الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : ما الغرض من الفن؟

ملف العدد : ما الغرض من الفن؟

 

800px-Sanzio_01_Plato_Aristotle-1-620x413

ترجمة خاصة

لقراءة الموضوع الاصلي (هنا)

إحدى أهم أولويات شركة تات(1) الجلية: “تطوير الناس” و “الإلهام للتعلم”، ولكن كيف يطورنا الفن و يُلهمنا بالضبط؟ و ما هي ميزتها الخاصة التي تجعله أفضل من العلم؟ يمكن الجواب في جذوره عند أرسطو و يطوره فرويد المُثار بالعلاقة التبادلية المعقدة بين الاعتقاد والرغبة.

إن أشهر هجوم ثقافي على الفن على الأرجح كان لأفلاطون الذي اعتزم فيه على إقصاء الفنانين من مدينته الفاضلة و وصمهم بأنهم خطرٌ على تعلمنا وأرواحنا. ويخبرنا: للفن قوة ولكنها قوة سلبية في الأصل، لا تمت لتطوير شخصياتنا أو إلهامنا للعلم بصلة، والفنانون الأليفون هم الذين يروجون كقوادين لعناصر خسيسة في نفسياتنا، ويضعون أمامنا صورًا زائفة بالنيابة عنّا ليعززوا فينا رغبات زائفة، رغبات زائفة ستختفي لو أننا أصبحنا واعيين بالاعتقادات الخاطئة التي بُنيت عليها. إن الإنتاج الفني يرضي الرغبة بإشباع الخيال.

يشير المصطلح رغبة “زائفة” إلى ارتباط عميق بين المعرفة و الصحة النفسية. فلنقل بأن رغبتي فيما في الكأس “زائفة” إذا اعتقدتُ زيفًا أن ما في الكأس صحي بينما هو سمٌ قاتل في واقع الأمر، بمعنى أنني “في الحقيقة” لا أرغب بشرب ما في الكأس (باعتقاد أني لا أرغب بالموت) حتى لو اعتقدت أنني أرغب بذلك. وهذه هي الفكرة التي قادت أفلاطون إلى اقتراحه: عندما تكون رغباتنا مبنية على اعتقادات زائفة فإن الانقياد لها ما هو إلا طريقة لتسليتنا و إمتاعنا على حساب ما نحن نرغب به حقًا.

تمتع أفلاطون ببعضٍ من الثقة في قدرة الفنانين على إنتاج أعمال يمكن أن تطور، تعلم، أو تُلهم ولكنه لم يؤمن بأن الجمال الأصيل يمكنه أن يحقق ذلك. فإذا وجد فنان يملك القدرة على أن ينتج خيالًا (ذاك المرتبط بالأوهام التافهة) ولكن أعمالًا بجمال أصيل (المرتبط بصور جميلة أو مجازات يمكنها أن تقودنا إلى الحقيقة) فسيرحب به في المدينة. أي كما وضحت آيريس مردوك الفكرة بأن أفلاطون: “يريد أن يفصل الفن عن الجمال، فقط لأنه يقدر الجمال ويحترمه بشكل جدي جدًا ليُجند بالفن المعتاد” (2).

أخذ أرسطو في كتابه فن الشعر (الصادر سنة 350 قبل الميلاد) على عاتقه تحدي “الحفاظ” على الفنانين بتقديم إرشادات لهم لتساعدهم على إنتاج فنٍ يقود ويخدم الرغبات “الحقيقية”. فبنما نزع أفلاطون إلى أن  الفنانين يعرضون خيالات مغوية، اكتشف أرسطو كيفية استخدام الفن لتنظيم رغبات الجمهور وعواطفه وتوجيهها إلى الأهداف “الحقيقية”. فالفن الذي يحقق مميزات أرسطو سيمكننا من رؤية أنفسنا ومحيطنا بوضوح أكبر، وستجذب الانتباه إلى العالم كما هو وكما يمكن أن يكون بدلًا من إغراقنا في تأييد كبريائنا و تخليدنا للرغبات “الزائفة” المبنية عليها. ولذا فإن الفن الجيد سيسبب الخوف للجمهور مما هو سيء في الواقع، وسيجعله يقدر ويعجب ما هو رائع في واقع الأمر، و سيرغبه بما هو جيد حقًا. ويقترح أرسطو طرقٍ للفنانين لإشراك رغبات الجمهور أو مشاعره بطرق “تُطهر” و “تُوضح” و “مُشهلة”.

إذا كانت القيمة التعليمية والتطويرية للفن تعتمد على قدرته على كشف الواقع فلم لا تمول المجالات الكاشفة للحقيقة والواقع جهارًا كالعلم فقط بدلًا من كل هذا؟ و الجواب هو كما يمكن لاعتقاد زائف أن يقود إلى تشكيل رغبة متعنتة، فإن الرغبة المتعنتة يمكن أن تضر بمقدرة الواحد على تشكيل إيمان صادق. فإذا راودتني رغبة ملحة لتعاطي مخدر فإنه لربما بدا لي جيدًا أو صحيًا حتى لو  كنت غير مدمن بشكل حازم فإنني سأرى المخدر غير ضار بي. إذا تعارضت الرغبات الدنيئة المُضرة مع قدرتنا على الحفاظ على الحقيقة والواقعية فإن للفن دورًا تعليميًا مميزًا ليؤديه.

يقترح فرويد أن الفن يقدم أهدافًا رمزية بديلة للرغبات التي يعتبرها الفرد أو مجتمعه غير مقبولة. (طرح فرويد كمثال تصوير ليوناردو دافنشي للأجسام الذكورية كإرضاء رمزي بديل لرغبته مثلية الجنس. وكان من الأفضل لو أنه طرح مثالًا لشيء نعتقد جميعنا بأنه سيء، عوضًا عن اختيار مثال لأمرٍ يتحفظ عليه الفنانون أو مجتمعه. لذا فكر بمثال من عندك بدلًا عن ذلك). يستخدم الفنانون الرموز لأجل تأثير إعادة التوجيه أو “التسامي” للرغبات المكبوتة تجاه الأجسام المرتبطة بها حيث يشعرون حينها بالتحرر. فالرغبة غير المشبعة ستكبت عادةً في اللاوعي، حيث يمكن أن تعيث خرابًا بمقدرتنا على الحفاظ والتصرف. أما في التسامي تفكك هذه الطاقة المُخربة بإعادة توجيهها بالإشباع الرمزي إلى شيءٍ ما (يعتقد الفنان ومجتمعه) أنه سهل المنال و جيد. (عمليًا يتفق فرويد مع أفلاطون بأن الفن في المقام الأول وسط لتحقيق لإرضاء الخيال وإشباعه، ولكن تطوير فكرة أرسطو بأنه إذا طبق بشكل لائق لربما كان له آثار علاجية).

في عرض مؤثر ذو صلة بأفكار فرويد عرف آر جي كولينقوود في كتابه مبادئ الفن (المنشور سنة 1938) “الفن اللائق” بأنه عملية تُصور الرغبات والمشاعر المكبوتة في الجسم (أو العقل) في تعبيرٍ واعٍ، فمن خلال الفن نجد رموزًا لمشاعرنا. في الانتقال من الإثارة الجسدية إلى وضوح التصور تُصبح جوانب أنفسنا الدنيئة المُضرة المُشوشة للواقع التي كانت سابقًا عُرضة للبهيمية الجسدية أو العلاج الكيمائي قابلة للمناقشة (أو “العلاج بالكلام”). وكم ختم كولينقوود كلامه بقوله: “الفن .. دواء”.

كان أفلاطون محقًا في قلقه من الآثار السفيهة المحتملة للفن. ولكن الفن لا يحتاج إلا أن يكون نسخة مُسلية و مُلهية من الواقع لإشباع الخيال. بل كما اقترح أرسطو وفرويد وكولينقوود يمكن أن يمكن بدلًا عن ذلك مُهذبًا للرغبة كاشفًا للحقيقة، بمنح بدائل رمزية للغرائز أو الرغبات الدنيئة المُشوشة للحقيقة، فهو يملك إمكانية توضيح  إدراكنا الحسي و إقصاء صراعاتنا العميقة المرتبطة بالدوافع. إن أثر الفن الأصيل هو توضيح و تطهير (تسهيل) مشاعرنا، و الرغبة البديلة “دواء” لـ “الوعي الفاسد”.

نظرًا لأن أفلاطون اعتقد بأن الفضيلة تمنح مالكها فوائد؛فقد مال تلقائيًا إلى اعتبار الرغبات غير الفاضلة “زائفة” و مُفسدة. ولكن وسواء اتفقنا على أن الرغبة الحقيقية سيكون دومًا لنهاية جيدة (ونيتشه على سبيل المثال جادل في هذا) فإننا سنظل نقر بالمسافة النفسية الفاصلة بين “الزائف” و “الحقيقي”. جميعنا نجد أنفسنا بعض الأحيان معرضين لهجوم من رغبات لأشياء طيبة وجيدة في ظاهرها ولكن ولنقل في حالة الهدوء والعقلانية نعتقد بأنها في الحقيقة على النقيض من ذلك. و في هذه الحالات نحتاج إلى بديل رمزي ليساعدنا على إعادة توجيه و إشباع الرغبة لتسمح لنا برؤية الحقيقة على نحو سليم.

عادةً ما يكون تمويل الفن تحت التهديد، فما قيمته 50 مليون باوند بريطاني من التبرعات العامة حُول إلى التوسعة الجديدة لشركة تات لكن ليس بدون جدال. يميل العلم على الاعتقاد بأن الفن كاشفٌ للحقيقة و بارتباط ضعيف، مانحًا الناس متعة خالصة (باستخدام الخيال) في أفضل الأحوال. إضافة إلى تحدي أفلاطون اتضح أن العلم يحتاج إلى الفن الأصيل بقدر حاجة الفن الأصيل للعلم. إذًا وبادئ ذي بدء إذا رغبنا بتطوير الناس والسماح بالتعلم فإننا بحاجة إلى الإثنين معًا.

الهوامش:

(1):مؤسسة تحتضن المجموعة الوطنية البريطانية من الفن البريطاني والفن العالمي الحديث والمعاصر.

(2):من كتاب النار والشمس: لم أقصى أفلاطون الفنانين (الصادر سنة 1977).

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .