الرئيسية / احدث التدوينات / الزمان المضاد للإنسان 1-2

الزمان المضاد للإنسان 1-2

محمد صالح

بقلم: محمد سيف الدولة صالح

      أدناه مجتزأ من كتابةٍ مُطولة، ما زلت أعمل على إكمالها، تحت عنوان: الزمن المضاد للإنسان. أحاول فيها قراءة كيف وصلنا لما نحن عليه الآن، كما أسعى ما استطعت لطرحِ أسئلة تُفضي بِنَا لإيجاد صيغٍ وطرائق عملية تفتح لبلادِ الأحزان الطويلة دروباً تُحقق عبر المضي فيها مستقبلاً يشبه قِدَمِها وتنوعها وعظمتها العاطرة، وكلي أمل أن تجدون في هذا المُجتزأ وفي الكتابة حين تكتمل نفعاً ما.

     أورد الفقيه محمد ود ضيف الله في كتابهِ الطبقات ص ١٧٥/١٧٤ أنَّ الشيخ حمد بن محمد بن علي المشيخي المشهور بحمد ود أم مريوم المتوفي حوالي العام ١٧٣٠م كان أذا تابَ بين يديهِ أحد الناس يأمرهُ بتركِ الربا، وينهاهُ عن مخالطةِ الغُصَّاب ( مغتصبي أموال الناس )، أو تناول طعامهم، وعدم الأكل في موائدِ المستغرقين أي الغارقين في أكلِ حقوق الناس، أو بالِعي الذِمم ( أكلي الأمانات أي كانت عامة أو خاصة )، ويعتبر الشيخ ود أم مريوم أن ذلك من السنن التي جاء بها الرسول (ص)، كما كان يأمر أيضاً كُلِ من تابَ على يديه أن لا يُزوج أبنتهُ أو وليته للفاسق؛ كالحَلافِ بالطلاقِ، والغاصب، وآكل الربا، وبنظرنا لتاريخ وفاةِ الشيخ ود أم مريوم يتأكد لننا تغلغل الربا وتفشيه في بِنى سلطنة الفونج الاقتصادية والاجتماعية، متبوعاً بفسادٍ متفشي عمَّ مؤسسات حكم الفونج، والفرق العسكرية التابعة لها، مما تسبب في قيامِ حركة رافضة لآثارهِ القبيحة، انطلق بعض هذا الرفضِ من داخل المؤسسة الصوفية ( الفُقرا ) كما أتى من غيرها، الجدير بالذكر أنَّ الشيخ حمد ود أم مريوم صاحب آراء جريئة في قضايا أُخرى منها موقفهِ الرافض لخفاضِ البنات.

      قصدتُ من إٍيرادِي لموقفِ الشيخ حمد ود أم مريوم القوي من قضايا الربا، سارقي ومغتصبي أموال وحقوق الناس ونهابَّي الأمانات العامة والخاصة، التنويه لطبيعة بعض القوى الاجتماعية التي لعبت دوراً رئيسياً في إضعافِ وتصفيةِ بنى نظام الإقطاع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لسلطنة الفونج ( ١٥٠٤م/١٨٢١م ) كما شكَّلت بطابعِها الشَره والغير ميِّال للإنتاج سبب أساسي في تفريخِ نظام شائه بديل، فبرغم مراكمةِ الطبقة البرجوازية الإسلامية لرأسمالٍ تجاري كبير إلا أن ذلك لم يتمخض عَنْهُ نظام جديد يحلَّ بديلاً لنظامِ الإقطاع القديم، وأعني بالتحديدِ نظام ما قبل الرأسمالية١، بل أدى جشعها، إضافةً لتردي الإنتاج، وهروب المنتجين بسببِ غاراتِ أمراء الحرب مع ازدياد نفوذ التجار الأجانب والاختلال الواضح في ميزانِ التجارة لصالحِ الخارج، زِد لذلك حالة الصراع المستَّعرة حول السلطةِ والنفوذ سواء في سنَّار، أو في الأقاليم المستقلة عنها، مع تحولها لبؤرِ صراعاتٍ لا تنتهي حول كل شيء ولا شيء، أدت هذه العوامل لانهيار الدولة، وكل المؤسسات المرتبطة بها من بلاط السلطان، والجيش، والضرائب، والقضاء، ووصل التردي حدَّ سقوط فكرة الدولة نَفسَها، حيث لم يتبقى حتى مجرد كيانٍ بسيط ذو نظام إداري وحدود واضحة، وانتماء يجمع أشتات نواحيه، ويعزز حِمية ورغبة الدفاع عن وجودهِ، أو حدودهِ، أو حتى مصالحهِ ضد أي عدوٍ خارجي، أو داخلي، ولقد ساعد هذا التمزق في سيادةِ مفاهيم ورؤى القبيلة والعشيرة والأسرة الممتدة، ثُمَّ أنَّ حتى هذه الأُطر التقليدية الأولية لحقت بها أعراض الانقسام والتشظي، وباتت كل مناطق سلطنة الفونج أراضي لحروبات السلطة والنفوذ، كما أنَّ التطور النسبي الذي حدث للرأسمالية التجارية لم يعصم دولة الفونج من الانهيار، وإلى ذلك أشار الأستاذ تاج السر عثمان٢ حيث أرجعهُ لضعفِ وتدني الحياة الفكرية والثقافية، إضافة لعدم تطور علوم الفلسفة والفلك والرياضيات، مما ساهم في استمرار تخلف القوى المنتجة في ميادينِ الزراعة والحِرف، كما أنعكس ذلك أيضاً على الحالةِ العقلية لإنسانِ الفونج، مما جعلهُ عاجزاً أمام كوارث الطبيعة، مثل: المجاعات، الأوبئة، الجفاف، الفيضانات، والآفات التي تُهدد الزراعة والحيوانات. ولقد أسلمهُ عجزهُ أمام الكوارث الطبيعية للاعتمادِ على كرامات الفُقرا وانتظارهُ لوقوعِ المعجزات، وفي تقديري أنَّ قلة حيلة وضعف أنسان زمان الحقبة الأخيرة لسلطنةِ الفونج أمام مهددات وصعوبات الحياة التي تسبب فيها أخيه الأنسان من غاراتٍ ونهب واسترقاق وسبي جعلتهُ في هروبٍ مستمر وبحث دائمٍ عن الأمانِ والحماية، أي كانت الوسائل مثل دفعِ الأتاواتٍ أو اللجوءِ لكنفٍ غيبي أو قبلي أو لغَيْرِه من ملاذات ولعلَّ الشواهد كثيرة نذكر منها معاناةِ قبيلة البطاحين من غاراتِ قبيلةِ الشكرية المتكررة، حدَّ فقدانهم لأراضيهم وقطعان مواشيهم، كذلك غزوات جيوش السلطنة، وبعد ذلك أمراء الحرب للممالك المسالمة رغم كونها لم تُبادر بأي عدوان ولا هددت مصالحهم وحدودهم حتى أن استهداف هذه المجتمعات الآمنة التي لا تحتكم على قوة عسكرية تحميها من العدوان وما يتبعهُ من نهبٍ واسترقاق صار سِمة غالبة ميِّزت الحقبة الأخيرة لسلطنة الفونج، مما دعى للقولِ بأنه يمكنك أن تنقل الجيوش بعيداً عن المجتمعات الآمنة، لكنك لا يُمكن أن تُبعد القرى والمدن عن طريق الجيوش.

     في تقديري أنَّ ما سيرد ذكره أدناه وفَّرَ التربة الخصبة لما توافرتَ على تسميتهِ في هذه الكتابة بالزمنِ المضاد للأنسان :

١/ التداعيات التي ترتبت على الانقلاب الذي غيِّر نظام توريث الحكم في سلطنةِ الفونج ليُطابق الطريقة العربية الإسلامية ( النظام الأبوي وهو نظام اجتماعي يحمل فيه الذكور السلطة المطلقة، ويشتمل على الألقاب الاسمية التي تمضي متسلسلة بأسماء الذكور أبن، أب، جد وعبرها يتم توريث الحكم والممتلكات من أراضي وغيرها٣، بدلاً عن النظام الأمومي٤ القديم الذي تحتكر فيه “المرأة” الأم الأدوار المركزية والسلطة الأخلاقية وتكون الألقاب الأسمية عبر الإناث بما في ذَلِك توريث الْمُلْك وغيره )، ولقد جرى هذا النظام في السودان منذ فجر تأريخه، بهذا الانقلاب انطلقت حمى الأصل العربي، وتحول الناس لطريقةِ التسلسل الإسمي للذكور، ثُمَّ بدأت معظم قبائل شمال السودان وغيرها بمناطقِ السودان الأُخرى ادعاء نقاء أصولها وانحدارها من الجزيرة العربية وتحديداً قبيلة قُرَيْش!.

٢/ انهيار الدولة واستبدال فكرتها بالأفقِ القبلي، وما جرى من تشظيات وأنقسامات في البنى الاجتماعية والسياسية…الخ لسلطنةِ الفونج والأقاليم التي كانت تابعة لها.

٣/ سيادة روح التآمر وتبديل الموافق تبعاً لمنطق القوة.

٤/ تفشي الربا بأنواعهِ المختلفة؛ عيني ونقدي، وتدميرهُ للقوى المُنتجة، وتغييره المأساوي لملكيةِ الأرض.

٥/ ازدياد نفوذ التجار الأجانب، واختراقهم لمجتمعات السلطنة المختلفة، ولكلِ مؤسساتها المتبقية سواء في سنَّار أو في أقاليمها.

٦/ ارتباط قطاع كبير من التجار، وتحديداً تجار الشمال النيلي ( المنطقة الممتدة من ديار الشايقية للجزيرة أبا ) بسلطنةِ الفور المُنافِسة التقليدية للفونج بجانب الحبشة.

٧/ انعدام الأمن، وتكرار أزمنة القحط والمجاعات، وتفشي الأوبئة، مثل: وباء الطاعون الذي أصاب السلطنة على أيامِ المانجل الكبير ودعلان ( ١٨٠٧م/ ١٨٢١م ) أضافةً لبدائية مكافحة الأمراض، والآفات الزراعية، والأمراض التي تُصيب الحيوان.

٨/ انتظار حدوث المعجزات، وإغفال أي اتجاه للبحثِ عن العوامل الحقيقية التي تكمن وراء شقاء الناس أو أسباب الظلم الواقع عليهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2/1 – تاج السر عثمان ” نشأة رأس المال التجاري في سلطنة الفونج ” الحوار المتمدن أغسطس ٢٠٠٨م .

4/3 – ويكيبديا الموسوعة الحرة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة