الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: 2018 وبدايات البحث عن نظام عالمي جديد

ترجمات خاصة: 2018 وبدايات البحث عن نظام عالمي جديد

صبحي

بقلم: زكريا كرشون*

ترجمها عن التركية: صبحي آدم

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

      ندخل إلى الذكرى المئوية للسنة الأخيرة للحرب العالمية الأولي. حيث أسس النظام العالمي القديم. مر قرن من الزمان كان حافل بالأحداث لعله شهد من التحولات ما لم يشهده أي عصر من العصور. ربما لأنه كان مقدمة للألفية الثالثة فقد حمل معه آثار تراكمات الألفيتين الماضيتين. وكان بمثابة امتحان للمخيلة البشرية. في الحقيقة العام 2017 كذلك لم يكن خالياً من آثار أحداث القرن الماضي. بل كان ساحة لأحداث مذهلة تصيب بالدوار. رغم أنها توارثات من الماضي إلا أنها تشير إلى ضرورة البحث عن نظام عالمي جديد.

التغييرات في العالم:

     الولايات المتحدة التي ظلت في مقام المتفرج خلال الحرب العالمية الأولى دخلت الساحة العالمية مع نهايات الحرب بسياسة “الباب المفتوح” متلبسة شخصية الشرطي. مع الوقت تراجعت مكانتها وانخفضت رتبتها. خلال القرن الفائت. أمريكا اللاتنية التي تركت منعزلة لتواجه قدرها منفردة شهدت تطورات كبيرة اظهرت بها للكل أنها ليست مجرد جزء من القارة الأمريكية بل جزء من كل العالم.

     فطاحلة الحرب العالمية الأولي الطامحين بعد ما تصادموا مع بعضهم البعض في الحرب العالمية الثانية ادركوا أن الأمر لا يمكن أن يدوم بهذا الشكل فسعوا إلى التعاون والتحالف الإقليمي. مما فتح الباب لتأسيس الإتحاد الأوربي بعد كفاح طويل، بهذا الشكل حدث تحول كلي في القارة الأوربية. غير أن الإتحاد الأوربي دخل في مرحلة تفكفك في الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى. ليس فقط الإتحاد الأوربي كذلك داخل الدول الأوربي كما هو في مثال اسكتلندا وكتلونيا بدأت تعلو الأصوات المنادية بالإنفصال والإنقسام.

      مع اندلاع الثورة البلشفية في العالم 1917 خرجت روسيا (الإتحاد السوفتي سابقاً) من المعسكر الغربي، وقدمت نفسها للعالم في صورة جديدة. بعد 99 عام عادت روسيا من جدد في هيئة مختلفة. فقد حول فلاديمير بوتين روسيا من قيادة نظام اشتراكي ظالم إلى مرتب صانعة سلام. برزت روسيا وارثة الإتحاد السوفتي أكبر أطراف الحرب البادرة إلى الساحة من جديد كأحد أطراف اللعبة.

     الصين التي كان ينظر إليها خلال المائة عالم الفائتة على أنها في الطرف الآخر من العالم. تقدمت في صمت بهوية كنفشوسوية متناسية أرث ماو، مبرزة نفسها كبديل للعالم القديم. تتوسع بإنتاجها في كل العالم رغم محافظتها على صمتها في ما يتعلق بالقضايا السياسية، إلا أنه من الواضح من خلال مشاريعها أنها في سعي لتقديم نفسها كبديل في الدول التي بقيت مشهمة خلال القرن الماضي.

     الهند التي طمع في ثرواتها البرتغالون والهولندون والفرنسون والإنجليز بإختصار كل أووربا ولم يكتفوا بأخذ ثروتها فقط بل حاولوا التلاعب بهويتها أيضاً. بعد أن تركت في عزلة قرابة المائة عام انتفضت وتطورت بشكل لم يكن يتوقعه أحد ولا أحد يستطيع أن يتكهن بمستقبلها. من المتوقع أن تصبح الهند خلال ربع القرن المقبل أحد أهم الأعمدة العالمية؛ ذلك بواسطة مورادها البشرية الهائلة، وخبراتها الكبيرة في مجال تكنلوجيا الإتصالات التي تعد أهم مجالات التنافس في المستقبل، وكذلك من خلال نشاطاتها في المنظمات الدولية.

      أفريقيا المستعصفة التي تم العمل على (تسويد) صورتها منذ فترة الإستعمار. مع نهاية القرن عاشت نقلة شكلية. خلال ذلك اثبتت أفريقيا أنها ليست كما يقال قارة لم تعرف الحضارة تسرق مورادها بسهولة ومركز للإستعباد. مما جعل العالم يعرف أن أفريقيا ليست مجرد قارة واحدة فقط بل قارة مكونة من 54 دولة. الشتت الأفريقي (الجاليات) الذي ساهم  في تطور أوربا وأمريكا سواء في فترة الإستعباد أو في الفترة ما بعد الإستعمار بدأ – ولو بشكل بطيء – في أدراك جذوره ودخل في مرحلة محاسبة للذات ومراجعة للمئوية الماضية. وأصبح يُنظر إلى أفريقيا على أنها قارة المستقبل، وبدأ الجميع في البحث عن شركاء داخل أفريقيا. لاشك أصحاب السوابق سيكونون خارج هذا السباق، في المقابل كل من يسعى إلى التشارك سيتحرك بجانب أفريقيا في القضايا العالمية. وينبغي أن لا ننسى أن أكبر هيئة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي هي الإتحاد الأفريقي.

العالم الإسلامي والشرق الأوسط:

     حديثنا لا يشمل العالم الإسلامي والشرق الأوسط, لأنه ظاهرياً لم يتجاوزا بعد مشاكل المائة العالم الماضية. لأن الحسابات ما زالت مستمرة في جغرافيا كانت في موقع المفعول خلال فترة تأسيس النظام العالمي القديم. صراعات حول السلطة لا تعرف النهاية ما زالت مستمرة في اطار رسمه عقل المستعمر والمنتدب. العقلية الإجتماعية لم تتخلص من الحنين إلى الماضي التليد لتبني نفسها من جديد, لذا هي في تضارب مستمر مع المشكلات منذ مائة عام.

     لكن مع نهاية القرن أدرك الناس في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي أن حل هذه المشاكل لا يتم بأفكار مستورده من الخارج، إنما عن طريق محاسبة الذات، والتحاور مع من يتشاركون معهم نفس المصير. رغم التنافس الدولي والإقليمي والمعضلات المحلية تم التوافق حول عدد من القضايا المشتركة. حتى الربيع العربي الذي ولد مبكر كان بمثابة درس للشعوب والحكام معاً. صحيح الربيع العربي لم ينتج حلول للمشكلات لكنه تسبب في بروز اورام القرن الماضي إلى السطح.

     وهذا الحراك الذي تسبب في بروز الأورام كانت فاتورته باهظة. حيث دخلت دول المنطقة في صراعات مع مجموعات متكاثرة مثل داعش وحدات الشعب الكردية. لازال الصراع حول السلطة في ليبيا واليمن مستمر، بالإضافة إلى المشاكل الإجتماعية والإقتصادية في مصر وكذا محاولة 15 من يوليو الإنقلابية في تركيا.

     من جانب آخر تجلت حقيقة أن الألبسة التي خيطت ما بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن كاسية لهذه الجغرافيا. ولربما أدرك هذا لأول مرة وبشكل أكثر مصداقية في مسألة القدس، وتم التوافق بشكل قوي جداً تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي وكذلك في الأمم المتحدة.

     كل هذه النتائج دلالة على أن النظام الذي أُسس قبل مائة عام لم يعد فاعلاً. النظام العالمي القديم وما بناه من مراكز قوى اقليمية فقدوا حيويتهم. ودخل العالم في مرحلة البحث عن نظام أكثر عادلة وإنسانية. من الواضح أن هذه المرحلة ستشهد مخاض عسير. لوردات النظام القديم والهياكل الإقليمية والذهنيات التابعة لهم وكل من هو غير مستعد لنظام جديد سيجتمعون لإيقاف هذه الحراك الجديد، ولكي يستمر نظامهم القديم سيعملون على خلق بيئة فضوية. ستكون المناطق المستهدفة هي الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وجزئياً أفريقيا وبعض مناطق النفوذ الصيني والهندي.

    نتيجة لذلك من الصعب أن نرى في عام  2018 – العام المئوي لتأسيس النظام القديم – وما يليه من سنوات مكانة للأنظمة المؤمنة بالسلام والطمأنينة والعيش الإنساني. رغم ذلك ستنتشر المبادئ التي تستنكر الخمول والتشائم والإحتقان القائمة على محاسبة الذات والتصالح معها، المتقبلة للآخر والمعترفه له بحقه ومكانته. الناقدة غير الهادمة، المنتجة للإستهلاك لا للتخريب الرافضة للخضوع للعولمة و شبكاتها. لاشك النظام العالمي المنشود سيبنى على هذه المبادئ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب و مؤرخ تركي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة