الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : في ذكرى مولد إدفارد مونش

ملف العدد : في ذكرى مولد إدفارد مونش

IMG-20171122-WA0015

▪ بقلم : ج. إي. بلاك

▪ مجلة قصة الفن

▪ ترجمة خاصة : جيل جديد

  • مدخل :

 ”أنا لا أعتقد بالفن الذي لا يكون نتيجة قهرية لإلحاح الإنسان على كشف قلبه“.

إ. مونش.

“ما أردت أن أحدثه في فني، هو ذلك الشيء الذي لا يمكن قياسه. أردت أن أصور الحركة المتعبة لجفون العين. الشفاه التي تبدو كما لو أنها تهمس، كما لو أنها تتنفس. أردت الحياة لما هو في الأساس حي.”

إ. مونش

    إدفارد مونش الأرض الخصبة، كان على الدوام مشغولاً بهواجس الوفيات البشرية والموت؛ فنجد المرض المزمن، التحرر الجنسي، والطموح الديني. معرباً عن هذه الهواجس بأعمال فنية كثيفة اللون، شبه مجردة، وغامضة. وبعد الانتصار العظيم للانطباعية الفرنسية، تبنى مونش مزيداً من التصويرية، متأثراً بالحساسية الرمزية لبول غوغين. وتبعاً لذلك أصبح واحداً من أكثر الفنانين إثارة للجدل، وبالتالي، من المشهورين وسط جيل جديد من الرسامين الرمزيين والتعبيريين. برز مونش في العقد الأول من القرن العشرين، إبان ذروة حركة الفن الحديث وتركيزها المميز على الجوانب العضوية، التطورية، وغموض الغريزة. متفقاً مع هذه الزخارف، لكن بالتأكيد متوجهاً بعيداً عن تطبيقاتها الزخرفية، جاء مونش ليعالج المرئي كما لو أنه كان نافذة تطل على مشهد غير متشكل تماماً، إن لم يكن مربكاً، من علم النفس البشري.

       ترعرع مونش في أسرة محاطة بشكل دوري بأمراض مهددة للحياة، وبالموت المبكر لأمه وأخته بالسل الرئوي. والذي فسر من قبل والد مونش، المسيحي الأصولي، على أنه نتاج العقاب الإلهي. هذه البيئة المليئة بأحداث التراجيديا، وتفسيراتها القاتلة، تركت أثراً عميقاً على الفنان الشاب، وساهمت بشكل حاسم في انشغاله الدائم بسيمة القلق، المعاناة العاطفية، والضعف البشري.

       اعتبرت أعمال مونش بكل ألوانها الحادة، المبنية على شبه التجريد والغموض، وفي الغالب بنهاياتها المفتوحة، بمثابة رموز ذات أهمية عالمية. وهكذا فإن رسوماته ولوحاته ومطبوعاته تأخذ نوعية التعويذات النفسية: نشأت من تجارب مونش الذاتية، لكنها تحمل القدرة على التعبير -وربما التخفيف- عن الحالة الذاتية، العاطفية والنفسية للمشاهد.

       الاستغراق  المتكرر في عمل مونش مع القضايا الجنسية، نشأ لتقيم الفنان البوهيمي للجنس كأداة للتحرر العاطفي والجسدي من قيود التوافق الاجتماعي، إضافة إلى افتتان معاصريه بالتجربة الجنسية كنافذة على ما دون الوعي، وأحياناً على الجوانب الأكثر ظلمة وتموهاً لعلم النفس البشري.

      وبمعنى مشابه لفنسنت فان جوخ، الذي كان معاصراً تقريباً، سعى مونش لتسجيل نوع من الدمج بين الموضوع كما هو في العالم المحيط من حوله، وبين تصوره الخاص النفساني، العاطفي، وربما الروحاني.

  • النشأة :

“منذ لحظة ولادتي، وقف كل من ملائكة القلق، الهم، والموت على جانبي، يتبعونني إلى الخارج عندما ألعب، يلاحقونني في شمس الربيع وفي بهاء الصيف.”

إ. مونش

    ولد إدفارد مونش في عام 1863 في مزرعة ريفية في قرية أدلسبروق، في مدينة لوتن بالنرويج. ثم انتقلت أسرته إلى أوسلو في عام 1864، بعد تعيين والد مونش، كريستيان كطبيب ممارس في سجن قلعة آكيرشوس العسكري. مع مطلع عام 1868 توفيت والدة مونش بمرض السل عندما كان لايزال عمره خمس سنوات، ثم في غضون أقل من عقد ماتت شقيقة مونش المفضلة، صوفي. بعدها بعام واحد فقط توفي رفيقه الفنان الشاب بداء الرئة. لكل هذا، عانى والد مونش من نوبات متواصلة من الاكتئاب والغضب، مستنداً على رؤاه شبه الروحية فسر أمراض الأسرة كعقاب إلهي.

