الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: لم يجمع الناس الأعمال الفنية؟

ملف العدد: لم يجمع الناس الأعمال الفنية؟

unnamed

ترجمة خاصة

لقراءة الموضوع الأصلي(هنا)

يحرك جامعوا الفنون العالم، ولكن ماذا يحرك جامعي الأعمال الفنية؟ يبدو الأمر أقل تعلقًا بالقيمة الجمالية من تمحوره حول تعريف الذات

اشتهر بليونير عالم النفط جيه بول جيتي ببخله فأنشأ هاتف عملة في قصره في سري في إنجلترا ليوقف الزوار عن إجراء مكالمات لأماكن بعيدة. كما رفض أن يدفع فدية لخاطفي حفيده لفترة طويلة مما أغضب الخاطفين وجعلهم يرسلون لها أذن حفيده مقطوعة بالبريد. بالرغم من ذلك أنفق جيتي ملايين الدولارات على الفن وملايين أكثر لبناء متحف جيتي في لوس أنجلوس، وأسمى نفسه ” جامع أعمال فني مدمن إدمانًا عضالًا لا شفاء منه كما يظهر”، و يذكر بأنه نذر مرات عديدة التوقف عن جمع الأعمال الفنية و لكنه عانى من “انتكاسة ساحقة”. يخاف الطائرات ومشغولٌ جدًا للسفر بحرًا إلى كاليفورنيا من لندن التي اتخذها كموطن، ولم يزر قط المتحف الذي ملأته أمواله هكذا كان جيتي.

وجيتي واحد من العديد من الأشخاص في التاريخ الذين امتد تاريخ جمعهم للفنون طويلًا بحثًا و إنفاقًا للمال بل وحتى سرقة إرضاءً لتوقهم الشديد، ولكن ما الذي يحفز هؤلاء الأشخاص؟

يعود تاريخ الجدال حول جمع الأشخاص للأعمال الفنية على أقل تقدير إلى القرن الأول الميلادي. حيث ادعى البلغ الروماني كينتيليان أن أولئك الذين يجاهرون بإعجابهم وحبهم لما عده الأعمال البدائية للرسام بوليغنوتوس مدفعون بـ “الرغبة بالتباهي والتفاخر ليبدوا كأشخاص بذوق رفيع وعالي المقام”، وما زالت آراء كينيليان تحظى بتأييد ودعم العديدين.

أما التفسير الآخر لدافع جامعي الفنون فهو: العائد المادي ولكنه لا يفسر اتجاه جامعي الفنون إلى مدى طويل في هذا. فمن المؤكد أن العديد من الأشخاص يشترون الأعمال الفنية لأسباب مالية،حيث يمكنك أن تعيد بيع الأعمال وتحصد في بعض الأحيان على عائد مهول، يمكنك أن تحصل على خصم كبير للضرائب بتبرعك بالأعمال الفنية للمتحف: كبير جدًا لدرجة أن الحكومة الفيدرالية احتجزت الآلاف من الأعمال الأثرية المسلوبة المهربة إلى الولايات المتحدة للتبع بها بقيم ضخمة فقط لخفض فاتورة ضرائب المتبرع. إبان ذلك عرف بعض جامعي الأعمال الفنية كيف يبقون مجموعاتهم الفنية بين أيديهم مع الإبقاء على الخصم من ضرائبهم وذلك بإنشاء متاحف خاصة على أرض من ممتلكاتهم. بل وأكثر دناءة من ذلك فإن بعض جامعي الأعمال الفنية يشترون الأعمال الفنية كشكل من أشكال غسيل الأموال لكون نقل الأعمال الفنية أكثر سهولة من نقل المال نقدًا بين الدول دون تدقيق وفحص.

و لكن معظم جامعي الأعمال الفنية لا يلقون بالًا بشدة للعائد المالي، فالفن بالنسبة لهم مهم لأسباب أخرى. إن أفضل طريقة لفهم الدافع الخفي لجمع الأعمال الفنية هو اعتباره وسيلة لخلق وتقوية الروابط الاجتماعية، وكطريقة للجامعين للتواصل بمعلومات عن أنفسهم والعالم داخل هذه الشبكات. فكر بنفسك عندما كنت طفلًا بمحاولاتك لمصادقة الطفل الجديد في الحي بعرض علبة حذائك المليئة بريش الطيور أو بطاقات البيسبول، فأنت كنت تخلق رابطًا جديدًا في شبكتك الاجتماعية و تتواصل ببعض المعلومات الرئيسية عنك (أنا معجبٌ بفريق الصافرات). وكذلك الحال بالنسبة لجامع الفنون الذي يقيم حفلة عشاء ويقود ضيوفه إلى معرضه الفني الخاص حيث له نفس الأهداف: أن يخبر أصدقاءه الجدد عن نفسه.

يميل الناس إلى تخيل جامعي الفنون كأشخاص بروح تنافسية عالية ولكن يمكن أن يكون ذلك خاطئ أيضًا. فجامعي الفنون الجادون عادةً ما يتكلمون عن أهمية الشبكات الاجتماعية لا التنافس والروابط مع العائلة والأصدقاء، العلماء والزوار و الزملاء في جمع الفنون الذين عرفوهم وقويت علاقتهم بهم عن طريق جمع الفنون. وعادة ما تكشف الطريقة التي يصف فيها جامعوا الفنون أول عمل امتلكوه الدور المركزي للعنصر الاجتماعي. ونادرًا جدًا ما يعزو جامعوا الفنون جمعهم للقاء فردي مع عمل ما، أو الفضول حول الماضي، أو قراءة مصدر نصي. و بدلًا من ذلك فإنهم وبشكل غير مباشر ينسبون ذلك لصديق أو فرد من الأسرة لإشعاله ذلك الإلهام وذلك عادة ما يكون عبر مصادفة عملًا فنيًا ما و النقاش حوله. و جامع الأعمال الفنية الذي يستعرض آخر ما جمع لأطفاله يفعل ما يفعله بالضبط المعجب الرياضي الذي يجمع الأطفال ليشاهدوا المباراة: يعزز الروابط العائلية بمشاركة الاهتمامات.

حتى التوقعات الظاهرية تثبت القاعدة. ثري آخر في مجال النفط هو كالوست كولبنكيان راكم مجموعة فنية مذهلة من الأعمال وأسماها “أطفالي”، و متجاهلًا معظم حياته مع أطفال هم من لحمه ودمه عاش ليخدم مجموعته الفنية مدعيًا بقوله: “لأطفالي الحق ببعض الخصوصية”، بنى قصرًا في باريس بمتاريس وكلاب حراسة ونظام أمني سري. و على وتيرة واحدة رفض كل طلبات إعارة لوحاته للمتاحف و لم يسمح بالزوار: ” لأنه لا ينبغي إزعاج أطفاله”. و لكن وبالرغم من تطرف جامع الأعمال الفنية هذا الذي فضل الفن على الناس فإنه أظهر أهمية الدور الاجتماعي لكونه ببساطة عامل الأعمال الفنية كما لو أنهم بشر، وحتى عندما ترك كولينكيان مجموعته وسماها لمتحف في مدينة ليسبون لتؤخذ بعد موته سنة 1955 اتضح أنه اهتم بالناس بعد كل هذا لكنهم لم يكونوا أولئك الذين عرفهم.

لا يهتم جامعوا الفنون بخلق الروابط الاجتماعية فقط ولكنهم أيضًا مدفعون بالرسائل التي يمكن أن يضمنوها متى ما نشأت هذه الشبكات الاجتماعية. فجميعنا نعرف أن الفن طريقة قوية ليعبر الفنان عن أفكاره ومشاعره، ولكن جامعي الفنون أيضًا يعرفون أيضًا أن الفن يمكن أن يخدم كمثل تعبيري عنهم أيضًا. وبالتالي فإن عددًا ممن يخلطون بين ما يجمعونه في أعمالهم الفنية بحذر، مقتنين فقط الأعمال الفنية التي تُعرض احتياطًا بادعاء أن جامعه تمنى لو أنه هو من صنعها.

دومًا يتمحور هذا الادعاء حول هوية الجامع، فمثلًا وضع حلق في الأذن أو حمل حقيبة كتف بشكل معين، فإن عرض نوعٍ معين من الفن يمكن أن يضمن رسالة عن حقيقة الجامع، على الأقل بالشكل الذي يرى نفسه به. اعتقدنا منذ بداية صناعة الفنون بأن الأعمال الفنية تصور وتحفظ جوهر صانعيها بل وحتى مالكيها. وكهوية مشتقة من نسل فإن امتلاك عمل فني هو أيضًا طريقة لمالكه للتواصل مع الماضي. ففي جمع الفنون الماضي عادةً ما يتمحور حول ارتباط الجامع الملاحظ بأشخاص بارزين.

على الأرجح أن أول من جمع الأعمال الفنية هم سلالة أتالية لادعائهم بأنهم من نسل أوغستين. بعد موت الاسكندر الأكبر ترك أحد جنرالاته كنزًا يزن 9000 طالن – وحدة لقياس الوزن- في عهدة أحد أمناء خزنته فيلتايروس في قرية صغيرة و لكنها قوية في أعلى التل في برغاما في الساحل الغربي لما يُسمى اليوم تركيا، ولكن خان فيلتايروس سيده فورًا بإغلاق أبواب القرية واستخدام الكنز لبناء مملكته الخاصة. ثم اتسعت السلالة الحاكمة الجديدة الأتالية في محاولاتها إلى أبعد مدى لتحصل على العديد من الأعمال الفنية بقدر ما تستطيع في الفترة الأفضل الفن الإغريقي، بل حتى أن الملك أتالس الأول اشترى جزيرة كاملة – الجزيرة الغنية بالفنون أجانيطس- المحيطة باليابسة الإغريقية ثم جرد قراها ومعابدها من التحف الفنية ليزين بها مدينة بيرغامون.و قد أحاط سلالة الأتالية أنفسهم بالفن الإغريقي لأنهم احتاجوا أن يظهروا كما لو أنهم من الإغريق، والورثة الشرعيين للإسكندر الأكبر بغض النظر عن خيانتهم لجنراله.

أما السلالات الأخرى التي حكمت المنطقة حول البحر المتوسط خلال هذه الحقبة فكانت السلوقية، الأنتيغونية، البطالمة الذين ينحدر أصلهم في الواقع من جنرال الإسكندر. ولذلك فكان بإمكانهم أن يبرروا استمرارهم في حكم السكان الأصليين بصلتهم بالإسكندر الأكبر الذي أشرقت شهرته و سلطته لقرون. وبالفعل فوجود الدماء المناسبة للحكم كان مهمًا جدًا بالنسبة للبطالمة الذين حكموا مصر وكان ملكوهم يتزوجون أخواتهن بشكل طبيعي حتى لا يختلطوا بسلالات غريبة وأجنبية. فكليوباترا آخر حكام البطالمة قبل أن يسقطهم الرومان كانت متزوجة من اثنين من إخوتها بالتعاقب، كما ملكت بين يديها الوقت أيضًا لعلاقة مع يوليوس قيصر ومارك أنتوني أيضًا؛ على الأرجح لأنها و على العكس من الأتالية لم تحتج إلى تكديس المجموعات الفنية لتثبت سلطتها السياسية.

إن العديد والعديد من السلالات والسياسيين من شارلمان وحتى صدام حسين تبعوا الطريقة الأتالية: جمعوا الفنون لإيصال رسالة عن أنفسهم تبرر حكمهم. و في نطاق أصغر تبع الأفراد أيضًا نفس الدافع فعلى سبيل المثال: سكب جيتي ملايين الدولارات على الفن يجعل اعتقادنا بكيف منحته هذه الأعمال هوية مختلفة أمرًا منطقيًا: أن نظن بأنه أوروبي رفيع الثقافة أو الذوق بدلًا من أمريكي غير متحضر.

فجيتي لم يكن حتى من نيويورك أو بوسطن حيث نشأ في القرى الزاهرة بالنفط  التي كانت بالكاد صالحة للعيش في منطقة السهول الكبرى و التوسعة الجديدة في مدينة لوس أنجلوس. و مع ذلك فقد كسب أول مليون دولار من أمواله عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره في التنقيب عن النفط في مدينة أوكلاهوما سنة 1916، ولكنه تعاقد فورًا مُعلنًا بأنه من الآن وصاعدًا سيعيش لحياة مليئة بمتعة الشواطئ والسيارات السريعة، ولكن سرعان ما أضجرته رعوية كاليفورنيا وعاد إلى العمل بعد أقل من سنة. وكان هذا ما ممارسه في حياته الطويلة بعد ذلك: السفر باستمرار، النوم لساعات قليلة، الثقة بالقليل من الأشخاص، وجمع ثروة ضخمة بلغت 2 مليار دولار حين وفاته والفضل في ذلك لشبكة جيتي للنفط العالمية للإنتاج و التوزيع.

عندما بدأ جيتي بجمع الأعمال الفنية كان تركيزه على شراء الآثار الإغريقية والرومانية العتيقة التي كانت تضاد روح العصر الأمريكية. ففي القرن التاسع عشر عبر الرحالة رالف إزّارد ميدليتون من كارولاينا الجنوبية عن منظور أمريكي مميز بخصوص الفن القديم، فبعد رؤيته لتمثال جذع بليفريدير (Belvedere Torso) في متحف الفاتيكان كتب لأهله رسالة يقول فيها أن على الفنانين الذهاب لرؤيته، ولكن الناس ” غير القادرين على تشكيل كلب بقطع عديدة من الشمع (والذين أضم نفسي لهم) أن يذهبوا هناك ويقضوا ساعات معًا في منتصف فصل الشتاء في متحف الفاتيكان باستمرار و الصراخ: كم هو جميل، كم هو جميل بينما يفكرون جميعًا بكم هو باردٌ الطقس، كم هو بارد، أظن أن هذا غير معقول نهائيًا”. في نفس الرسالة كان حاقَا وغاضبًا من ” كون كل أقواس النصر و الأعمدة القديمة المتداعية، التماثيل الخربة و اللوحات الجصية المحترقة كلها خداع”.

كانت ردة فعل ميدليتون (التي تبدو اليوم مشتركة بين عددٍ من المجموعات السياحية التي تمر بروما اليوم) في القرنين الثامن والتاسع عشر أمريكية. فالكلاسيكية لم تكن ببساطة منتشرة وشائعة في الولايات المتحدة على نطاق واسع؛ على الأرجح لأن الأمريكين أسسوا دولة بناءً على ادعائهم بأنها تقضي على الاختلاف والتنوع مع العالم القديم، وبدا أن الآثار والمجموعات الفنية المتسعة النطاق غير لائقة وغير مناسبة. في النهاية ارتبطت المجموعات الفنية الكلاسيكية بالأرستقراطية الأوروبية خصوصًا في القرن الثامن عشر بينما كانت النخبة الإنجليزية موجودة في تلك الحقبة مقابل من تمرد عليهم الأمريكيون.

كان جيتي مختلفًا، حيث كان مهووسًا بإظهار نسب مشترك بينه وبين هؤلاء النبلاء جدًا، فاستهلك نفسه بهدفه الذي فرضه على نفسه ليكون متمكنًا ومتعمقًا في الثقافة الأوروبية. كان بإمكانه أن يوظف ببساطة أفضل المترجمين ولكنه اختار أن يتعلم اللغات من التسجيلات المختلفة، وممارسة اللغة وحده ليلًا في غرف الفنادق، ولم تكن اللغة هي الأمر الوحيد الذي سعى حثيثًا وراءه لينخرط في الثقافات المختلفة للأماكن التي سافر إليها، فعلى لسان إحدى زوجاته: ” لم يحاكي أو يقلد الأخلاق و التأنق، بل تصنعها و تظاهر بها” وأسمت نتيجة ذلك “التلون المثالي”.

ولكن أهم استثماراته كانت في منحه هوية تستمد قوتها من الفن، ففي بادئ الأمر فضل جيتي امتلاك القطع الأثرية التي امتلكها سابقًا الإمبراطور هادريان أو السلالات الإنجليزية في القرن الثامن عشر أو كلاهما في الحالة المثالية كما صدق أمر تمثال هرقل الموجود عند عائلة لانسدون. حيث اشترى جيتي هذه المنحوتة من عائلة لانسدون النبيلة الإنجليزية التي امتلكته بشغف منذ عُرض للبيع سنة 1792 لأول مرة و امتلكه المركيز الأول لعائلة لانسدون الذي ووفقًا للشائعات وُجد -أي التمثال- في موقع قصر هارديان سنة 1790.

سما جيتي بهذا الادعاء والذي كان على الأرجح في ذاك جزءً من كلام المبيعات المنمق لبائع القرن الثامن عشر، وتباهى بذلك قائلًا: “هناك دليل على اقتراح أن هذا التمثال كان الأكثر تفضيلًا للإمبراطور الروماني هارديان الأكثر أناقةً وثقافةً من بين كل إمبراطوري روما القدماء”. لقد اشتد فرح وإثارة جيتي بعد حصوله على التمثال لأن ذلك يعني أن “هذه المنحوتة الرخامية البديعة التي كانت قبلًا مصدر بهجة للإمبراطور هارديان ولمدة قرن ونصف مصدر فخرٍ في بريطانيا هي الآن “أمريكية” بحتة معروضة للجميع في متحف جيتي”. وهناك استطاع كل الذين خلفهم جيتي ورائه رؤية الدليل على كون جيتي رفيع الذوق كما كان ملاك هذه القطعة الفنية سابقًا.

يرى جامعوا الفنون الآخرون مجموعاتهم الفنية كقوة شاملة ليس لإرسال رسائل عن أنفسهم فقط بل عن العالم أجمع فـعلى سبيل المثال: الطفل الذي يملك علبة أحذية مليئة بريش الطيور لربما عرض صندوقه للآخرين ليس ليكسب أصدقاء فقط بل أيضًا لينقعهم بأهمية حماية الفصائل المعرضة لخطر الانقراض. وأحد جامعي الفنون هؤلاء كان إيلي بوروكسكي الذي اعتقد بأن مجموعته من القطع الأثرية من الممكن أن تمنع حدوث هولوكوست جديد.

لأنه ولد في بولندا قضى بوروكسكي معظم فترة الحرب العالمية الثانية مسجونًا في سويسرا حيث سُمح له أن يعمل في وظيفة جزئية في متحف جنيف. هنا في سنة 1943 حين رأى ختم اسطواني شرقي عتيق أشعل فيه الحماسة لجمع القطع الأثرية، و عن هذه اللحظة التي رأى فيها نقش الختم “شالوم” كتب: “كان له سحر غريب علي بالغرم من أني اعتقدت بأن تفسيري بأن الختم يعود إلى شالوم بن يافوش ملك إسرائيل سنة 741 قبل الميلاد كان خاطئًا. كنتُ أعمل في المتحف في حالة وحدة شعورية واكتئاب عميق لأني عرفت منذ سنة مصير عائلتي في وارسو”.

كانت عائلة بوروكسكي المكونة من ست أو سبع أطفال قد قتلوا على يد النازيين. وبالنسبة له كجامع للأعمال الفنية فإن إحساسًا أكيدًا ينشأ أن رؤية عمل فني سيخلق أفكارًا عن عائلته حتى لو كانت هذه الأعمال بعيدة عنهم بآلاف الأميال وآلاف السنين.

وحيدًا ومكتئبًا حصل بوروكسكي على قطعة أثرية أيقظت في داخله عدة تصورات مختلفة عن مشاعر عديدة: الزمن الذي امتلك فيه اليهود أراضٍ قوية و مهيبة. وبالرغم من أنه عرف أن الختم الذي حمله واشتراه في نهاية المطاف على الأرجح ليس في الحقيقة لملك إسرائيلي لكنه دفعه إلى التخطيط لجمع الأعمال الفنية:

” تخيلت – على الأرجح حلمت- بأن امتلاك هذا الختم لربما أسست بدايةً لصيدلية روحية مليئة بالشفاء، بأدوية ثقافية التي ستثبت فعاليتها على رعب هذه اللحظات (أي الحرب العالمية الثانية). كم هو رائع لو نجحتُ في تشكيل مجموعة من الأعمال الفنية بهدف تقوية ودعم الحقائق التاريخية الموجودة في الإنجيل، وبهذه الطريقة أتحدى الأفراد بالتغلب على المادية الزائلة للعودة إلى القيم الروحية السرمدية و إلى جمال الإنجيل و الإنسانية. و بالتالي بدأت مجموعتي الفنية بأعمال المستوحاة من العالم القديم وللإنجيل.

وحده جامع الأعمال الفنية الحقيقي سيفكر بالفن كقوة لربط الناس بعضهم ببعض لمد يد العون للإنجيل.

 كان بوروكسكي أحد هؤلاء الأشخاص الذين وبعد فظائع النازيين اعتقد بأن المجتمع بحاجة إلى إعادة بناءً على أساس جديد للتأكد من عدم وجود مثل هذه الأنظمة مرة أخرى أبدًا. لقد اعتقد بأن إعادة إحياء أخلاق الإنجيل و الإنسانية الإغريقية ستحمينا. ولذلك ” تعهد بوروكسكي بجدية أنه سيكرس حياته لإنشاء مركز عالمي لتعليم ثقافة الإنجيل و تاريخ الفن”. فأنشأ أولًا مؤسسة أراضي علم آثار الإنجيل في تورنتو سنة 1976، ومن ثم متحف أراضي الإنجيل في القدس سنة 1922 حين تبرع بأكثر من 1700 قطعة فنية من مجموعته الفنية و ما يقارب 12 مليون دولار أمريكي كتكلفة للبناء من ثروته التي بناها كبائع للأعمال الفنية. وكمثل جيتي استثمر بوروكسكي بكل ما يملك وبقوة لإيصال رسالته إلى العالم.

لكن هناك جانب سلبي لهكذا رؤية. فشعور بوروكسكي حول هدفه من جمع الأعمال الثانية كان قويًا ليتغلب على تردد لربما واجهه بخصوص قوانين القطع الأثرية، فكان يشتري مباشرةً من المهربين أصحاب السمعة السيئة، ليصبح واحدًا من أهم المشاركين في تجارة القطع الأثرية المهربة المحظورة، ولم ينكر ذلك. فبيتا بوروكسكي زوجته وشريكته في رؤية تأسي الفن أجابت مرةً عن الأسئلة التي تُطرح حول أصل عددٍ من القطع الأثرية قائلة: “أنت محق. إنها قطع مسروقة لكننا لم نسرقها، لم نجشع سرقتها. بل على العكس من ذلك نحنُ جمعناها من كل أنحاء العالم وأعدناها إلى القدس. لم يكن إيلي لص لعمل أي شخص. لقد حمى و حافظ على جزءٍ كبير} من تاريخنا وإرثنا بجمع لهذه الأعمال”.

اليوم يهاجم المهربون المواقع الأثرية لكل العصور والثقافات الماضية من الإغريقية القديمة إلى الرومانية إلى مناطق السكان الأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة. وتكمن المشكلة في التهريب أنه لا يبدو أنه سينحسر، فالعكس هو الحقيقة مع كل الصراعات الأخيرة في العراق،أفغانستان،مصر،سوريا، اليمن التي تخلق كلها فرصًا جديدًا للصوص.

إن فهم فكرة جمع الأعمال الفنية نشاط اجتماعي في المقام الأول جوهري لحل مشكلة التهريب و سرقة الحضارات. أولًا: الحركات الفنية عبر الشبكات الاجتماعية، فهناك عدد كبير من المشترين المتاحين أو الراغبين بالحصول على القطع الأثرية القيمة. ثانيًا: هذه الشبكات الاجتماعية للفنون قوية ومهمة جدًا لهويات جامعي الفنون التي تقنعهم بأن ما يفعلونه مؤذٍ و صعب بشكل استثنائي. فالأمر يتضمن اقناع الجامعين الفعال بأن ماضيهم مُنقاد، أمرُ يفهمونه غالبًا بكل تأكيد كتجربة لنسخة ذاتية أفضل ممكنة، وأن طموحاتهم العالية هذه كانت في واقع الأمر ضارة، أي في الحقيقة عليهم التخلي عن هذه الروابط مع الجامعين الآخرين. و كما كان جيتي أول أو آخر من اكتشف بصعوبة أن هذا النوع من الإدمان في الواقع يصعب التغلب عليه.

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .