الزائر

رجب

بقلم: رجب سيد

     أكتب إليكم اعزائي الزملاء هذا الخطاب وسوف اختمه بخمسة أسماء، هم أسماءُكم بالطبع .. ولا أخفي عليكم ما تشعرون به مثلي تماماً. بالأمس قد قابلت فتاة الثانوية التي كنت أحدثكم عنها، صارت امرأة الآن، ملامحها مصرية جداً بكل ما فيها من سخف وبهجة. ولا أخفي عليكم تلك النبضات المتسارعة التي لم تفارقني منذ لحظة خروجي من باب منزلنا حتى وصولي لمكان لقائي بها .. ابتسمتْ حين رأتني، وأنا قلت لها في سري أحبك جداً أيتها المجنونة ولا بد أننا من سلالة واحدة حيث ذلك الجنون المشترك بيننا لا يكون صدفة .. جلسنا سوياً، أنا وهي، لمدة ساعتين. تكلمنا عن الماضي بخجل، وتكلمنا عن الحاضر الغامض، ولم نتطرق أبداً للحديث عن المستقبل .. المستقبل يا اعزائي هو أن نكون كما نريد، نريد أن نحيا بسعادة ترتقي بنا لمنزلة الملائكة أو نشعر في لحظة جموح أننا آلهة .. لقد قررت بالأمس أن السعادة غاية الوجود، وأرجو منك المعذرة يا صديقي المتشائم، فأنا واقع جداً في حب تلك المرأة .. أنا لا أكتب هذا الخطاب من أجل اخباركم بشأن لقائي بها، وإنما من أجل شيء آخر حدث معي بالأمس عندما عدت إلى منزلي. ملحوظة: باب شقتي كان سعيداً جداً من أجلي.

    أما بعد أيها الزملاء ، أيها الأوغاد:

    عندما خلعت عني معطفي الثقيل، ورتبت غرفة نومي وأعددت طعامي، وسار كل شيء على ما يرام ومبشراً بسهرة سماوية في حضرة الحب. بينما كنت أصب كأس نبيذ، طرق الباب، حول الساعة الثانية صباحاً! من يزورني في مثل ذلك الوقت؟ .. لا ، لا يا ألبرتو يا عزيزي أنا أفهمك جيداً وتخمينك قد جانبه الصواب، ليست هي أيها الشقي.

     كان الزائر رجلاً عجيباً .. يرتدي ملابس سوداء تماماً، وهذا السواد قد جعله جميلاً إذ يتجلى نور وجهه الهادئ. سألته من أنت؟

قال:

     – أنا رسول، جئت لأزورك من أجل أمر يهمك.

     – وهل يأتِ الرسل في الثانية صباحاً؟

     – لكل ساعة رسولها.

      – أنت إذن رسول بعد منتصف الليل!

      – دع عنك دهشتك يا رجل، ادعوني للدخول، أم أنك لا تريد أن يشاركك أحد المؤاكلة؟

     هو يعلم السر وما أخفى ولذلك لم أتردد لحظة، ودعوته للدخول. يبدو أنه رجل دولة، رجال الدولة يعلمون كل أسرار الوطن، وربما يكون لي ملف يحتفظون به ويسجلون فيه كل صغيرة وكبيرة، وربما لديهم معلومات عن عدد ملابسي الداخلية. من أجل كل ذلك دعوته للدخول فوراً، وصببت له كأس نبيذ، وتناول كأسه بأسلوب محترف، بأسلوب رجل يرتاد الحانات منذ خمسون ألف سنة، قل لي إذن ما الأمر؟

     – الأمر هو أن دورك آن أوانه.

     – دوري؟!

     – نعم، سوف ترحل معي قريباً، جداً.

     – إلى أين؟

     – أنت حقاً دليل على أن الإنسان مخلوق عجول!

     – أخبرني من فضلك ماذا تقصد بدوري؟

     – أرجو منك المعذرة، تحمل حكمتنا، ونحن نعلم جيداً أنك ساخط على تلك الحكمة المبهمة، والتي تعريك تماماً فينكشف لك جهلك.

      – حسناً.

     – لدي بعض الأسئلة لك، وبعد ذلك سأخبرك إلى أين سوف تذهب، موافق؟

     – موافق!

     – هل تتذكر آخر ذنب فعلته؟

     – مممم .. في الحقيقة لا أتذكر، إن حياتي عادية جداً، ربما تكون عادتي السرية هي ذنبي الأخير والوحيد!

     – هل أنت واثق من جوابك؟

     – طبعاً.

     – جوابك خاطئ، ذنبك الأخير هو تنازلك عن حريتك.

     – وهل تنازلي عن حريتي أعظم عندكم من استجابتي لشهوتي؟

     – حريتك أعظم شيء يمكن فعله، مهما أخطأت، لن يساوي خطأك شيئاً مقارنةً بتركك حريتك.

     – حتى لو قتلت؟

     – الحُر لا يقتل ولا يكره. أخبرني، من علّمك الحرية؟

     – لم يعلمني أحد أن أكون حراً.

    – حسناً، اسمع، لن تكون حراً حتى تحب نفسك، ولن تحب الناس طالما لا تحب نفسك. فالحُر لا يقتل ولا يؤذي.

    – نعم فهمتك، أنت تقصد أن الحر لن يكون عبداً للمال، مثلاً.

    – اقتربت من الصواب. والآن السؤال التالي، لماذا لم تقول أن ذنبك الأخير هو كأس النبيذ؟

     – لأنك شربت منه معي، وأنت أيها الرسول لن تفعل ذنباً.

     – جواب معقول، ولكن تذكر مفهوم الحرية، ولا تنس نصيبك من التمرد.

     – لا أستطيع معك فهماً.

     – السؤال الثالث، ما هو أهم شيء فوق كوكب الأرض؟

     – أظن… معذرةً ، أيُمكن أن تبسط سؤال قليلاً؟

     – حسناً، ما فائدة أن يعمل ويجتهد الإنسان طالما أن مصيره الموت؟

    – ليدخل الجنة طبعاً.

    – كم ثمن الجنة؟

    – لا أعلم.

    – هل تؤمن أن لكل شيء ثمن؟

    – نعم، عدا الحب.

    – ولماذا استثنيت الحب؟

    – لأنه مجاني جداً، هو ينبع من داخلي قبل كل شيء.

    – أنت تقترب من الجواب قليلاً، فكر جيداً وفتش عن ذلك الشيء المشترك بين كل البشر، ويكون سبب دخولهم الجنة؟

   – اعتقد أنه الحب. هو ذلك الشيء.

   – سأخبرك بما هو أكثر دقة، كل ما يفعله بني الإنسان، ليس له غاية إلا غاية واحدة فقط، وهي أن يحترم الإنسان حياة الإنسان، وألا يأكل الإنسان لحم أخيه.

    – إذن فأي شيء لا يحقق هذا الهدف، لا يعول عليه.

    – صحيح، تماماً، أنا مللت من الحديث معك وأريد أن أذهب للنوم الآن، وقبل أن أخبرك عن المكان الذي ستذهب إليه معي قريباً، أريد أن أنصحك نصيحة.

     – ما هي؟

      – أنت لا ينقصك غير التفكير، لديك كل المعلومات، فكر بها جيداً وتأملها، ستنجو بعقلك فقط.

      – كلامك عظيم.

      – أنت ستموت قريباً، وهذا هو المكان الذي ستذهب إليه، ستعود إلى أصلك.

      – ولكن الموت من الغيب.

      – لم يعد غيباً بالنسبة لك. نحن نخبر كل راحل بأوان رحيله، قبل الرحيل بعدة أيام.

       – سيدي، لدي سؤال لك، ما الدليل أنك لست الشيطان؟ وخصوصاً أنك مهووس بفكرة الحرية!

      – اسمعني جيداً أيها الغبي، جئتُ لأخبرك بما ينبغي عليك عمله، تعلم مني وإلا ستندم.

      – ولماذا سأندم؟

      – هناك في العالم الأصلي سوف تعض أناملك لأنك لم تترك للناس ما ينفعهم خلال رحلتهم، وإني جئتُك من أجل ذلك. اترك للناس ما ينير لهم طريقهم، ثم هبّ مثلاً أنني هو إبليس، ألا يجوز أن يتعلم الناس من أخطائي؟ كل بني الإنسان يسمعون تلك الحكاية الغابرة كلهم حريصون كل الحرص على ألا تتكرر فيهم مأساة إبليس المغضوب عليه. تعلم من صوابي وتعلم من خطئي. لدي سؤال لك؟

     – ماذا؟

     – في كل ما أخبرته إياك، هل توجد فكرة شريرة أو مدمرة؟

     – الحق، كل كلامك جميلاً، وفيه الكثير من الحكمة.

     – إذن، لديك الكثير من الدلائل تخبرك أنني من حزب الله، وغضبك من الغموض سيكون سبب هلاكك، لا تدع الغموض يتحكم فيك فتنكر ما لا تيقن حقيقته.

     – متى سأرحل؟

     – خلال أيام معدودة.

     – كم يوم بالتحديد؟

     – قلت لك أيام معدودة، تعامل مع الأمر بجدية.

    – حسناً، أخبرني عن العالم الأصلي؟

    – لا، لا، هو محجوب عنك الآن تماماً، سوف تراه في أوانه. سأذهب الآن، وأعود خلال أيام لاصطحابك معي. جهّز حقيبة سفرك.

    – حقيبة؟

    – إلا هذه الكلمة، لن أوضح لك مغزاها. فكّر أيها الكسول، كفاك خمولاً. وداعاً يا رجل.

     – وداعاً.

    والآن أكون قد انتهيت من خطابي إليكم أعزائي الزملاء. أخبروني: هل هذا شيطان لعين؟ أم ملاك رشيد؟

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر