الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: هوارد جيكوبسون: الكاتب الفائز بجائزة البوكر لعام (2010)

ترجمات خاصة: هوارد جيكوبسون: الكاتب الفائز بجائزة البوكر لعام (2010)

علي زين

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

     «أنا مثل الرسّام: أضع مسحة من اللّون، ثمّ أخرج مسرعاً لتناول الخمر»

      منذ البداية، وقبل وجود الكلمة حتّى، كان يُوجد يومٌ مخصّصٌ للكتابة فعلاً، إلى درجة أنّني أسمّيه يوم كتابتي الّذي أتخلّى فيه عن أيِّ أمرٍ من شأنه أن يعكّر صفوه. وهذا لا يعني أنّني سأكتب في ذلك اليوم، أو سأحدّق في صفحة فارغة حتّى، فيوم الكتابة، بالنسبة إليّ، ليس سوى مناسبة للوم الذات والهلع المستمرّ، إنّه وقتٌ لرثاء السنين الماضية الّتي ولّت، وقت للتحديق من النافذة والتفكير في أنّ أولئك الكتّاب العظماء، مثل «جوزيف كونراد» و«جورج إليوت»، كانوا قد بدؤوا الكتابة في مثل عمري الآن.

       دائماً ما تستبدّ بي الرغبة في أن أنتزع بعض الروايات من الرفّ بطريقة عشوائيّة، ثمّ أفتح إحدى صفحاتها، لأجد نفسي بين قناعتيْن: إمّا أنّني لن أكتب أبداً بمثل تلك البراعة، أو أنّني بالكاد قد أستطيع كتابة نصوص أسوأ، على أقصى تقدير. وفي كلتا الحالتيْن، ستدفعني هذه الطريقة إلى أن أتوقّف، سنة كاملة، عن الإنتاج والإبداع.

     ولكنّ الشعور بالفشل يخلق نوعاً من الحماسة، حماسة ما إن تتغلغل في داخلك، ستولّد بدورها سمات ناريّة. عندها، فحسب، سأنتهي إلى وضع الكلمات بالقوّة على الورق، وما إن أَفرَغ من رواية حتّى أبدأ في أخرى. وهو ما سيُشعرني، أخيراً، بأنّني أصبحتُ مُنتِجاً، فأستيقظ مثل راهب في الساعة السادسة صباحاً، متجنّباً الحديث مع أيٍّ كان، ثمّ أصنع الشاي، وأتوجّه إلى طاولة الكتابة فوراً، ولا أنهض منها حتّى تتورّم عيناي أو أسمع صوت سدادّةٍ، وهي تُنزَعُ من زجاجة خمرٍ.

     إنّ تسمية تلك الأيّام بأيّام الكتابة، قد يُعطي انطباعاً خاطئاً. فيوم الكتابة يُشير، ضمنيًّا، إلى وجود أيّام لا تصلح للكتابة، لكنّ هذه الأيّام لا تُوجد. لقد ضيّعت وقتاً يجب أن أعوّضه، فينبغي أن أُثبت مسألة تجُول في خاطري، وهي ضرورة اللحاق بركب الكاتبيْن «كونراد» و«إليوت» (لا أعني الوصول إلى جودة ما كتباه، بالطبع)، بل من واجبي أن أثبت أمراً أكثر خطورة: فقد كنت أدير ظهري للرياح، ولم أفعل شيئاً سوى الكتابة على آلة «أوليفيتي» حمراء، من الساعة السادسة صباحاً حتّى السادسة مساءً. لقد أمضيتُ أيّاماً طويلة في تركيز مكثّف ممتع، إلى درجة أنّه قد يشغلني عن شمّ رائحة الدخان لو اندلع حريق في منزلي وتسبّب في احتراقي حيّاً. وعندما يسألني الناس عن عذاب الكتابة، لا أستطيع أن أفكّر إلّا فيما أشعر به، قبل الشروع في أيّ نصّ: فما يهمّني هو فعل الإبداع نفسه، وليس التفكير فيه. ولذلك، فأنا لا أعرف شيئاً عن هذا العذاب.

     إنّ هذا المنوال الّذي تسير وفقه من أيّام العمل، بسيط. ولا يستحقّ أن يُسمّى روتيناً حتّى. ذلك لأنّني لا أشعر بالتوتّر، أثناء إعادة ترتيب أدوات الكتابة وورقها. كما أنّني لستُ مقيّداً بحدّ أدنى من الكلمات، ولا مجبَراً على خطّة مّا أو موعد محدّد لنهاية العمل الذهني، ولا أعمل على مسودّات، بل أكتفي بإلقاء بنفسي دون حراك. وما يميّز هذا الجمود الكليّ، هو أنّ روحك ستفتقد فضولها الّذي يمثّل عدوّاً لكلّ أشكال الفنّ، لأنّه ما إن تتوارى خلف كلماتك وتختفي، لن تلاحظ الأداة الّتي تكتب بها، سواء كنتَ تكتب بخطّ اليد، أو بطريقة الاختصار، أو في دفاتر الملاحظات، أو باستخدام الآلة الكاتبة، أو شاشة الحاسوب. ولن يهمّك، منذ تلك اللحظة، شيء غير السرد: ذلك المصدر البركاني للأفكار المتفجّرة الّتي ستُسبّب لك إحراجاً متى نسبتها إلى نفسك. إنّها تبدو في نظرك شديدة الغرابة، مثل شخصيّات الرواية الّتي تظهر في خيالك، كما لو كانت قادمة من انفجار على بعد ميل منك، شخصيّات بطباع تجهلها، شخصيّات تتزوّج وقت الظهيرة، وتُطلّق، بمرارة، وقت احتساء الشاي.

     لا تُوجد طريقة صائبة إلى الأبد. وقد علّمتني تجاربي أنّ كلّ أثر أفرغ من إنجازه، سيغيّر الطقوس التّي سأكتب فيها الأثر الّذي يليه. فاليوم، أنا شخص نكرة، أستيقظ، في 10:30 صباحاً، لأستمتع بمحادثات طويلة مع زوجتي، سأرحّب بالعالم الموجود خارج رأسي، سأمضي أيّاماً كاملة دون زيارة مكتبي، وسأقضّي أوقاتاً مرحة، لأنّ الضروريّات أصبحت أقلّ. ببساطة سيكون لديّ شيء كان يحتاج لإثباته، أو تقبّل فكرة أنّني لن أعود إليه أبداً. كنت أخشى، سابقاً، من أنه إذا لم أقم بالعمل فوراً فإنني سأفقد شعوري بالحاجة الملحّة له، الحاجة التي تراكمت بداخلي منذ اليوم السابق، أمّا الآن فأدرك تماماً أن كل شيء سيكون بانتظاري، فما سأفقده بالغفلة قد أحصل عليه باللامبالاة، سأعود لكل ذلك بمجرّد أن أستعيد مزاجي، كما يعود الرسام إلى قماشه لوحته ليضيف لمسة من اللون هنا، أو يكمل جزء من اللوحة هناك، قبل أن يتركها مرّةً أخرى ويذهب للشراب؛ إن العمل لا ينفكّ يستغرقني، فأنا أفكّر فيه دائماً، باستثناء أنني لم أعد أعاني من تلك الرهبة من فقدان ذلك الاستغراق بالتعرض إلى هذا الوهم المسمّى العالم الحقيقي؛ ولذلك فإن كل يوم يصلح للكتابة؛ بمعنى أنه لا يوجد يوم لا يصلح للكتابة، إن ذلك يشبه إلى حدٍّ مّا حياتي الماضية ولكن دون فزعٍ و لومٍ للذات.

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن