الرئيسية / احدث التدوينات / عبارات ضد النسيان: عن مسرحية (مأساة يرول)، وعن السوداني الذي قال إن اللون الأسود يبدو أكثر جمالاً

عبارات ضد النسيان: عن مسرحية (مأساة يرول)، وعن السوداني الذي قال إن اللون الأسود يبدو أكثر جمالاً

هيثم

     الكاتب الخاتم عبد الله مشى بمسرحية (مأساة يرول) من مدرسة حنتوب الثانوية ومثَّلها طلابها عندما كان معلماً لمادة اللغة العربية، هكذا حكى عنها د. شول دينق، واستدار ليحكي عن المتشددين الذين حاربوا المسرحية عام 1990م بتفصيل دقيق عنهم، وعن أصل الأسطورة، فكان بين قوسين من التوثيق للفكرة وللمتشددين في ذيَّاك العام.

     يحكي عن كاتبها بأنه من الذين لهم اهتمام كبير بثقافة الجنوب، فهو من قام بتأليف (تيراوي واني) في الإذاعة السودانية وأخواتها الكثيرات.

     للحقيقة (مأساة يرول) فعل جميل وتوثيق حقيقي لفكرة (الكجور) في الجنوب، ولعلها من المسرحيات الذي أخذت بعداً مخيفاً، وقف ضدها المتشددون ودافع عنها الأغلبية من المثقفين، أصبح لها بريقاً من المعهد العالي للموسيقى والمسرح عندما مثِّلها أيضاً الطلاب هناك.

     المسرحية بحسب الرواية الحقيقية لها من (نيال بيليودا)، وهو من أعيان قبيلة التواك مثار قصة الفتاة (إيرول) بهمزة حُذفت وهي خليط من لغة قبيلتي الدينكا والنوير، والقصة كما رواها أن (نانج) والد الفتاة (أيرول) رأى في المنام أن هنالك شخصاً يسأله أن يعطيه ابنته مقابل أن يعطيهم الماء، وكانوا وقت ذاك يعانون من القحط والجفاف، وتحقيقاً للرؤيا ذهب بابنته لمكان الماء ووضعها فاختفت وتفجرت العين بحيرة، ومنذ ذلك الوقت سُميت البحيرة باسم (بحيرة يرول)، فإن تحول الحلم إلى واقع، فالفن يتجلى ويتفجر على يد فنان، وهذا ما فعله الكاتب هنا، والأسطورة نوعان تفسيرية وتعليلية، ورحلة الكاتب معها كانت عصية، من حنتوب الثانوية إلى الإذاعة السودانية، عندما أخرجها الدكتور صلاح الدين الفاضل، والإشارة إلى أن كل خريجي معهد الموسيقى والمسرح تلقوا عن المسرحية دراسات تحليلية في مادة الإخراج الإذاعي.

     الكاتب لم يكن يبحث عن إجابة لسؤال (الوحدة والإنفصال) كما نبحث نحن الآن، لأن الظرف الموضوعي كان مغايراً، لكنه بحث عن الوحدة الفنية ليثري المسرح السوداني بمادة جديدة، فالحقيقة التاريخية أنه لم يكن يريد التحدث عن الوحدة كما نفترض نحن الآن.

     المتشددون كانوا قاب قوسين أوأدني من أن يقتلوا (مأساة يرول)، فالمسرحية تخرج بها من المعهد المخرج السماني لوال، وشارك بها في مهرجان الفرق والجماعات المسرحية عام 1989م. وكانت لنا مساجلات كثيرة حول التقييم لها، فالذين حاولوا إدخال أمزجتهم في التقييم فشلوا لأن الواقع الفني كذبهم، وواصلوا معارضتهم الصارخة لها عندما وقفوا ضد مشاركتها في مهرجان بغداد عام 1990م، وكنت شاهد عيان لمشادات بين مخرجها والممثلين والمتشددين، ولن أذكر أسماء المتشددين لعلهم الآن ما زالوا بيننا في مفاصل العمل الثقافي، لكن بطبيعة الحال الفن الحقيقي يقفز فوق حواجز المتزمتين.

     الممثل صالح عبد القادر واحد من الذين عاصروا كل رحلة المسرحية العصية، حكى بحسرة عنها بقوله: “رغم أنها ظلت عالقة في الوجدان كل هذه السنوات إلا أن مجمل عروضها لا تتعدى الـ(30)عرضاً فقط، والسبب في ذلك أن بالمسرحية لمسة إنسانية كونية.”

     المسرحية في مجملها تركز على قيم ومبادئ لمنطقة معينة، كل إشاراتها شجب للظلم بالكامل ودعوة للعدل والمحبة، واكتسبت بذلك هذا العمق الروحي، والمخرج مضى مع إضفاء هذا الجو الأسطوري وتوظيف الرقصات الجماعية التي تستند إلى الأرواحية الإفريقية.

     وبحسب إفادة د. شول دينق فإن الكاتب استخدم المجاميع كما كانت تستخدم في الثقافة الإفريقية، وكتبها بشعر التفعيلة، والمسرحية في اتجاهاتها كلها فيها احترام لمقدسات وتقاليد وأعراف الآخر، ودعوة للتعايش ونبذ الصراع، ولمحاربة أشكال الاستبداد، واعترافاً ضمنياً بقيمة الإنسان، فهو أكبر من أن يستخدم لخدمة الكجور.

     الناقد محمد المصطفى قال أن المسرحية سألت سؤال (الهوية والمسرح)، وهذا ليس بعيداً عن سؤال الوحدة والإنفصال إن لم يكن مطروحاً وقتها، غير أنني أستند منها على افتراض أن ( الأسطورة) يمكن أن تصبح مؤسساً عقلياً، فمسرحية (المك نمر) بدأت أيضاً بحلم مثلها مثل (مأساة يرول)، فمن هنا علينا أن نستهدف الأسطورة بشكل علمي دقيق، ليصبح عندنا فهم الهوية يعني اتفاق إرادات معينة في منطقة معينة لهدف معين، وأقرأ أن هنالك تجليات وحدة كثيفة في خطاب هذه المسرحية.

    بقي أن نعلم أن المسرحية تمت كتابتها عام 1972م، وتم تمثيلها في المعهد العالي للموسيقى والمسرح عام 1984م، وأخرجها المخرج المهاجر الآن بأمريكا السماني لوال، وقد تمت إعادة كتابة لها، وآخر مرة يتم عرضها كان في مهرجان الشارقة للمسرحيات العربية.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن