الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : المدرسة الوحشية (1899-1908)

ملف العدد : المدرسة الوحشية (1899-1908)

23754918_1509233459157838_2444819301399058339_n

ترجمة خاصة:

لقراءة المواضيع الأصلية (هنا) و(هنا)

 

“إذا كان الفنان يرى الأشجار صفراء اللون، فيجب عليه أن يلونها بلونٍ أصفر ساطع”

                                                                              بول غوغان

ملخص:

المدرسة الوحشية هي أول حركة فنية معاصرة ظهرت في بدايات القرن العشرين، والتي استوحت أساسياتها من أساليب فينسينت فان غوخ، بول غوغان، جورج سورا، وبول سيزان. الوحوش (الوحوش البرية) هم عبارة عن مجموعة حلف حر يتكون من الرسامين الفرنسيين الذين يمتلكون اهتمامات مشتركة، بعض منهم مثل هنري ماتيس، البرتماركيه، و جورجرولا كانوا تلاميذ لدى الفنان الرمزي غوستاف مورو، وقد كانوا معجبين جداً باهتمامه الشديد بالتعبير الشخصي.

ظهر ماتيس كقائد للمجموعة التي تشاركت في استخدامها للألوان الساطعة كأداة لوصف الضوء والفضاء، كما قامت بإعادة تعريف للألوان الأساسية لتصبح وسيلة لإيصال مشاعر الفنان. ومن خلال هذا، أثبتت المدرسة الوحشية بأن أهميتها تماثل أهمية المدرسة التكعيبية والمدرسة التعبيرية، بالإضافة إلى كونها محكاً للأساليب التجريدية المستقبلية.

الأفكار الرئيسية:

  • إحدى أهم مساهمات المدرسة الوحشية في الفن الحديث هي هدفها الأساسي لفصل اللون عن غايته التي يتصف بها ويعبر عنها، وجعله يتصرف على القماش كعامل مستقل بذاته، فباستطاعة اللون أن يقوم بتقديم طابع خاص به ويؤسس بنيته الخاصة في العمل الفني بدون أن يكون مشابهًا لما هو عليه في الحياة الواقعية.

  • تهتم المدرسة الوحشية بالتوازن العام للتكوين، فقد قامت أساليب الوحوش المبسطة وألوانهم المشبعة على جذب الانتباه لسطح القماش أو الورق، وجعل كل مادة توضع عليه تلعب دوراً خاصاً بها، فالانطباع الأول عن العمل يجب أن يكون قوياً وموحداً.

  • قامت المدرسة الوحشية بتقدير التعبير الذاتي قبل كل شيء. فتجربة الفنان المباشرة، اهتماماته، ردة فعله للطبيعة من حوله وحدسه كلها كانت أهم من النظرية الأكاديمية أو الفكرة الأساسية لموضوع ما. كل عناصر اللوحة يجب أن تعمل مع بعضها حتى تخدم ذلك الهدف فقط.

 

 

أهم الأعمال الفنية:

 

23722573_1509192795828571_5103983914663070035_n

رفاهية، هدوء ومتعة

(١٩٠٤)

هنري ماتيس:

من أول أعمال ماتيس،ويتضح فيه تأثره بالأسلوب التنقيطي لسيوارت والفن التقسيمي لسيقناك، ما يميز هذه اللوحة هو استخدام ماتيس للألوان الأساسية كالأصفر والبرتقالي والأخضر بدون دمجها، بل اكتفى بإيضاح التأثير الذي قد يشعرك بنوع من الدوار. استوحى ماتيس اسم هذه اللوحة من قصيدة الشاعر تشارلز بودلير “دعوة إلى رحلة”

 

23755070_1509197902494727_7939170884317630645_n

يخت في لو هاف، مزين بالأعلام

(١٩٠٥)

راؤول دفي:

رسم دفي العديد من اللوحات لمشاهد من مدينة  لو هاف والتي تقع في فرنسا، ومع أن اللوحة تبدو طبيعية بشكل كبير، إلا أن دفي كان يرفض الرسم التقليدي وكان يفضل الابتكار، فنرى بأن هذا المشهد مرسوم بضربات فرشاة سريعة، وتبدو الأمواج وكأنها متناثرة بشكل عشوائي واستخدم ضربات سريعة وخشنة لرسم ممر المشاة.       

 

23755369_1509198152494702_5873794766337824504_n

جبال في كاليوري

(١٩٠٥)

اندريه ديرين:

رسم اندريه هذه اللوحة بينما كان يقضي الصيف مع ماتيس في كاليوري، وتم عرضها في معرض الخريف. في هذه اللوحة استخدم ديرين ضربات فرشاة طويلة ومنعزلة عن بعضها البعض، والألوان لا تمثل الطبيعة، فأغصان الأشجار ملونة بأحمر زاهي، والتلال بلوني البنفسجي والبرتقالي، مما يجعلنا نشعر بحرارة الصيف.

23755054_1509198289161355_2912523729062472882_n

فوق الاوستاليه: منظر فوق غريمند

(١٩٢٠)

هنري مانغان:

كان مانغان متأثراً بالفن الانطباعي بشكل كبير، ويتضح هذا في اختياره لألوان الباستيل الناصعة، وأكثر لوحاته كانت تتضمن مناظر للبحر الأبيض المتوسط. أول معرضين شارك بهما هما معرض المستقلين ومعرض الخريف.

 

23795734_1509203892494128_2168196052830892186_n

رسمة ذاتية

(١٩٠٣)

بيلا إيفاني–جرونوالد

رسام هنغاري، قائد لمستعمرة ناغيبانيا للفنانين، ومؤسس لمستعمرة كيشكيميت.

تأثر بشكل كبير بالأسلوب الوحشي وظهر هذا على أعماله، حيث أصبح يستخدم خطوطاً أكثر عرضاً وأسلوباً أكثر زخرفة.

 

23905324_1509205949160589_8916374069096610834_n

منظر البستان

(١٩٠٧)

اوثون فرايز:

عضو في مجموعة الوحوش، كان يسافر بكثرة بحثاً عن المناظر الطبيعية ورسم الصخور ذات الأشكال الغربية إحدى مواضيعه المفضلة، وفي هذه اللوحة استخدم فرايز تدرجات للون الأصفر الدافئ بالإضافة إلى الأحمر الذي يمتزج مع قليل من الأخضر، كان يرسم بطريقة انطباعية مستخدماً ألواناً وحشية.

 

23844552_1509206182493899_708568013621646488_n

في السيرك (المهرج المجنون)

(١٩٠٧)

جورج رولا:

استخدم رولا في أعماله الأولى نهجاً نفسياً بالإضافة إلى أسلوب التلوين الوحشي كما يتضح في لوحته هذه. فيظهر لنا المهرج والبهلوانية خارج المسرح، وعلامات الحزن والوحدة تتسم على ملامحهم خلف مساحيق التجميل الملونة.

 

23722734_1509206572493860_1574990039850959729_n

جسر في استاك

(١٩٠٨)

جورج براك:

كان يحب رسم مناظر من ستاك بعدة ألوان حتى توصل لهذه اللوحة،لتظهر تركيبتها في استخدام براك للألوان الوحشية مع اهتمامه بالتدرجات الخاصة فيها، الخطوط المنحنية تربط كلا المنظرين ببعضهما، وعلى الأرض تقبع البيوت المربعة، وبعناية تتداخل ببعضها البعض.

23905324_1509205949160589_8916374069096610834_n

نهر السين في شاتو

(١٩٠٦)

موريس دي فلامينك:

هذه اللوحة تصور الجزء الذي يمر منه نهر السين في شاتو، وهي ضاحية تقع في باريس،فيها استخدم دي فلامينك أسلوبًا محبذًا من قبل كثير من الوحوش ويدعى “امباستو” ويعني استخدام اللون الثقيل مباشرة من الأنبوب بدون دمجه بأي مادة أخرى، ثم يقوم بحركات صغيرة بالفرشاة حتى يخلق حركة المياه أو الغيوم.

 

23795663_1509211989159985_70364896612440158_n

ظهيرة يوم الأحد في جزيرة لجراند جات

(١٨٨٤-٨٦)

 

جورج سورا:

قد تكون هذه اللوحة هي أشهر لوحة اُستخدم فيها الأسلوب التنقيطي، مع أن اللوحة تحتوي على عناصر الأسلوب الانطباعي في طريقة تصويره للضوء والظل والأنشطة الترفيهية للطبقة البرجوازية الباريسية، إلا أنها من الأمثلة التي ظهرت كردة فعل فنية تجاه الحركة الانطباعية، لو نظرت إليها عن كثب ستجد بأنها عبارة مجموعة مرتبة من النقط الملونة ولكن عندما تنظر إليها عن بعد سيتضح معناها وجمالها.

23905588_1509212179159966_3175334288228543536_n

مجسمات مكهربة

(١٩١٤)

سونيا ديلوناي:

كانت سونيا مهتمة بالفن التكعيبي، وقد استخدمت أشكالاً هندسية في لوحاتها لتخلق خدعاً بصرية كعناوين لها وفي هذه اللوحة  الكثير من الأجسام الكروية تتمركز داخل دوائر أخرى لتحاكي الحركة الديناميكية للكهرباء.

23755419_1509212482493269_457562232417312118_n

شارع، برلين

(١٩١٣)

ارنيست لودفينغ كيرشنر:

اشتهر كيرشنر بلوحاته التي تجسد مشاهد من شوارع برلين، وهذه اللوحة بالذات هي الأشهر من بينهم، ضربات فرشاته الخشنة والحادة، ألوانه الغنية، والأجسام الطويلة، كلها تحيي الجو العام للشارع وتجسده على القماش، ليظهر منه مشهداً (متمرداً) أو بالأصح سابقاً لزمانه.

23843249_1509212372493280_5065532240571564647_n

رسمة ذاتية

(١٩٢٨)

ماغي لوبسر:

فنانة من جنوب افريقيا. تعد هي وايرماستيرن المسؤولتان عن تقديم الفن الانطباعي لجنوب إفريقيا، تلقت أعمالها الكثير من الانتقاد ولكن في نفس الوقت حصلت على الكثير من الإعجاب بسبب أسلوبها الذي يشتمل على كثير من خصائص الفن الانطباعي، تم اعتبارها كفنانة انطباعية، ولكن في نفس الوقت يوجد الكثير من الخصائص الوحشية في لوحاتها.

23722787_1509212592493258_6298159512633442822_n

لينا الصغيرة

(١٩٠٧)

تشارلز كاموين:

كان أحد أعضاء مجموعة الوحوش التي أسسها ماتيس، وكان قريباً منه للغاية، يعتبر أحد أشهر الرسامين الفرنسيين ومازالت لوحاته تعرض في عدة معارض فرنسية حتى الآن.

23755758_1509212899159894_5133222470379738230_n

رسمة ذاتية

(١٩٢٥)

ايون ثيوديريسكو-سيون:

فنان روماني اشتهر بمساهماته في الفن الحديث، وكان يستخدم عدة أساليب في أعماله مثل الأسلوب الانطباعي، التكعيبي، الوحشي، الواقعي، الرمزي وغيرها، ولكنه كان يركز بشكل كبير على تصوير حياة الفلاحين في محيطها الطبيعي.

23722631_1509213035826547_1668825438991092817_n

في مضمار سباق الدراجة الهوائية

(١٩١٢)

جان ميتزينجر:

أحد أهم فناني القرن العشرين الفرنسيين وقد طور نظرية الفن التكعيبي مع ألبرت غليزس، بداية أعماله كانت مستوحاة من أعمال جورج سورا وهنري ادموند كروس

ما بين عام ١٩٠٤ و١٩٠٧، قام بالعمل بالأسلوب التقسيمي والوحشي، والذي أدى لإنتاج العديد من الأعمال من ضمنها هذه اللوحة.

23843180_1509221799159004_1353241170041089053_n

رسمة ذاتية

(١٩١٧)

اليس بايلي:

فنانة سويسرية، عرفت بمساهماتها في الفن التكعيبي، الوحشي، الرسم الصوفي ومشاركتها في حركة دادا.

 

23795067_1509221885825662_5201476970239370522_n

رقيب من الفوج الاستعماري

(١٩٠٦-١٩٠٧)

ألبرت ماركيه:

فنان فرنسي مرتبط بالحركة الوحشية وأحد أهم أعضائها، كانت اغلب أعماله تميل نحو الواقعية، فقد اهتم برسم المناظر الطبيعية والرسومات الشخصية.

23795098_1509222045825646_2180022230652694548_n

امرأة ترتدي الكشكشة

(١٩١١)

كيس فان دونجن:

فنان ألماني واحد الوحوش، لاقى شهرته من خلال أسلوبه الحسي والمبهرج.

 

بداياتها:

في السنوات الأولى من القرن العشرين، تم اعتبار الفنانين الذين ظهروا بعد الحركة الفنية الانطباعية، أمثال فان غوخ، غوغان، سورا، وسيزان قادة في الفنون الطليعية، فتجاربهم التي قاموا بجمعها، مع طريقتهم في استخدام الألوان، مواضيعهم المختارة، طريقة تعبيرهم، وألوانهم الأساسية كانت العوامل التي غذت ولادة المدرسة الوحشية،والمدرسة الرمزية، والتي تركز على رؤية الفنان الداخلية كانت أيضاً عاملاً آخر، ومن جهة أخرى، كان تقييم الأوربيين للمنحوتات الإفريقية على أنها فناً أكثر من كونها دراسة لعلم الإنسان كان سبباً في تقديم أفكار جديدة للهيئة والتصوير، مما ساعد الأوربيين المعاصرين.

 

ماتيس كرائد للمدرسة الوحشية:

يعتبر هنري ماتيس الفنان الرئيسي الذي قام بتأسيس المدرسة الوحشية، ومثل كثير من الفنانين المعاصرين، كان ماتيس متأثراً بشكل كبير بتعليم مورو الذي نص على أن التعبير الذاتي هو أحد أهم السمات التي يتصف بها الرسام الماهر، وأيضاً كانت الأساليب واللغة البصرية المتناسقة للأسلوب التنقيطي الذي ابتكره صديقه جورج سورا، بول سيجناك وهنري أدموند كروس مهمة للغاية له منذ أن كان شاباً صغيراً.

ماتيس لم يقم بتطبيق الفن التنقيطي بشكل مباشر على أعماله، ولكن النقط الصغيرة التي تُرسم بألوان عدة كانت تبهره بجمالها ومن خلال تأمله لهذا الأسلوب استطاع تطوير “بنية اللون” أو مناطق كبيرة ومسطحة للون والتي أنشأت طابعاً زخرفي ومدروس، كما أنه كان مطلعاً على أعمال ما بعد الحركة الانطباعية لبول غوغان، بيير بونارد، وادوارد فيلارد، الذين كان دمجهم للألوان الصلبة مختلفاً عن التأثير السريع والخفيف للأعمال الانطباعية.

من خلال تركيب كل هذه الأفكار معاً، ابتعد ماتيس عن العمل بالألوان المدموجة وبدأ العمل بألوان ساطعة يأخذها مباشرة من الأنبوب كوسيلة للتعبير عن الذات.

كان يعمل خارج المنزل منذ وسط سنوات ١٨٩٠، ورحلاته لكورسيكا وجنوب فرنسا في عام ١٨٩٨ زادت من اهتمامه برسم التأثير الناتج عن ضوء الطبيعة القوي، كما أن العمل لصيف كامل مع سيجناك وكروس في سانت تروبز في الريفيرا الفرنسية في عام ١٩٠٤ منحه فرصة أكبر بأن يشهد أساليبهم ويتعلم منها.

 

زملاؤه الوحوش: ديرين ودي فلامينك:

في نفس فترة السنوات التي كان ماتيس يجرب فيها أساليب ما بعد الحركة الانطباعية، التقى الرسامان اندريه ديرين وموريس دي فلامينك في عام ١٩٠١، وقاما بمشاركة أستوديو معاً في شاتو، وهي ضاحية في غرب باريس، فطورا معاً اهتماماً مشتركاً بالألوان الجريئة واتجاه خاص في استخدام ضربات الفرشاة.

 

التقى ماتيس بديرين في عام ١٨٩٩، وبعد سنتين، التقى بدي فلامينك من خلال ديرين. وكفنان متمرس وأكبر منهما عمراً، قام بدعمهما وتشجيعهما، حتى أنه قام بتعريفهما على العديد من التجار.

في عام ١٩٠٥، قام ماتيس بزيارة الأستوديو الخاص بهما في شاتو، وقد انبهر كثيراً بطريقة دي فلامينك في استخدام الألوان.

دعى ماتيس ديرين ليقضي معه الصيف في عام ١٩٠٥ في مدينة كوليوري، وهي عبارة عن ميناء ومحطة صيد تقع في الساحل الجنوبي لفرنسا، فقاما بقضاء هذا الصيف في العمل وتطوير أساليبهم، مما أدى بهم لإنتاج العديد من اللوحات المذهلة من خلال تعاونهما معاً.

 

معرض الخريف في عام ١٩٠٥:

في وقت لاحق من تلك السنة، تمت إقامة معرض الخريف في القصر الكبير في باريس، كل من ماتيس، ديرين ودي فلامينك قاموا بعرض أعمالهم فيه وتمت مشاركتهم من قبل تلامذة سابقين لمورو، من ضمنهم هنري مانغنو ألبرت ماركيه.

اللوحات التي تم عرضها كانت مميزة وبارزة عن غيرها من اللوحات بسبب احتوائها على الألوان الحية والمشبعة، وضربات الفرشاة العشوائية، كما تضمن المعرض تمثالاً تقليدياً نُحت بنمط إيطالي للفنان ماركيه، والذي وضع قريباً من هذه اللوحات ذات الألوان المبهرجة، فعندما رأى الناقد فوكسيلس هذا المشهد وصفه بـ Donatello parmi les fauves وتعني دونيتيلو بين الوحوش البرية،ومن بعد هذا تم استخدام كلمة “وحوش” لوصف هؤلاء الفنانين ومع أن هذا الوصف تعرض للكثير من الازدراء من قبل العديد، لكنه نجا وتم استخدامه.

 

المفاهيم والأنماط:

 

دائرة موسعة:

بالرغم من العدائية التي تلقاها الفنانون من النقاد في بداية ظهور هذا النوع من الفن، إلا أنهم استمتعوا بالنجاح الذي لاقوه بعد معرض الخريف في عام ١٩٠٥وقد تم عرض أعمالهم في معارض أخرى في السنوات التي تلتها، ومن أهمها معرض المستقلين في عام ١٩٠٧، والذي كان أكثر ما يميزه هو احتواؤه على غرفة كبيرة سُميت بـ “عرين الوحوش“.

في ذلك الوقت، قام العديد من الفنانين الآخرين بالانضمام إلى الثلاثي ماتيس، ديرين، ومدي فلامينك،فبدأت هذه المجموعة بالتوسع ليتكاثر الوحوش فيها (كلهم متأسسين في فرنسا)، وبالتالي تضمنت أوثونفريش،وجورج رولت (طالب آخر من طلاب غوستاف موريو)،وكيس فان دونغن،وجورج براك،وراؤول دوفي، هؤلاء الفنانون سافروا معاً وقاموا بمشاركة الاستوديوهات وتبادل الأفكار بحرية فيما بينهم في الذروة البسيطة التي حظيت بها الوحشية.

 

أهمية اللون:

كل الوحوش كانوا منشغلين باستخدام الألوان كوسيلة للتعبير الذاتي، فمزيج الألوان كان هو المُشكل للموضوع الأساسي، الشكل والتناغم في أعمالهم، فقد يصبح لون السماء برتقالياً، وقد تكون الشجرة زرقاء، وقد يُلون الوجه بعدة ألوان غير متناسقة، فالنتيجة النهائية يجب أن تكون مستقلة بمنظور الفنان بعيداً عن النظر لمظهرها الحقيقي، بالإضافة إلى أن العناصر المركبة كانت مبنية على طريقة استخدام اللون عوضاً عن الرسم المتقن.

 

الموضوع والأسلوب:

من خلال انهماك هؤلاء الفنانين المشترك بالتعبير من خلال اللون والشكل، أصبحوا اقل اهتماماً بالإبداع من ناحية الموضوع، حيث كان الفنانون الانطباعيون والذين أتوا من بعدهم أكثر اهتماماً من حيث تصوير الحياة الحديثة والحضارية، مثل الشوارع، المقاهي، وقاعات الحفلات في باريس.

الوحوش اهتموا بمواضيع تقليدية وأخذوها كأساسيات لأعمالهم فقد اتخذوا من الناس، المناظر الطبيعية والبحرية، والمجسمات (كالأثاث) مواضيعاً لهم، ولكن التأثير البصري للألوان كان العامل الرئيسي والأهم من أي قصة قد تسرد من خلال اللوحة، فبالتالي قاموا باستخدام مواضيعهم كعجلات تقود المتفرج نحو دواخلهم التي عبروا عنها من خلال ألوانهم غير الطبيعية وضربات فرشهم.

التطورات اللاحقة:

رغبة الوحوش في تحريف الشكل والتجسيد الأصلي بغرض التعبير عن مشاعرهم كانت ذو تأثير قوي على الفنانين الانطباعيين، والذين جعلوا من حركتهم الفنية أكثر تماسكاً وأطول عمراً من الحركة الوحشية، فالفنانون الانطباعيون الألمان، مثل إرنست لودفينغ كيرشنر وكارل شميدت روتلوف قاموا باستخدام الأسلوب الوحشي في طريقة استعمالهم للألوان في الرسمات التي رسموها في شوارع برلين وفي بعض الأحيان في لوحاتهم الزخرفية.

 

سيزان والفن التكعيبي:

بشكل ما، ساهم زوال الفن الوحشي في إظهار الكثير من الاهتمام في الفن الذي قدمه سيزان، فقد تم افتتاح معرض له في باريس في عام ١٩٠٧، والذي جعل من أعماله محط اهتمام للكثير، بالذات طريقته في تركيزه على الطبيعة والبنية الفنية للوحة وعلى سبيل المثال، قام الفنان جورج براك باستخدام ألوان محددة في لوحاته، وذلك بالتركيز بشكل أكبر على تدرجات الألوان المتناسقة، هذا الأسلوب جعل براك يملأ لوحاته بأشكال متداخلة ومختلفة عن بعضها ولكن متناسقة بعناية في نفس الوقت، وذلك يتضح في عمله الذي أنتجه في عام ١٩٠٨ والذي أطلق عليه اسم “طريق بالقرب من ليستاك“، والتي توضح تطور الفنان في الأسلوب التكعيبي.

 

الفن الأفريقي:

ما الأمور المثيرة للاهتمام والتي حدثت في ذلك العصر هو اهتمام الوحوش وبابلو بيكاسو بالفن الأفريقي، فقد سافر ماتيس للمغرب باحثاً عن أفكار جديدة تتعلق بالألوان والأنماط، والتي ظهرت في أعمال مثل “الخط الأخضر (لوحة للسيدة ماتيس -١٩٠٥-)” وفي “العارية الزرقاء (تذكار من بيسكارا -١٩٠٧-)، والتي تتميز بخصائصها المميزة وأطرافها ذات الزوايا المنحنية والتي استوحاها من المنحوتات الإفريقية، هذا الاستخدام لمصادر فنية خارج العالم الغربي كان ذو تأثير كبير على الفنان بيكاسو عندما كان شاباً، فبدأ بدمج العديد من الأقنعة الإفريقية والأيبيرية في أعماله والعديد من اللوحات الذاتية، ويتضح هذا في لوحته المشهورة “آنسات أفينون -١٩٠٧-“.

بحلول عام ١٩٠٨، أخذ كل وحش من الوحوش طريقه الخاص: فبدأ براك بتطوير مهاراته في الفن التكعيبي مع بيكاسو، وفعل ديرين نفس الأمر، بينما توجه دي فلامينك نحو تدرجات الألوان الغامقة واختار مواضيع أكثر عمقاً وفي ذلك الوقت، عدة فنانين آخرين من هذه المجموعة اتخذوا أساليباً أخرى، مثل ماركيه، دفي، رولا.

 

النتيجة النهائية:

في النهاية، اجتمع الوحوش لفترات قصيرة ومتقطعة عوضاً عن تكوينهم لمدرسة كاملة بالرغم من أنهم لم يقوموا بإصدار بيانٍ رسمي يبين غاياتهم الفنية وما يريدون الوصول إليه، إلا أن كتاب ماتيس “ملاحظات رسام” والذي أصدره في عام ١٩٠٨، أوضح كثيراً من اهتماماتهم وأهدافهم، مثل التزامهم بالتعبير والحدس الذاتي، استخدامهم للألوان كعنصر مرئي مستقل بذاته وممزوجاً بمشاعرهم، وبإعادة تفكيرهم في تركيب المواد لجعلها حية على السطح المرسومة عليه. حتى بعد تفكك المجموعة بعد حصولها على هذا الاسم الشهير، مازالت أفكار الفن الوحشي تستخدم في كثير من الأعمال الفنية وسوف تستمر لتؤثر في كثير من الفنانين في المستقبل.

عن رشا المالكي

مترجمة من السعودية، أرى في الكتابة تجريداً للروح وتطهيراً لها، وفي القراءة خلقاً للحياة فيها، فأكتب حيناً واترجم حيناً آخر.