      وبسبب عمل والد إدفارد مونش كطبيب في الجيش، لم تستقر الأسرة أبداً في مكان واحد وعاشت في فقر نسبي. كان والد مونش دائماً ما يقرأ لأبنائه قصص إدغار ألن بو المرعبة، فضلاً عن دروس التاريخ والدين، غارساً في مونش الصغير شعوراً عاماً بالقلق تجاه الموت. ذلك بالإضافة إلى الجهاز المناعي الضعيف لمونش الذي لم يتحمل شتاء إسكندنافيا القاسي. حيث منعته أمراضه المتكررة من الذهاب إلى المدرسة لعدة أشهر والبقاء في البيت. ولتمرير الوقت، في نهاية الأمر، أخذ مونش يرسم ويلون باستخدام الألوان المائية.

       أصبح الفن هو الانشغال المستمر لمونش خلال سنوات المراهقة. وفي الثالثة عشر، تعرض مونش لأعمال جمعية الفن النرويجية الوليدة، وبشكل خاص ألهمته لوحات المناظر الطبيعية للمجموعة. ومن خلال نسخ هذه الأعمال علم نفسه تقنيات الرسم الزيتي.

  • مراحلة الأولى :

“لم يعد بإمكاني مطلقاً رسم الغرف المزينة برجال يتصفحون الجرائد ونساء يحكن الصوف. أنا سوف أرسم فقط أولئك الناس الذين يتنفسون ويشعرون ويعانون ويحبون”.

إ. مونش

      في ثمانينيات القرن التاسع عشر، سعياً إلى أسلوب حياة بوهيمية، اكتشف مونش كتابات الفيلسوف الفوضوي، هانس جيغر، رئيس مجموعة “كريستيانيا-بوهيم” (مبدأها الأساسي محاربة البرجوازية، والدفاع عن “الحب الحر”، وإبطال الزواج). كون مونش وجيغر صداقة وثيقة، حيث شجع جيغر مونش على جلب المزيد من التجربة الشخصية في أعماله. فشهدت تلك الفترة تأثيراً عميقاً لجينغر في أعمال مونش، لوحة الطفل المريض (1885-1886)، وهي تركيبة داكنة بمثابة نصب تذكاري لأخت مونش المتوفية، صوفي. عندما عرضت تلك اللوحة لاحقاً كدراسة في مجموعة كريستيانيا في عام 1886، تعرضت للهجوم من قبل النقاد وكذلك من زملاء مونش، بسبب صفاتها غير التقليدية العلنية، كخدوش سطح الطلاء والمظهرغير المكتمل عموماً للعمل.

         في عام 1889، سافر مونش إلى باريس للدراسة في استوديو ليون بونات. وأدرجت لوحته الصباح (1884) في الجناح النرويجي للمعرض العالمي. بدأ مونش الرسم في باريس متأثراً بالانطباعيين، مثل مانيت، وما بعد الانطباعيين كغوغين، فان جوخ، وتولوز لوتريك، التي تتكون أحياناً من تركيبات بهيجة تختلف بصورة درامية من موضوعات مونش المتكررة للموت والخسارة الشخصية. في العام نفسه، رحل والد مونش في واقعة صادمة، غرست في الفنان اهتماماً جديداً بالروحانية والرمزية. وتجلى ذلك في اللوحة الكئيبة لغرفة فارغة؛ ليلة في سانت كلاود (1890)، والتي كانت بمثابة ذكرى لوالد مونش.

  • نضوجه :

“الكاميرا لا يمكن لها أن تنافس الفرشاة والألوان، طالما أنه لا يمكن استخدامها في الجنة أو الجحيم.”

إ. مونش

       في عام 1892، دعا اتحاد فناني برلين مونش ليكون موضوع أول معرض فردي للاتحاد. فنالت أعماله الكثير من الجدل والآراء المتباينة بسبب الألوان الراديكالية المتطرفة ومواضيعها الكئيبة وأغلق المعرض قبل أوانه. استفاد مونش من الدعاية المتبقية له وازدهرت حياته المهنية نتيجة لذلك. ثم بعد ذلك بعام عرض في برلين مجموعة من ست لوحات تتناول الحب والتي سوف تتطور في نهاية المطاف إلى السلسلة الضخمة المعروفة إفريز الحياة – قصيدة عن الحياة والحب والموت (1893).

    سلسلة إفريز الحياة والأعمال ذات الصلة التي أنتجها مونش في تسعينات القرن التاسع عشر، هي من بين الأعمال الأكثر أهمية فناً وشهرة في سائر حياته المهنية. مونش رسم سلسلة متعاقبة من اللوحات المميزة، الصرخة (1893)، الحب والألم (1893-94)، الشحوب (1894)، مادونا (1894-95)، والبلوغ (1895). وعلى الرغم من أن هذه الأعمال لا تشمل سوى جزء فقط من نتاج مونش الغزير والرفيع، فإنها كلها تستثير طابعه العميق، وشاعريته السوداوية، المرتكزة على مواضيع العزلة والموت وفقدان البراءة. في أواخر ذلك القرن، أخذ مونش أيضاً اهتماماً بالتصوير الفوتوغرافي، على الرغم من أنه لم يعتبرها وسيلة فنية مساوية للرسم أو الطباعة.

  • الفترة المتأخرة :

“ابتداءً من أبعد نقطة تصل إليها ذاكرتي، أجد أنني أعاني من شعور عميق بالقلق، ذلك الذي حاولت أن أظهره في فني. وبدون هذا القلق والمرض، كنت سأصبح مثل سفينة من دون دفة”.

إ. مونش

     في عام 1908، بعد إقامته في برلين ومن ثم العودة إلى باريس، عانى مونش من انهيار عصبي حاد. إن الحياة البوهيمية التي كان يعيشها مونش وإفراطه في تناول الكحول والعراك الدائم والألم والقلق بسبب خسارته لأخته وأبيه أدت إلى انهياره. نقل مونش الى مستشفى كوبنهاجن لمدة ثمانية أشهر، تعرض خلالها إلى نظام غذائي صارم وعلاج كهربائي. أثناء إقامته في المستشفى، أنشأ مونش سلسلته المطبوعة حجرياً، ألفا وأوميجا (1908)، والتي تصور علاقات الفنان المتعددة مع الأصدقاء والأعداء.

       أطلق سراح مونش من المستشفى في العام التالي، وتبعاً لنصح طبيبه، عاد فوراً إلى النرويج لبدء حياة العزلة الهادئة. ومن ثم، استمد مونش الإلهام من المشهد النرويجي والأنشطة اليومية للمزارعين والعمال. عاكساً منظوراً متفائلاً، عمل مونش خلال هذه الفترة على توظيف الألوان الخفيفة (بما في ذلك الأبيض أو الفراغ السلبي، نوعية غائبة فعلياً في أعماله السابقة)، وضربات فرشاة لينة، ومواضيع تدور حول الحياة والعمل والاستجمام في المزرعة. من بين أعمال لهذه الفترة لوحته الشمس (1912)، وحراثة الربيع (1916)، اغتسال رجل (1918).

        واصل مونش الرسم مستلهماً حياته اليومية وخبرته الشخصية، محاولاً الهرب من المواضيع العلنية للخسارة والموت. باستثناء تركيز مونش على وفاته الخاصة، كما برز ذلك في العديد من لوحات البورتريه الذاتية الكئيبة. هذا بالإضافة لإنتاجه الكثير من اللوحات والرسومات للمناظر الطبيعية.

        في عام 1940، غزا النازيون النرويج؛ ومن ثم، فالعديد من لوحات مونش اعتبرت “منحطة” من قبل هتلر وتمت إزالتها من المتاحف الألمانية. ومن بين اثنتين وثمانين لوحة مصادرة خلال الحرب، تم إنقاذ إحدى وسبعين (بما في ذلك الصراخ) من قبل متطوعين نرويجيين، وأعادوها إلى وطن مونش الأصلي، النرويج.

      في سن الثمانين، أعجزه ضعف بصره عن العمل، كما عانى من مرض مزمن ناجم عن انفجار مصنع مجاور للذخائر، توفي مونش في بلدة إكيلي، تقع خارج أوسلو مباشرة.

  • إرثه :

“حقاً ما هو الفن؟ حصيلة الاستياء من الحياة، نقطة التأثير للقوة الإبداعية، الحركة المستمرة للعيش؟ … في فني حاولت أن أفسر لنفسي الحياة ومعناها، وحاولت أيضاً مساعدة الآخرين على توضيح حياتهم”.

إ. مونش

      كان لمونش تأثيراً عميقاً على الرسامين اللاحقين في أوروبا والولايات المتحدة، حتى مع أسلوبه الخاص المؤرخ على عجالة بعد الحرب العالمية الأولى. وقد وجد رواد التعبيرية الألمان مثل كيرشنر، وكاندينسكي، وبيكمان، وغيرهم من المهتمين بالتعبيرية في علم النفس الفرداني مصدر إلهام مقدر من خلال الألوان الحادة وشبه التجريدية في لوحات مونش الحزينة والمتحركة. واستطاع مونش من خلال الكآبة، واستخدامه للألوان ذات الرنين، واستدعاءه للشخصية البشرية في نسق صبغي شبه مجرد، أن يبرهن على بقاء الصفات المعبرة والنمطية للرمزية، التعبيرية، التوحشية، وحتى السريالية. ويرى المرء تأثير مونش الموسع حتى في عمل رسامين لاحقين كفرانسيس بيكون، الذي تعكس لوحاته الذاتية عرض الاضطراب النفسي في ملامح الوجه والجسم المشوهة.

“من جيفة جسدي المتعفن،

ستنمو الزهور،

وأنا فيهم،

وهذا هو الخلود.”

إ. مونش

 

IMG-20171122-WA0012

IMG-20171122-WA0008

IMG-20171122-WA0011

IMG-20171122-WA0014

IMG-20171122-WA0013

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة