الحرية

alhourtia

الحرية ، المنشود في تاريخ البشرية ، المفقود عند أغلب البشر … فما هي الحرية ؟

الحرية مبدئيًا هي التحلل من كل القيود … فما هي تلك القيود التي تمنع عن الإنسان حريته ؟

إن السؤال الأخير جوابه يختلف من شخص إلى آخر ، كل حسب وجهة نظره ، و القبليات التي تبناها بأي طريق كانت … فبعضهم يحملها على المجتمعات ، و بعضهم على الثقافات ، و بعضهم على الأنظمة الحاكمة ، و بعضهم على الجهل ، و بعضهم على القبح ….. إلخ من التعيينات ، و البعض الآخر ، يحملها على القيود النفسية أو الذاتية !

مع أن الحرية موضوع ذاتي ، أي تختص به الذات ، تطلبها لذاتها … إذ لا يكون الإنسان حرًا ما لم يحرر ذاته من القيود … و عليه فإن الصراع من أجل الحرية هو صراع من أجل تحرر الذات من هيمنة الآخر

ذلك الآخر، الذي يراه البعض في شكل الأفراد الآخرين ، في شكل أول هو اليوم أوضح ما يكون ، لأنه أكثر ما يكون مطلوبًا في عصر الديمقراطية، إنه التحرر من النظم الاستبدادية، التي تحكم رقاب الناس بالنار و الحديد، و بالتالي هي تطغى على الفرد، مانعة عنه حريته … مع أن الحديث عن النظم الحاكمة هو في حقيقة الأمر، حديث عن مؤسسات اجتماعية، مما يعني أن الحديث عن الحرية لابد أن يكون على مستوى أعلى، أي مستوى أشمل، هو المستوى الاجتماعي

فالإنسان إذا ما أراد تتمة حريته ، فعليه أن يتخلص من قيود مجتمعه … المجتمع الذي هو أكثر من مجرد اجتماع لمجموعة من الأفراد على أرض محدودة ، بل هو اتفاق مجموعة من الأفراد على نسق حياتي متكامل متناسب مع أفكار و أهواء و أذواق مجموع الأفراد الذين يكونون المجتمع ، ذلك النسق هو : الثقافة

و عليه فإن الأمر يتطلب الحديث على مستوى أعلى من المستوى الاجتماعي ، هو المستوى الثقافي، إذ إن الإنسان لما كان اجتماعيًا بطبعه، استحال أن يعتزل المجتمع، و لما كان الأمر كذلك، فإن تلازم ملازمته للمجتمع مع شغفه للحرية يفرض أن تحقق الحرية لابد أن يكون على الأقل على المستوى الثقافي، فضلاً عن أن الثقافة ليست سوى تفاعل الإنسان في التاريخ ، فكلما كان الإنسان فاعلًا في التاريخ ، كان أكثر تحررًا ، لأنه يطغى على التاريخ بذلك ، و العكس بالعكس صحيح … إلا أن فعل الإنسان في التاريخ ، أي تحرره الثقافي ، لا يمكن أن يتم في ظل الجهالة …

و عليه فإن مستوى الحرية الأولى من مستوى الثقافة هو مستوى العلم ، فالإنسان لا يطغى على شيء حتى يعلم ماهيته ، و نعني بالعلم ليس مجرد معرفة نظرية متجردة من الفعل ، تحرمه من إمكانية الفعل في التاريخ ، بل نعني بها تلك المعرفة المتصلة اتصالاً كينونيًا مع الفعل ، و بالتالي هي معرفة فاعلة في التاريخ … هذه المعرفة لا يمكن أن تكون لا نظرية بكاملة كينونتها ، ما لم يكن أصلها غامضًا ، أي سر تطلع عليه القلوب قبل العقول ، و منه تفيض بصيرة العقول …

هو مستوى معرفي أعلى من المستوى العلمي ، يسميه العلمانيون بالمستوى الفني، و يسميه المتصوفة بالمستوى العرفاني … فإذا كان العلمانيون يحددون موضع التداول لهذا المستوى هو المستوى النفسي، أو في أحسن الأحوال : المستوى الكوني، مما يعيدنا إلى قيود الذات و بالتالي قيود المجتمع …. الخ، أو القيود المادية للكون التي يريد الإنسان أصلا الإنعتاق منها من أول مسيره … فإن المتصوفة يتطلعون إلى مستوى أعلى، هو ما يطلقون عليه بمستوى الفناء، أي الفناء في الذات الإلهية … فهم يعتبرون أن أصل المعرفة هو السر الغيبي

و عليه فإن المستوى الذي يتطلع إليه المتصوفة هو المستوى الديني، حيث يستسلم إليه المتصوفة، أو المؤمنون عموما، إذ يعتبرونه أصل المعرفة … وإن كان تعامل المتدينين من المتصوفة مع الدين يختلف مع تعامل غيرهم من المتدينين من غير المتصوفة … فالمتصوفة يتطلعون إلى الفناء في الغيب، بحيث يطلقون عليه : الانقطاع عن الزمن … و بغض النظر عن أن هذا الانقطاع سيقطع لزوما سر المعرفة، لأنه انقطاع عن التاريخ ! فإن معنى الفناء أو معنى الانقطاع عن الزمن كما يطرحونها، هو أمر مستحيل لزومًا، لأن فيه ما ينقض ذاته

إذ إن معنى الانقطاع عن الزمن أو الفناء، يعني انتقال من الوجود المتزمن إلى الوجود الغير متزمن، و الزمن ليس إلا تسلسل من الانتقالات، محدود ما دام أنه انتقال -مهما ادعى الحلوليون غير ذلك- ، و الانقطاع عن الزمن هو تحول من حال إلى حال ، بمعنى أن هذا الانقطاع عن الزمن ليس انقطاعا عنه في حقيقة الحال ! و حتى إن قيل إنه انتقال من حال إلى اللاحال ، قلنا إن الانتقال يفرض أن يكون المابعد حال بطبيعته ، و الفناء كما يريدون تصويره ليس انتقالا بل هو اللاانتقال أي الانعدام ، و الانتقال ليس انعداما ، فضلا عن الانعدام لا يفضي إلى شعور وراءه كما يشعر المتصوفة أثناء لحظة الفناء !

فضلا عن أن فناء العبد في ربه ، يعني بالضرورة تعدد الذات الإلهية ، و هذا محال …

فالإنسان إذا ، ما دامت له بداية في الوجود ، أي مخلوق فهو لابد خاضع للزمان ، و بالتالي هو موضوع للانتقال ، فهل هذا يعني أن الحرية هو حلم مستحيل ؟ !

إن معنى الحرية يخبر غير ذلك، فالذي يجعل الإنسان يبحث عن الحرية ليس الانغماس في الاستهلاك كما تفترض ثقافة الاستهلاك العلمانية، ففي النهاية هي تفترض أن الاستهلاك هو الصواب، و بالتالي فإن الاستهلاك يخدم قيمة الصواب، أو بمصطلح أحق : تخدم قيمة الحق … فالإنسان يبحث عن الحرية لأنه يبحث من وراءها على الحق … إذ ليس هنالك معنى من دفع القيود ، إلا طلب الحق …

و الاستهلاك ليس هو الحق، لأنه مدلول الاستهلاك هو حب البقاء، و هو نقيض : التجاوز نحو الحق … فمن حيث أن قيمة الحق أعلى من قيمة متزمنة، فإنها القيمة الحاكمة على كل القيم الأخرى …

و بنظرة أخرى، إن الوجود المتزمن، من حيث إنه يعاني من الانتقال ، فهو موجود بالضرورة من أجل غاية معينة ، إذ لا يمكن أن يحدث الانتقال أو الحركة أو التغير ، بدون غاية ، و إلا سقط الوجود في العبثية ، و العبثية هي انعدام ، لأن العبثية تجمع الشيء و نقيضه ، أي تطلب العدم ، و هو الأمر الممتنع عن الانتقال … إذ لو اتصفت الانتقال أو الحركة أو التغير بالعبثية ، فإنها ستجمع الاتجاهين المتضادين فيها ، و بالتالي تحدث العدم …

و لما كان الأمر كذلك ، فإنه يلزم عن ذلك أنها تطلب غاية أعلى من أن تكون متزمنة ، أي ليس له بداية و ليس له نهاية ، يقتضي على ذلك أن لا تتخلله  البدايات و النهايات … و هو في عرف المؤمنين ، هو الله سبحانه تعالى ، فليس هنالك حق غيره ، و كل ما يوصف بأنه حق غيره ، فإنه لا يكون إلا أمره سبحانه و تعالى …

و عليه فإن الحرية لن تتحقق إلا بابتغاء الطلب المطلق للحق سبحانه و تعالى ، أي بالتدين الحق …

و قد رأينا من العلمانيين من يدعون بأن الدين يسلب الإنسان حريته ، لأنه يقيده برب … و في هذا خلط ناجم عن عدم فهم ، أو عدم إدراك لمعنى التدين ، فالمؤمن لا يقيد نفسه بمثيله أو ضديده بالتقيد ، فهذا شأن الوثنيون ، بل يقيد نفسه بالمطلق سبحانه و تعالى ، و التقيد بالمطلق هو التحرر عينه … و لكن العلمانيون لا يدركون …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .