غرق

رهام

بقلم: رهام حبيب الله

      بدأ الصوت خفيضاً وغير مميز، ثم ما لبث أن ازداد علوّهُ تدريجياً، حتى تأكدت سلوى – التي كانت قد إستقيظت للتو لتتوضأ للصلاه – أنه صوت نحيب، أخذت ثوبها في يدها وتوجهت بخطىً فزعه نحو مصدر الصوت، مستعينةً بخيوط الفجر التي تطرزت حول تضاريس الأجسام. حين وصلت للميدان الصغير الممتد من أمام بيتها وحتى مسجد القرية، ورأت بياض جلابيب الرجال القادمين للصلاة، انتبهت إلى أن الثوب لا يزال في يدها، فغطت رأسها به، وأسدلته حتى منتصف فخذيها، زادت من سرعة مشيها حتى أصبح أقرب للهرولة منه للمشى العادي، عندما أرتفعت بوضوح ولولة “علوية بت الميري” ممزقةً هدوء القرية. في باب علوية الصفيحي الصغير تزاحمت مع ثلاثِ جاراتٍ أخريات كن قد تلفّحن ثيابهن، وملاءات أسرتهن على عجل حين سمعن الصوت، تبادلت النسوه نظرات قلقة، وهن يتمتمن بالتساؤلات، ويلهجن بدعوات الستر والرحمة، وحين دلفن إلى البيت المكون من غرفتين من الطين المطعم بروث الحيوانات، تفصلهن فسحة صغيرة، وجدن علوية قد توسطتها جالسة على الأرض، وقد أهالت التراب على رأسها، ما إن رأت الأخيرة الجارات الأربعة يدخلن حتى رفعت من حدة بكائها، مطلقة يديها في الهواء. فور دخولهن فعلت النسوه ماهو متوقع في مثل هذه الحالات؛ انخرطن معها في البكاء، كأن كل واحده منهن كان تتحين الفرصه لتبكي خيبات حياتها دفعة واحدة، وبفضل أصواتهن المستيقظة للتو إمتلأ حوش علوية بعد دقائق قليلة بعشر نساء اخريات، أما سلوى والتي كانت تربطها علاقة اجتماعية أوطد بعلوية من بين النساء المتواجدات، فقد تولت مهمة الوصف بدلاً عن الاكتفاء بالولولة: “الليلة يا الجَابوا خَبرك وإنقطع أتَرك، الليلة يالجاهل وصغير، كُرعلييا من حرقة الحشا.” حينها انتبهت أنها لم تعرف بعد جنس المتوفي، وعمره، وملابسات موته حتى تختار المقاطع المناسبه للوصف، توقفت عن البكاء متسائلة بصوت خفيض: “هو المات ليك منو يا بت أمي؟” حينها توقفت جميع النساء عن العويل دفعة واحدة ليسمعن الإجابة، لكن علوية لم تقطع بكاءها لتجيب، وكأن السؤال لم يكن موجهاً إليها، فبدأت النسوة بالتهامس متسائلات عن إيهن قد قدمت أولاً، وهل كان حال علويه على ماهو عليه الآن؟ وهل تملك إحداهن معلومات أكثر؟ فرمقتهن سلوى بنظرات معاتبة لجرأتهن على قطع هيبة الحزن، وهي تناول علوية كوباً من الماء قائلة: “أرجعي يا علوية واستغفري، وهاك أشربيلك بقة مويه.” ما إن رأت علوية الماء حتى دفعته صارخة في فزع، فبلغ التعاطف ذروته، وتناسى الجميع أحزانهم الشخصية، ليتوحدوا مع حزن علوية الذي لم تقطعه لتبلل حلقها بقطرة ماء، وأنقطع الهمس بالتساؤلات والتحليل، فبكت النسوة حتى بحت أصواتهن، واستندت المرهقات على الحوائط، وتلثمت قليلات الدمع بأطراف ثيابهن، حينها نطقت علوية للمرة الأولي:

     – أني ما ميت لي قريب، أني بنبكو علي الحله.

     فعاجلتها سلوى بتساؤل جديد :

     – سجمي!، الحله مالها ياعلويه؟

     – الحله إنماصت ياسلوى ياختي، الحله إنماااصت.

     – جنيتي ياعلويه؟ ده كلام شنو !

     كان الفصل صيفاً، وموسم الأمطار أنتهى منذ وقت طويل، فأنحسر النيل حتى صار قماشاً بنياً يفترش أسفل قرية الديم، التي ترقد على امتداد طولي محاذٍ للنيل، فوق هضبة مرتفعة، يمتد أسفلها وعلى إنحدار شديد شريطاً من أحواض الزراعة بطول كيلومترين، يفصل الهضبة عن مجرى النيل، لذلك لم يسبق أن شهدت القرية فيضاناً حتى في أكثر مواسم المد جموحاً، ورغم أن النسوة كن يعرفن هذا جيداً، لكن ذلك لم يمنع إصطباغ وجوههن بالذعر عند سماعهن إجابة علويه.

     لم تكن علويه ذات الأربعين خريفاً من سكان الديم الأصليين، ولم يكن أهالي المنطقه يعرفون عنها شيئاً قبل ثمانية سنوات فقط من ذاك اليوم، فقد وصلت تخوم القريه من جهه الشريط الزراعي في أحد الأيام، وسألت عن بيت العمدة، أو أكبر أعيان المنطقة، فقادها أحد الصبية الذين يحاولون تعلم السباحة سراً إلى بيت سلوى زوجة العمدة الذي اشتهر بأبوابه التي لا تغلق في وجه أحد، وهناك أخبرتهم بأنها تنتمي إلى أحدى قبائل غرب البلاد، وأن قريتها تعرضت لهجوم عسكري أثناء جولة تمشيطية للمنطقة أقامها الجيش بحثاً عن المتمردين، فهربت فيمن هرب بحثاً عن الأمن، حتى وصلت إلى القرية. ورغم أن هذه القصه لم تكن مقنعة على أية حال؛ فقرية الديم تبعد عن غرب البلاد مسيرة شهر كامل لشاب صحيح البدن ناهيك عن لهيب الصيف، ووعورة الطرق، كما أن القادم من الغرب لن يظهر من إتجاه النيل، لكن أحداً لم يتحرّ من روايتها، بل إمعاناً في التصديق إلتصق إسمها بالعساكر ليناديها الجميع  بعلوية بت الميري بدلاً عن علوية حسن. لم يمر عليها وقت طويل في ضيافة سلوى حتى بدأت تساعدها في الأعمال المنزلية ببيت العمدة الذي لم يكد يخلو من الضيوف، وكانت إذا انتهت من مهامها مبكرةً طلبت الإذن للخروج؛ لمساعدة نسوة الحي مقابل بضع جنيهات أو نظير البن وقطع الصابون أحياناً. عرف عنها الجميع إجادتها للعمل، فكانت – رغم هزال جسدها – تعمل عمل ثلاثةِ نسوةٍ مجتمعات: فتكنس الحيشان، وتلمّع الأواني، وتمسح الحيطان بالروث، وتغسل الملابس بإتقان لا يضاهى، حتى أنها إذا غسلت جلباب أحدهم بارك له رفاقه شراء ثياب جديدة. كانت تدخل كل البيوت دون أن تنقل الوشايات، أو تحدد أجراً لقاء عملها، بل تأخذ ما يُقدم لها برضى تام، فحازت بذلك على ثقة الجميع ومحبتهم، حتى أن العمدة أمر ببناء غرفة لها محاطة بحوش صغير في أحد المساحات التي يملكها. حدث كل هذا في الأربعةِ سنواتٍ الأولي لقدوم علوية، وقبل حادثة مرضها الغريب الذي قال عنه حكيم القريه أنه ليس أكثر من حمى التيفويد، لم يستطع جسدها مقاومتها، لكن كان لعلوية ونسوة القرية رأيٌ آخر.

     دام مرض علوية ثلاثة أشهر، امتنعت فيها عن الطعام، عدا حليب الماعز والقهوة، متجاهلة إصرار النسوة اللواتي يتعاقبن على تفقدها كل صباح، حاملات صنوفاً مختلفةً من الطعام، وعند انتصاف النهار حين يصبح بيت علويه الوجهة الأفضل للترويح يجتمع ثلاثة أو أربعة من نسوة الجيران لشرب القهوة، وهن يحملن الخضروات لتنظيفها وتقطيعها أثناء جلسات الأنس إستعداداً لطبخها عند العودة إلى بيوتهن. لكن رغم إحاطتها بالرعايه والإهتمام إزداد مرض علوية يوماً إثر يوم، وازدادت طلباتها غرابة، فكانت تأمر النسوة أحياناً بتعتيم غرفتها، عن طريق إغلاق الباب والنافذة الوحيدين ثم حشر قطع الأقمشه البالية في الفتحات الصغيرة عند إلتقاء دفتي الباب، أو تأمرهن أن يبللن جسدها وثوبها بالعطور النسائية، حتى حل ذلك اليوم حين طلبت من سلوى التي جاءت لتفقدها، أن تطهو لها ديكاً أحمر اللون ذا عرف قانٍ بعد أن يذبح أمامها، فبحثت عنه سلوى في كل بيوت القرية حتى وجدته، ونُفذ الطلب، ثم أعدت منه سلوى مرقاً ثخيناً، وجلست قرب علويه تحثّها على أكله. فقالت الأخيرة وقد امتلأ فمها بالطعام: “سلوى ياختي ،فتّح عينك دا سمّح، أني مابندورلك الضُر؛ راجلك بعرف ليهو مرة من نسوان الحله الورا، وناوي يعرسها“، فانتفضت سلوى فزعه، وألحّت لتعرف مصدر الخبر، لكن علوية لم تجب إجابة مباشرة، بل زادت الأمر تعقيداً حين قالت: “أني بنحدثك بالنصيحة، وكان ما مصدقاني، فتشي صندوق الحديد الطابلو راجلك، بتلقي جواباً منها ملفوف في قماش الجلابية الجديد.” وضعت سلوى إناء الطعام جانباً، وهرعت إلى بيتها، فهي تدرك جيداً أن لا أحداً غيرها – ولاحتى ابناء العمدة – يعلم بأمر الأقمشة المخبأة في صندوق زوجها، ناهيك عن علوية التي لم تغادر بيتها منذ أشهر. رغم أن العمدة لم يتزوج المرأة الأخرى في نهاية المطاف، لكن الجميع كان يرى أن علوية منعت زيجة مؤكدة، فكان ذلك بمثابة إعلان لمهنتها الجديده التي باشرتها حال تماثُلها للشفاء في ذات اليوم الذي تناولت فيه ذلك الديك. فأجمعت النسوة على أن مرض علوية لم يكن أية حمى كما قال الحكيم، بل “الريح الأحمر”، وحللّن أن إتقان علوية للتنظيف، وحبها للعطور النفاذة، كانت اشارت مبدئية للمرض.

     أصبحت علويه تتنقل بين البيوت، لا لكي تخدم النسوة كما الحال في السابق، بل يتبارى في خدمتها بينما تتوسط هي أحد أسرّة المنزل وتقوم برمي الودع، ساردة أخبار الغائبين، وموضحة مكان النقود الضائعة، وواعدة بالمحصول الناجح والخير الوفير، ولم يشكك أحد ٌ قط في صدق رؤياها، فأن رأت علوية في حبات الودع السبع ضيوفاً قادمين، يذبح أهل الدار أحد نعاجهم ويعدون الطعام في انتظار الضيوف، وأن رأت موتاً ودع الناس مرضاهم وشرعت النسوة في الحداد، فكان رأيها سبباً في إتمام الزيجات وإلغاء الأسفار، وبيع المحاصيل، فذاع صيتها، وأطبقت شهرتها الآفاق، حتى توافد عليها القادمون من القرى القاصية والدانية، وبدلاً عن البن والصابون تدفقت عليها الأموال، فبنت غرفة ثانية في بيتها، وأضافت ثلاثة نعجات أخريات إلى نعجتها القديمة.

     لذلك حين أعلنت علوية في ذاك الفجر المشؤوم أن القرية ستغرق، أنتشر الخبر كالنار في الهشيم، وتفشى الذعر بين الناس، رغم عدم منطقية النبوة. عصر ذاك اليوم أستأجر العمدة عربتي شحن رفع فيهما محصول الذرة المخزن لديه منذ أشهر، والذي كان من المخطط بيعه بعد أسبوعين عندما ترتفع الأسعار، كما نقل أحد أعيان القرية أمه المُقعْده مع نقوده ومجوهراته الى أخٍ له في قرية نائية، وغادرت بعض العائلات متعللين بزيارات أقارب لهم هنا أو هناك، أما علوية فلم يتوقف بكاءها على القرية وترديد نبوءتها كل صباح، وكانت عندما ينتصف النهار ويبح صوتها ويتورم وجهها  تعمد إلى مقتنياتها فتحشوهم داخل أكياس بلاستيكية.

     كانت قد إنقضت عشرة أيام على ذاك الفجر، وهدأ التوتر قليلاً، وبدأت الحياة تعود إلى سابق عدها في قرية الديم ، عدا صوت نواح علوية الذي أصبح طقساً صباحياً دائماً، وبحثها في شوارع القرية عن الأكياس البلاستيكية المرمية هنا وهناك. أتهمها البعض بالجنون؛ فقد أكدت أحدى النسوة الخبيرات في قضايا الجن والشياطين أن علوية تباطأت في تلبية أحد أوامر الجن الذي يجلب لها الأخبار فعاقبها بالجنون، أما العمدة فقد صرح – حانقاً – بأنها لم تكن عاقلة منذ البداية، حينها حل ذلك اليوم الذي أنفجر فيه العويل عصراً هذه المرة، ومن كل بيوت القرية، إثر رواية أحد المزارعين الصاعدين من النيل، الذي أقسم أنه رأى علوية بت الميري عارية تماماً، تحمل على كتفها نعلها وقميصها داخل كيس بلاستيكي أبيض، وحين اقتربت من النهر رمت الكيس وغاصت داخل المياه سائرة على أقدامها، كأنها تواصل المسير على اليابسة، وأنها حتى عند اللحظة الأخيرة التي سبقت إختفاء رأسها داخل الماء كانت تردد: “الحلة إنماصت ياناس، الحله إنماصت“. 

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان