الظل

ايمن

      شمس الظهيرة التي ضربت الحائط الاسمنتي بزاوية جانبية، الساعة الثالثة، جعلته يصنع ظلاً مائلاً، تحت هذا الظل ظهر تكوين ظلي أخر من رأس ويدين، كان هذا ما قد ظهر من انعكاس الولد الجالس تحت ظل الحائط، ممسكاً بيده خرطوش المياه ومراقباً الشجرة المتمايلة الساق والرقراق الألماسي المتناثر على صفحة الماء، حركت الريح الباردة ذلك الساق النحيف لشجرة ذقن الباشا مرتين، سقطت لتوها نوارة من الشجرة، كان هذا الحدث أبدياً، ولم يكن ليعكر صفو تلك اللحظة وذلك الشرود شيء عدا نظرته التي اتجهت نحو ظِله الذي تحرك، هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل ما حدث، تحرك انعكاس يده ممسكا بساق الشجرة، وكرد فعل لذلك لم يتمالك نفسه والتفت للخلف حيث الحائط الإسمنتي العالي الحار، فمن غير المتوقع أن يتسلقه أحدهم ليعبث به، أرجع نظرته للظل الذي تحرك من غير أصل ثم انتابته نوبة فزع، لا يوجد أحد هنا غيري ، هذا الشيء يخصني.

     لم يكتف الظل بتلك الحركة السخيفة لليد، بل تحرك مكانه كاللص، ملتفتاً للخلف، كأن كل شيء واضح من خلال الرسم الرمادي له على الأرض. مشى متتبعاً رائحة بخور أزواج جدد تنبعث، تتبعها ثم تسلق حائط جيرانهم، من حسن حظ الظل أنه لن يُصاب بالخدوش ولن يحدث صوتاً، كان الظل الوحيد الذي تمرد على صاحبه و انتزع دهشته.

     بقي صاحب الظل جالساً دون أن يحرك يديه ليعترض، دون أن تحدث منه أي بادرة، وكأنّ اللحظة الزمنية بين تحرك الجسد و الظل صارت عدة سنوات.

     انطلق الظل بخفة متشبثاً بالفراغات بين طوب البلوك الإسمنتي، واضعاً أصابع قدميه في تلك الفراغات وعندما صار في الأعلى التفت ناحية الجسد الجالس بوضعية الحمام ومحملقاً، دون أن ينبث ببنت شفة.

     تفاجأ الظل بالمرأة الراقدة على الفراش، كانت قدميها ذات اللون النحاسي المخضوبة بالحناء والخالية من الشعر شهية، انزاحت ( القونيله ) لأعلى ليظهر فخذها الذهبي وقد مررت عليه الشمس خيطاً صغيراً من أشعتها الباردة، تحركت أصابع قدمها المخضوبة بالأسود كمن تَحلُم.
لم يكن صدرها المكشوف والباذخ هو من تحرك فقط في تنفسها الأشبه بالأنين، بل تحرك خصرها بأكمله من نصفه المتخفي وحتى أخره، كانت قدميها متكئتان علي بعضهما، تلوذان بما تخبئان بصمت دون أدني ظل.

      حاول الظل الجلوس عند طرف السرير، عند قدميها، في البدء حاول لمسها وفشل، فمد يده ناحية شفاهها الحمراء، أحس بسخونة اللون، بنفسها الحار، بخديها الناضجين وبرائحة الدخان المنبعثة من مكمن قدميها، برغبة الدِلكة العارمة، من العطر الذي يفوح من وراء أذنها، أذنها التي تنغرس في ذؤابتها حلق فضي صغير، تلك الطعنة التي عند نهاية الالتفاف تستحق العض، لكن الظل لم يكن ليملك أسنان. تابعت تنفسها العميق الساخن الأقرب لعواء ذئبة جائعة، من ذلك الأنف المقروط بذمام لا حول له ولا قوة ، شيء وحيد فقط تمناه الظل لحظتها لو أمسك بيدها، لو حرك ذلك الجسد المطبق على ظله من تحت الظل الأعظم لشجرة المانجو.

     لو فقط تحسس يدها، نحرها المدور كقنينة شراب مسكر، أصابعها الرابضة كلبؤات صغيرة، عروقها الخضراء التي تدق في رقبتها، وانخفاضها المتحرك مع كل نفس، ودّ لو مرر أصابعه من عظمي عنقها وشتتها في الأرجاء، لو دسها تحت كتفيها الدائرين وشرع في حركة إزاحة، ماسحاَ بشفتيه ثنيات جسدها.

     لكنه ليس سوى ظِلُ، ظِلُ ينتظره جسد بالخارج بكامل تعقيداته، فالجسد الذي بجواره، بحرارته المتقدة، بلدونته، بقطرات عرقه المتوزعة، لم يكن ليحلم به قط، لحظه السيء كانت الشمس كلما تمددت صار أصغر بجوار جارتهم النائمة، أسرع وقتها ليتسلق الحائط ليلحق بالولد، وقتها تفاجأ كل من الولد المتسلق الحائط باحثاً عن ظله والظل المتسلق الحائط باحثاً عن جسده، لينتبها للمرأة وهي تفتح ساقيها ليتحرك ظلها متشبثاَ بكلاهما، الولد وظل معاً.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان