الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: متى نهزم ضعفنا في مفاهيمنا للفن التشكيلي ؟

ملف العدد: متى نهزم ضعفنا في مفاهيمنا للفن التشكيلي ؟

 

66

قبل سنوات قدمت ورقة في سمنار عن (ثقافات المدن)،وكانت الأوراق تتحدث عن بعد ثقافي وتأريخي لبعض المدن العربية والإفريقية،وتحدثت عن نشأة المدن وصناعتها وسكانها وتفاصيل الحياة فيها..

في ورقتي،والتي كانت عن مدينة عطبرة (شمالي السودان)،قلت إنها مختلفة لبعدها السكاني،وهي مدينة قامت على فكرة (النقابة)،كونها بقاعدة عمالية للسكة حديد،وصنعتْ من ذلك تمازج سوداني عمالي وسكاني،بتوصيف أن (الحياة العمالية) نفسها كانت (سبب حقيقي لصناعتها كمدينة)،وهذا وضع لها تكوين مختلف عن بقية مدن السودان،التي تتكون بمرتكزات أخرى..

فلسفة (النقابة) لم أضعها كتكوين (عمالي)،بل وضعتها كصياغة قامت عليها التحالفات السكانية من واقع انتماء لمكان وعمل واحد،وهذا أسقط كل أشكال الانتماءات الإنسانية الأخرى،كنت أعني تحديداً نشأة تلك المدينة على رؤية (بناء إنساني) تكون من لقاء عمالي ومكاني،فأصبحتْ رؤية الانتماء لها من تلك الزاوية فقط، ليكون منطلق التوصيف لسكانها مرتبطاً بها (ناس عطبرة،أنا عطبراوي)..

في ظني هي مدينة نموذج في تكوين المدن،بأغلبية عمالية،وأقلية غير عمالية لكنها في طريقة تفكيرها وتمازجها ورؤيتها (عمالية) أيضاً..

ليت الباحثين والدارسين يدرسون بأكاديمية وعلمية تكوين المدن في السودان وتمازج السكان فيها فتقديم رؤية (البنائي الإنساني والتمازجي) فيها يشكل فكرة إنسانية عالمية ورؤية لترسيخ معاني (السودانوية)..

وقولي أننا يمكن أن نذهب لأجمل أيضاً ببحثنا عن (فلسفة مدننا فنياً)،ففي كل مدينة فنان تشكيلي ارتبط بها مشروعاً ورؤية وعلى ذلك كانت المدينة حركة في لوحاته،نقرأ كل فعل فيها بتلك اللوحات،ذاكرة لوحاته (حياة المدينة)،فماذا لو كان مشروعنا الوطني (مدينة ولوحة) نتعرف على إيقاعها وناسها وصوتها الفني وتأريخها،عملياً يمكن أن تقرأ تأريخ كل مدينة من لوحات تشكيلية،ولو فعلنا ذلك نكون قد وضعنا تأريخنا وثقافتنا في متحف فني،يعرفه كل من يدخل له،وبذلك نستطيع القول بأننا فاعلين إنسانياً وعالمياً،فالمجتمع الذي يرسم تأريخه لوحات يكون قد وصل لمعرفية حقيقية بالفن التشكيلي كفن تعريفي لكل حياته..

عالمياً،اللوحة تشكل مادة علمية ومعرفية،فلماذا لا يتم توظيفها عندنا في مجتمعنا السوداني على ذلك النحو،يكون ضمن مشروعنا الفني الوطني – وهذا حلم وأشواق -،رؤية تعريفية بنا من هذا الباب،ونكتب (مشروع لوحة الوطن)،وفي كل مدينة مجموعة فنانين يرسمون للعالم تلك المدينة (صوت الناس فيها،والحياة)،وبذلك يكون كل الوطن في (لوحات)،يقرأ العالم ذلك فيقول لنفسه :(والسودان لوحة ثانية غير الحرب)،لن يستطيع مشروع فني حقيقي تقديم صورتك الحقيقية للعالم إلا مشروع تشكيلي وطني معرفي،صوتك لن يستطيع وإعلامك يضعف،لكن اللوحة لأنها هي الحياة والحقيقية صرختها تكون هي من تقول (الوطن أنا)..

نحن كدولة ومفاهيمية ومجتمع عاجزين عن فهم حقيقي لكلمة فن تشكيلي،عالمياً الفن التشيكلي حركة معرفية إبداعية واجتماعية واقتصادية،ويشكل واحداً من الآليات التعريفية بالمكان والمجتمع،جمالنا الطبيعي تقوله اللوحة فقط،وجمالياتنا كثقافات تصرخ به لوحة،وتفاصيلنا الإنسانية تهمس به لوحة،وحتى الآن العالم لا يعرفنا بالشكل الكامل والمفترض،فلماذا لا ندخل عليه من حيث لا باب بفن تشكيلي قوله :(السودانوية لوحة)،يقيني لو تم ذلك بالطريقة العلمية المنهجية لعرفنا العالم على حقيقتنا..

تفكيرنا الوطني ضعيف في ما يخص تعريفنا بالعالم،عقليتنا عاجزة عن قول بديع،رؤيتنا منهزمة عالمياً،لأننا لا نعرف كيف الطريق وعلى ماذا يكون..؟

منهجنا،لا يعرف قيمة فن تشكيلي،منهج حياتنا،ومنهجية عقل الدولة أضعف ما يكون هنا،فلو أنها كانت عارفة بذلك لكان فعلها مؤثراً بشكل إيجابي متكامل،لكن عقلها ليس ثقافياً بالمعنى الحقيقي لكلمة (ثقافة)،لذلك في تفكيرها تضع الفن التشكيلي بلا قيمة (كاملة) ومعرفية (حقيقية)،ولذلك منذ استقلالنا ليس لنا رؤية حول الفن التشكيلي كمنهج حياة لنا،بشكل مثلما في العالم كله،ولم نصل بعد أن صورة الوطن الحقيقية تقدمها لوحة تشكيلية ويعرف العالم أي وطن عبر ريشة فنان ولوحته،ثم يقول لنفسه : (ما أجمل عزيمة الوطن هناك تهزم كل رصاصة بلوحة فقط،ما أجمل صوت اللوحة تلك هامساً لكنه هزم كل صوت الرصاص)..

نحتاج أن نهزم ضعفنا في مفاهيمنا للفن التشكيلي..

نحتاج ذلك..

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن