن العديد من الفنانين بعيدًا عن الحدود الألمانية عُرفوا بهذا الأسلوب. فالفنان الفرنسي جورج رووه الذي يوصف بعض الأحيان بأنه تعبيري لربما أثر في الألمان وألهمهم وليس العكس. حيث تعلم استخدام الألوان الزاهية والمشرقة والنماذج المشوهة من المدرسة الوحشية، وعلى الضد من نظرائه الألمان التعبيرين عبر رووه عن  انجذابه لأسلافه من الانطباعيين وتحديدًا لأعمال إدغار ديجغا. اشتهر بانصرافه للمواضيع الدينية وتحديدًا رسوماته العديدة عن صلب المسيح المفصلة في ألوان غنية وطبقات ثقيلة من الأصباغ.

رسم الفنان الروسي الفرنسي اليهودي مارك شاغال على تيارات التكعيبية والوحشية والرمزية ليخلق علامته المميزة من التعبيرية حيث كان يصور عادةً أحاسيسًا شاعرية من موطنه فيتيبسك في روسيا البيضاء. بينما في باريس و خلال بلوغ قمة الصدارة للحداثة طور شاغال لغة صورية من المواضيع العجيبة والغريبة: “أجسام شبحية تسبح في السماء، عازف كمان ضخم يرقص في منزل ألعاب منمنم، المواشي بأرحامها الشفافة التي تضم في جوفها أجنة تنام رأسًا على عقب”. في سنة 1914 عُرضت أعماله في برلين وكان لها بصمة وأثر على التعبيرين الألمان، تأثيرٌ امتد لما بعد الحرب العالمية الأولى. ولم يربط أعمالها مطلقًا بحركة معينة، كما اعتبر مجموعته الفنية مفردات لصور ذات معنى له، ولكنها ألهمت العديد و منهم بابلو بيكاسو الذي أشار في الخمسينيات قائلًا: “إذا ما مات ماتيس فإن شاغال هو الفنان الوحيد الباقي الذي يفهم ما هي الألوان حقًا”.

أما تشايم سوتين الفنان الروسي اليهودي باريسي النشأة فكان من أشد المناصرين لتطور التعبيرية الباريسية. فألف بعناصر من الانطباعية والأكاديمية الفرنسية التقليدية ورؤيته الشخصية تقنيةً و نسخة منفردة من الأسلوب الفني. وكان لأسلوبه التعبيري تأثيرٌ عالٍ على الأجيال اللاحقة.

التعبيرية النمساوية: كوكوشكا وشيل

تأثر الفنانون النمساويون أمثال أوسكار كوكوشكا و إيغون شيل بالتعبيرية الألمانية ولكنهم عبروا بأسلوبهم المنفرد والشخصي الذي لم يشكل ارتباطًا رسميًا كمثل الألمان. فسعى كوكوشكا وشيل إلى التعبير عن انحدار النمسا الحداثية وانحلالها عبر تصاوير تعبيرية مشابهة عن جسم الإنسان، بخطوط متعرجة، وألوان مبهرجة، وأشكال معوجة، وملأ كلا الفنانين رسوماتهم بثيمات جنسية ونفسية إلى حد كبير.

على الرغم من أن كوكوشكا و شيل كانا مركز المناصرين للحركة في النمسا إلى أن كوكوشكا أصبح أكثر اندماجًا في دائرة التعبيرين الألمان، فترك النمسا وانتقل إلى ألمانيا سنة 1910. في بادئ الأمر عمل كوكوشكا وفقًا لحركة الانفصال الفنية ولكنه ومنذ سنة 1908 عمل غريزيًا كتعبيري، ساعيًا بشغف إلى ابداء الشعور الباطني بالاحتضان في بورتريهاته الأولى. أما شيل فغادر فيينا سنة 1912 ولكنه بقي في النمسا حيث عمل وعرض أعماله حتى وفاته متأثرًا بالإنفلونزا الوبائية العالمية سنة 1918.

التطورات اللاحقة:

بينما رفض عددٌ من الفنانين التعبيرية، استمر الباقون في توسيعها بابتكاراتهم من الأساليب. فعلى سبيل المثال في العشرينات انتقل كاندسنكي إلى رسومات والألوان المائية غير الموضوعية كليًا، والتي تشدد على التوازن اللوني و الأشكال نموذجية الأصلية لا التصاوير المجازية. أيًا يكن فإن للتعبيرية الأثر المباشر تمامًا على ألمانيا حيث استمرت في تشكيل الفن حتى عقود متقدمة، ولكن وبعد الحرب العالمية الأولى بدأت التعبيرية بخسارة حافزها وحصتها. لتظهر الحركة الموضوعية الجديدة كرد مباشر على التركيز الشعوري الشديد للتعبيرية، بينما انتقلت التعبيرية الجديدة إلى ألمانيا ومن ثم إلى الولايات المتحدة بعد فترة طويلة في أواخر القرن العشرين لتعيد إحياء الأسلوب التعبيري القديم.

الموضوعية الجديدة: ديكس، غروز، بيكمان

في سنة 1918 ادعى مانفيستو الدادية مسبقًا: ” لم يعد هناك أي علاقة للتعبيرية بالجهود التي يبذلها الأشخاص النشيطون”. ولكن كان لروحها بعث آخر مشرق: حيث كان وجودها جوهريًا في التأسيس المبكر لحركة الموضوعية الجديدة التي أسسها كلُ من: أوتو ديكس، جورج غروز، ماكس بيكمان. حيث سعى هؤلاء الفنانون كما هو واضحٌ من اسم الحركة إلى طريقة موضوعية وغير عاطفية للإنتاج الفني. فرسوماتهم الطبيعية للأفراد والمشاعر الحداثية أوضحت هذه القيمة الفنية الجديدة و وازت ردة الفعل العامة على العملية التي شكلت ثقافة مدينة ويمار.

التعبيرية الجديدة: بازيليتز، كيفير، شنابل

يُشير انبثاق لوحات جورج باسيليتز من طبقات الألوان المهتزة و النماذج المشوهة في الستينيات و صور أنسليم كيافير المدفونة وسط طبقات سميكة من الألوان الكثيفة المُشكلة من عدة خامات على الكانفس في السبعينيات إلى انتعاش مهمٍ و مؤثر للأسلوب في ألمانيا و الذي في نهاية المطاف سيبلغ أوجه في حركة التعبيرية الجديدة عالميًا في الثمانينات. كما وظف الفنانون في مدينة نيويورك من أمثال جوليان سكانبيل استخدام الطبقات الثقيلة والسميكة من الألوان، ومجموعات الألوان غير الطبيعية، وإيماءات طريقة استخدام الفرشاة للإصغاء للتعبيرية في أوائل القرن العشرين.

إن أفكار حركة التعبيرية الأصلية حول الروحانية،البدائية، وقيمة الفن التجريدي يمكن أن تُعد مؤثرًا كبيرًا في نسق عددٍ من الحركات غير المرتبة بها ومنها :التعبيرية التجريدية. إن الاستشراف الميتافيزيقي للتعبيرين و الانزعاج الغريزي من العالم الحديث كان هو ما اضطرهم إلى ردات الفعل المعادية التي ستبقى ميزة للحركات الريادية المتعددة طوال القرن.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .