في المقهى

عمر

بقلم: عمر النمري

 

     منذ مُدّة لم أزر مدينتي، ولما عدتُ إليها، طفت شوارعها وأحياءها، والتقيت بالأحباب، واشتريت بعض الأمور  للذكرى، ولكني شعرت أنّ أمراً ما ينقصني، فتذكرتُ المقهى الذي يجتمع فيه مُغفّلو مدينتي وفلاسفتِها، فقمت بزيارته، فوجدته كما هو، نفس الموائد، ونفس الكراسي، ونفس الوُجوه، حتّى النادل لم يُبدّلوه، وحتّى ذاك المصباح الطويل (النييُون) الذي به عطب ويصدر ضجيجاً كلما انطفأ أو اشتعل، كما هو معلق في تلك الزاوية من السقف، يجلس تحته ثلاثة مُغفّلين من مُغفّلي هذا القُطر العظيم على قهوة واحدة بينهم. فجلستُ معهم. ورحت أستمع إليهم. فوجدتُ حالتهم تأزمت أكثر من أي وقت مضى.

     أما أوّلهم، فنُسخة مُقلّدة عن شوبنهاور، فيلسوف التشاؤم، وصاحب نظرية “لِتنقرض البشرية، المهم أن تكون دائماً على صواب “قال لي: أتعلم يا عُمر، لقد اقتنيتُ كَلبا وذهبتُ إلى الفُندُق، وتحاورت مع صاحبه، كي يحجز لي غرفةً، أبقى فيها ما بقي لي من عُمر مع كلبي، وأموت وحيداً فيها بعيداً عن البشر، كما مات شوبنهاور وحيداً في غرفة فُندق. لكن المشكل أني لا أملك التكاليف، بينما شوبنهاور قد ورِث مالاً بعد انتحار والده، لكن والدي لا يُفكّر في الانتحار كوالد شوبنهاور، وحتى لو انتحر والدي، لا أعتقد انه سيُورثني شيئاً، فهُو لا يملك أي شيء، المهم أن تكون دائماً على صواب أخي عُمر .. أليس كذلك؟!

     أمّا الثاني فنُسخةٌ مُقلّدة عن نيتشه. “حيث تنص فلسفة نيتشة على أن الإنسان هو أسمى ما في الوجود، وهذا الشيء السامي ليس عليه أن يعبد غيره، فالإنسان هو الإله، ولا إله غير الإنسان، فعلى الإنسان أن يُطلق العنان للقوى الكامنة التي تسكنه، وعليه إن أراد أن يهدأ أن يستأنس بالموسيقى، فهي أفضل من الصلوات، ونيتشة كان متديناً في بداية حياته، حتى لُقّب بالقس الصغير، لكنه أول ما أبتكر فلسفته وهي قتل الإله، ذهب إلى بيت دعارة، لكن لسوء حظه علق به مرض مُعدي، بقي ينخر جسده ما تبقى له من حياة”. قال لي هذا الصديق: “إن نيتشة اعتزل الناس في جِبال الألب، وأنا لا يُمكنني الذهاب إلى هناك كما تعلم، غير أن القوة الكامنة التي تسكنني قالت لي، اعتزل في جبال الڨعدة (الڨعدة منطقة جبلية قريبة من مدينتنا) لكني دائماً أسمع في الأخبار، أن الإرهاب لا يزال يُعشش في جبال الڨعدة، وخفت أن أعتزل هناك ويقضي علي الارهابيون، لكن المُشكل ليس هنا، ففرندة كما تعرف قابعة فوق جبل، وأنا مُستأنس لهذا الوضع. المُشكل أني خائف أن أُجن قبل سن ال 45، فنيتشة لما بلغ ال45  فقد عقله، حتى مات في سن 56 سنة، وهذا ما يؤرّقني الآن، المهم أن تكون إنساناً يعيش بأقصى طاقات إنسانيته، أليس كذلك؟!

     أما الثالث، فلم أهتدِ أي فلسفة يتبنى، لأنه يستعمل مُصطلحات كثيرة على غير وجهها المقصود، لهذا لم أُفلح في تكوين فكرة واضحة عنه، لكن الظاهر، على حسب ما فهمت، أنه هو المكلف بدفع ثمن القهوة كل يوم، مُقابل الجلوس مع النسخة المقلدة لشوبنهاور والنسخة المقلدة لنيتشة، لكنه لحسن الحظ لم يكن مثل شوبنهاور، لأن شوبنهاور يكره الكرم، وهذا الشخص كريم. وليس مثل نيتشة، لأن نيتشة يكره خُلق الإحسان والرحمة على الضعفاء، وهذا الإنسان مُحسِن رحيم. فبعدما ودّعتهم، دفعت ثمن القهوة التي كانت بيننا في سبيل الله، وتركت المقهى خلفي، ولازال المصباح في ذاك الركن من السقف، يُصدر ضجيجا كلّما اشتعل أو انطفأ.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة