الرئيسية / احدث التدوينات / الفن .. لغة للإنسانية

الفن .. لغة للإنسانية

ن

| اللوحة للفنان المغربي عبد الإله الشاهدي

الحوجة الملحة بين بني البشر لخلق وابتداع الية للتواصل كانت ولا زالت اولوية كبرى تحكم حياتهم هذا التواصل , والذي أظهر الانسان براعة وذكاء خارقين في اختراعه , ظل السلاح الاخطر ذو الحدين القادر على التحكم بصورة مباشرة وغير مباشرة في كافة مناشطهم الحياتية .

اخترع الانسان القديم مزيجا من الاصوات المتداخلة محاولا التعبير عن حاله فرحا وحزنا ، هدوءا وغضبا ، استكانة وخوفا ، ومرت هذه الاصوات بالكثير من التطور الذكي لتخلق سلسلة من الحروف والرموز المكتوبة والمنطوقة ، واحال الانسان هذا النسيج الرائع في نهاية الامر الى الوف مؤلفة من اللغات بقواعد كتابية ومنطوقة ضبطت هذه اللغات وجعلت تداولها مضبوطا من جيل الى جيل .

ببراعة مشابهة تمكن الانسان من الارتقاء بطريقة تواصله مع الاخر من بني جنسه وصنع نسيجا جديدا اشد قدرة على جذب البشر تحت مظلته وهو نسيج المجتمع بعلاقاته المتداخلة وتركيبته المعقدة جدًا التي تبدأ من اسرة صغيرة وابناء وتنتهي بمجتمع ضخم يحوي بداخله تنوعًا كبيرًا في العلاقات من جيرة وصداقة ونسب ومصاهرة وغيرها .

واستمر الانسان ببراعة مطلقة في ايجاد وسائل اشد قدرة على اذابة الاختلافات بين هذه المجتمعات المختلفة وسائل اكثر قدرة على تخطي حاجز اللغة التي وبالرغم من ان الانسان قد قام باختراعها لبناء جسر للتواصل مع الاخر الا ان تنوعها واختلافها خلق حاجزا بصورة او بأخرى بين بني البشر و الحيلة الاكثر ذكاءا هذه المرة في كسر كل هذه الحواجز كانت ” الفن ” بكافة اشكاله والوانه .

عرفت وكيبيديا الفن على انه : ( القدرة على استنطاق الذات , بحيث تتيح للانسان التعبير عن نفسه او محيطه بشكل بصري او صوتي او حركي , ومن الممكن استخدامها لترجمة الاحاسيس والصراعات التي تنتابه في ذاته الجوهرية , وليس بالضرورة تعبيرا عن حاجته لمتطلبات حياته اليومية رغم ان بعض العلماء يعتبرون الفن ضرورة حياتية للانسان كالماء والهواء والطعام. )

ومهمة الفنان بحسب ” شلوفسكي ” :

” ان الناس الذين يعيشون على الشواطئ سرعان ما يتعودون على هدير الامواج حتى انهم لا يحسون بها ولا يسمعونها عادة ولنفس السبب فإننا لا نكاد نسمع كلماتنا نفسها. وننظر الى ما نألفه فلا نراه.. ومن هنا يضعف احساسنا بالعالم ومهمة الفنان محاربة هذا الروتين “

لذلك كان الفن ومنذ اختراع الانسان له كوسيلة تعبيرية منفذًا للعالم الكبير بداخله ومعبرًا لكل ما بداخله من افكار واحاسيس ورسائل من الضرورة بمكان ايصالها للآخر بصورة او بأخرى إذ وجد الانسان في الفنون ملاذا وبوابة ومنبعا .

فعبر الفن تمكن الانسان من التعبير عن احتياجاته الاساسية من غذاء ومسكن وملبس فمنذ عصر الانسان القديم شهدت الجداريات التي قام بنحتها عددا هائلا من القطع الفنية التي روت تفاصيل حياته اليومية من صيد الحيوانات وطبخها للغذاء والاستفادة من جلودها للكساء وكحال كل اشكال الفنون مرت هذه الجداريات بالكثير من التطور من حيث الادوات المستخدمة فيها وطريقة العرض وشكل المحتوى المعروض .

وعبر الفن ايضًا اصبح الانسان قادرًا على مشاركة القضايا الاساسية التي تهم بني جنسه كالحرية والعدل ونبذ الحروب والاستعباد والعنصرية عبر شريحة كبيرة جدًا من انواع الفنون المرئية والمسموعة والحركية .

و بالفن نجح الانسان في تحقيق الغاية الاساسية التي من اجلها قام باختراعه وهي كسر حواجز التواصل بين البشر وما كان من الفنون بمختلف انواعها الا ان اذابت جليد هذه الاختلافات متخطية عقدة اللغة واللون والهوية .

بصورة عامة نجد ان كافة اشكال الفنون مهما كان نوعها تتفق في ضرورة الواقعية والموضوعية والنسبية حتى تتمكن من ايصال الرسالة الكبرى التي تحملها بين طياتها .

فالفن الاكثر مماثلة ومطابقة للواقع اكثر قدرة على نقل الرسالة لأكبر شريحة ممكنة من المتلقين ، والفن الموضوعي المبني على تجارب الانسان العملية اكثر عملية في التعامل مع القضايا المتضمن لها والفن القائم على النسبية ومحاربة الحقيقة المطلقة هو الاصدق دومًا والاقرب لعقل وقلب المتلقي .

قسم الفن قديمًا الى سبعة اقسام وبتتالي الابحاث والدراسات تم دمجهم في ثلاث اقسام رئيسية وهي :-

الفنون التشكيلية : مثل الرسم والتصوير والخط والهندسة والتصميم والنحت والفنون التطبيقية والاضواء .

الفنون الصوتية : مثل الموسيقى والغناء وعالم السينما والمسرح  والاعلان والشعر والادب .

الفنون الحركية : مثل الرقص والرياضة والتمثيل الصامت والمسموع وغيرها .

حصر الفنون في قوالب واشكال وقوانين معينة هو أخطر وأسوا ما قد يتم ممارسته ضد الفن وضد الشخص الممارس او المتلقي للفن لان الفن هو وسيلة لاكتشاف الانسان نفسه ومحاولة فهمه ومن ثم التعبير عن هذه الاشياء بصورة يسيرة وسهلة الفهم للمتلقي بعيدًا عن كافة حواجز اللغة والدين والهوية ؛ لذلك نجد ان الفن هو شكل نوعي من اشكال الوعي الاجتماعي والنشاط الانساني ، يعكس الواقع في صور فنية وهو واحد من اهم وسائل الاستيعاب والتصوير الجمالي للعالم .

والفن كحال بقية الادوات التي لجأ اليها الانسان بغية التواصل مر بالعديد من التطورات الجبارة والملحوظة جدًا ، ومن الصعب بمكان تحديد بداية كل شكل من اشكال الفنون المختلفة تاريخيًا الا ان المتذوق لها والمتابع لتطورها يلحظ بقوة براعة الانسان في تطوير وسائلة مستفيدًا من كل الموارد التي توفرها له بيئته ، فإنسان العصر القديم كان يصطاد الحيوانات ليستخدم قرونها ودماءها في نحت قصة قصيرة لتفاصيل يومه على جدران الكهوف الأمر الذي استطاع انسان العصر الحديث تنفيذه بالرصاص والحبر على ورق وهو نفس الامر الذي يستطيع انسان العصر الحالي تنفيذه بكبسة زر على هاتفه الذكي او كمبيوتره المحمول .

وبرغم الاختلاف الكبير في اشكال والوان الفنون بين الشعوب المختلفة بل بين المجموعات الصغيرة في نفس الحيز المكاني والجغرافي الواحد الا انها مظلة كبيرة تضم بداخلها الانسان بصورة عامة مهما كان جنسه ، عرقه ، لونه أو ديانته .

جداريات الهند والصين العظيمة ، موسيقى افريقيا الصاخبة والوانها المفعمة بالحياة ، كلاسيكيات الغرب الادبية والروائية تشترك جميعها في كون انها ادوات وسلوكيات متشابهة مارسها الانسان برغم اختلافه عن الاخر دينيا وثقافيا وجغرافيا لكنه وجد فيها منفذًا للتعبير بصورة سلسة تمكنه من ايصال فكرته وحاله والقضية التي تهمه للآخر بصوت اشد وضوحًا وبصدى مضاعف .

وتأملنا لسلوك الانسان في اختراع وممارسة وتطوير الادوات الفنية بمختلف انواعها واشكالها يضعنا بوضوح امام حقيقة ان اختلافات بني الانسان في طرق تطبيقهم لنفس السلوك المتشابه (اختراع الفن مثالا) ما هو الا دليل ضخم وواضح جدًا على وحدة الانسان في كل مكان وزمان وان الاختلاف الظاهر في خارجه يخبئ في باطنه وسيلة عظيمة لتجاوز الخلافات التي خلقها هذا الاختلاف.  

محاولتنا للمس واستشعار الجمال في هذا الاختلاف اخذين في الاعتبار ان جوهره ليس سوى وحدة انسانية حقيقية هو مدعاة لتقبل الاخر واحترامه وتقديره واخذ اختلافه عنّا وهو يمارس نفس السلوك الذي نمارسه ويتفاعل مع بيئته ومحيطه نفس التفاعل الذي نقوم به على اساس انه اختلاف حميد وطبيعي بسبب اختلاف بيئاتنا جغرافيا زمانيا وثقافيا .

تعاملنا الناضج مع هذه الاختلافات في تطبيق نفس السلوك البشري هو معبرنا نحو وحدتنا الانسانية وسلاحنا الفعّال للتغلب على تبعات هذا الاختلاف وتجاوز ادارة البعض لها بصورة عشوائية رافضة وغير ناضجة وتلافي الضرر المترتب على استمرار محاربتنا الطاحنة لاختلافنا عن بعضنا بصورة مؤذية لبعضنا البعض .

عن تقوى سامي

mm
طبيبة وكاتبة ومترجمة من السودان