المّسِيد

عاطف

بقلم: عاطف جمال

      في غسقِ الدُّجى، وقبل أن يبدأ القمر الذي يبدو كقوسٍ صغير في جدار السماء بإرسال خيوطه، سمعنا صوت الشيخ الجهور يحطّم صمت الليل، وجدار الغرف المتراصة يوقظنا، لنواصل في قراءة و تلاوة سورة يس التي قطعنا فيها شوطاً طويلاً قبل أنْ نمدد أرجلنا في الفراش وننام.

     سورة يس هي راتبنا اليومي، نبدأُ بها يومنا وننهيه بها أيضاً، نحفظها عن ظهر قلب، ونتلوها معاً، صغارنا و كبارنا؛ نقف في حلقةٍ كبيرة يتوسطها الشيخ ثم نبدأُ في قراءتها دون أن نتوقّف إلاّ إذا أمرنا هو بذلك. حين ننتهي منْ تلاوتها، نقوم بإعداد ألواحنا الخشبية التي صنعت من أشجار المهوقني أو أشجارٍ أخرى، وعندما ننتهي من تجهيزها نسمعُ من بعيد صوت الآذان ينادي مؤذناً بميقات الفجر، يفعل ذلك مسرعاً خوفاً من أنْ يسبقه الديك بصقاعه؛ أعتقد أنّ المؤذنين والديوك يتنافسون هكذا منذ الأزل، وغالباً ما يخسر الديوك المعركة.

     الصخْب والشمس يحيطان بنا من كل الجوانب، نرمي بالآيات التي قرأناها ليلة الأمس والشيخ يجيب علينا كلٌ على حده، سورنا وآياتنا التي نرميها عليه في أجزاءٍ مختلفة من القرءان، لكنّه يجيبنا دون أن يُخطئ، لا أدري كيف يفعل ذلك!

     عندما تدُّق الساعة الثامنة فجراً كل يوم، نتوقّف ونُلقي بكل شيء جانباً؛ ألواحنا ومصاحفنا ثُمّ نذهب بعدها لنأخذ قسطاً من الراحة، ولنبلل حلوقنا التي أرهقها الصراخ. الصراخ الذي نُحدثه عندما نرمي بآياتنا للشيخ فيسمعها ويُجيب علينا. ساعتان كافيتان لهم قبل أن يبدأوا بإعداد الفطار، لكننا المقيّدون بسلاسل في أرجلنا نأخذ راحتنا حتى الظهر.

     بعد أنْ تنقضي صلاة الظهر، نعيدُ ما نفعله كل يوم، نتجمعُ كجوقة حول الشيوخ ثُمّ نبدأ في مذاكرة ما كتبناه الفجر، وعندما نشعر بأنّ هذه الآيات قد رستْ في رؤوسنا وقلوبنا نذهب إلى الشيخ لنستذكرها أمامه. هذا ما يحدث عادةً وإنْ لم نستطع، ينظر إلينا الشيخ بعينيه المحمرتين كلهب تسلل من الدرك الأسفل في النّار واستقرّ فيهما فيُخيفنا ويجعلنا نقرأ ونُركّز أكثر مما تتحمله قوانا.

     ها هو يجلس على كرسيه كملك متوّج من قبل الإله، وينظر إلينا بازدراء، نظراته تثير فيّ اليأس والخوف، لا تخيفني تلك النظرات لوحدي بل جميعهم يشعرون بذلك الشرر المتطاير من عينيه، خاصةً عندما يقوم ويتمشَّى بيننا، وقتها تخرج الأصوات من أفواهنا كشظايا لهب فتحرقنا دون أدنى رحمةٍ منها، ونصرخ دون درايةٍ بما ننطق. ذاك يصرخ بملء الدنيا كلها ويتمتم بآياتٍ من سورة الأحزاب، وذاك الصغير يحاول أن يتذكّر الحروف التي يجب عليه أن يحفظها عن ظهر قلب، ثُمّ ينتقل إلى معرفة حركاتها من: فتحة، وضمَّة، وكسرة، وشدّة، و ها هو يصرخ “ب شدّ فتحة، بي شدّ كسرة و بْ سكون”.

     أنظر إلى ذلك الصغير الحزين الذي يبدو شاحب الوجه، بائس النظرات، قليل الكلام، أشبه بالبكم ولبرهة تظن أنّه لم ينطق أبداً، لم يعطي الحياة شيئاً، ولا يتوقع منها شيئاً. لا يرفع وجهه عنْ مصحفه ولا ينظر ليرى النّاس، أظنّه يشعر بالعار مما حدث له من ملامسة حميمية مع قريب الشيخ في الأيام القليلة الماضية.

     لم يعاقبهم أحد على تلك الفعلة، رغم انتشار الخبر بيننا جميعاً، حتّى الشيخ أيضاً سمع ذلك لكنه لم يحرك ساكناً. ربما أصبح هذا الفعل شيئاً عادياً ولذلك لم يُعاقبهم أحد، وربما يخاف على ابن أخيه من الفضيحة لذلك لم يسألهم.

     الوقت يتحرّك ببطء ويبدو كامرأة في شهرها التاسع من الحمل؛ نتمنى مروره سريعاً حتى يأتي العصر فيتسنّى لي بأن أتوسّد يداي وأنام قبل أنْ يحل موعد الغداء، فتعود إليّ لياقتي وأستطع مصارعة هذه الثيران البشرية لأحصل على عدد غير كثير من لقيمات عصيدة الذرة؛ كلما بلعتْ حلقي قطعة منها تذكّرت طعام أمي، هنا نأكل وكأنّ غداً نهاية العالم، وحينها لن نجد شيئاً لنأكله، لا نتذوّق الطعام بل نبتلعه بأحجاره فليس من حقنا أن نسأل عن ماهيته وطعمه، فقط علينا أن نأكل لتمتلئ بطوننا الفارغة.

     إنّهم جميعاً ينظرون إليّ ثم يشمُتون، لا لشيء سوى لأنّي حاولت أن أخلّص نفسي من هذا القيد بالهروب، الشمت بائنٌ في أعينهم، حتى ذلك الصغير الذي أتى مع أخيه الأكبر لأول مرة يضحك مشمئزاً كُلما رآني أتململ من ثقل هذه السلسلة التي أثقلتْ جسمي وحولتني إلى مقعدٍ لا يُحرك جسده إلاّ بإذن من الشيخ. إنّ الإنسان لا يشعر بآلام الأخرين ويقّدرها إلاّ حين تصيبه ذرة منها.

     أخي الأصغرْ أيضاً يحاول أن يختلس النظر ويشفقْ على حالي الأليم، وعندما أنظر إليه يعود مسرعاً نحو مصحفه الممزق، ثُمّ ينهمك في القراءة حتّى يحس الناظر إليه بأنّ حلقه قد يبس من فرط الأصوات التي تخرج منه، يحرك قطعتا تمر في يديه ببطء، وفي كل مرة يحاول رميهما تجاهي يراه الشيخ فيدخلهما في جيب جلبابه الممزق والمبّقع بمئات البقع الصغيرة، البقع التي نتجت من “الدواية” عندما كان يكتب في لوحه الخشبي، لا أدري من أين أتتْ فكرة “الدواية”، ولماذا يستخدمون اللون الأسود الناتج من بقايا الفحم بعد سحنه وتحويله إلى دقيق فحمي، ثم يمزجونه بالصمغ من أجل أن تتماسك تلك الحبيبات السوداء، ويزيدُ من مفعولها عندما تلتصقْ باللوح الخشبي الذي تحول لونه إلى الرمادي بفعل الرماد الذي يُغسل به بعدْ كل صفحة أو ثمُنٍ من القرآن تكتب فيه. كنتُ أستغرب وأسألهم في بداية أيامي عن السبب الذي يجعلهم يستخدمون هذه الأدوات بدلاً عن الكراسات وأقلام الرصاص كما كُنّا نفعل في المدرسة، ولكني تكاسلت بعدها حين تمّ تجاهلي ولم أجدْ الإجابة.

     لم أجد بُداً من شتيمة الشيخ في سرّي، وفي صميم أعماقي، فهذه المآسي، والقنوط الخانق والآلام القاهرة التي أمر بها لا يسعني التغلّب عليها إلاّ عندما أشتم ذلك الذي يتسبب فيها، لكنّي بالمقابل أرمي كرامتي كإنسان كما يُرمى قناع المسرح، وأستسلم للفجور أوسخه، وللرذيلة أحطّها، وألفظ أنفاسي أخرها. عادةً ما أبرر هذا الانحطاط بأنّ النّاس جميعاً يفعلون ذلك عندما يمرون بمثل هذه المآسي.

     نعم أنا أتعذّب من نظراتهم الشامتة ولكنّي أتلذذُ بها، وأستمتع بكل لحظة أراهم ينظرون إليّ فيها، فهذا دليل على اهتمامهم بي وذلك يشعرني بالسعادة؛ يا لها من تعاسة عظيمة عندما تعلم بأنّ الناس لا يهتمون بك ويلقُون إليك بعض الأسئلة التافهة. لم أشعر أبداً بالاهتمام من قبل، حتى أنّ والدي لا يعلم تاريخ مولدي؛ حين سألته في ذلك اليوم أجابني بامتعاض وضجر: “لماذا أهتم بموعد مولدك؟ فأنا يجب عليَّ أن أهتم بأشياءٍ أهم منك، كأنْ أعرف عدد سياراتي، والبضائع التي تدخل متجري وتخرج منه؛ موعد مولدك يجب أن تهتم به أمك.”

     نعم بالفعل أبي يعلم أسعار كل الأشياء التي يملكها، بل حتّى انّه يعلم أسعارها في الأعوام الماضية أيضاً، ولكنّه لا يملك فراغاً في ذاكرته ليتذكّر موعد قدومي إلى دنياه، ألم أقلْ لكُم كمْ هي سعيدة تلك اللحظات التي تشعر فيها بالاهتمام وتستلذّ بألمك لوحدك، وتزداد تلك السعادة كُلما رأيت الذي تسبب في عذابك يستلذّ بها أيضاً؛ وتزداد أكثر عندما تراهم جميعاً يستلذون ويستمتعون بها، ذلك يشعرني بالفخر من نفسي وأحس بأنّي قد قدمت شيئاً مفيداً للإنسانية، وأنجزت وصية عمي التي كان يقولها لي دوماً: “لا تترك الدنيا إلاً حين تعلم أنّ البشرية قد استفادت منك؛ أنا فعلاً سعيد لأنّي جعلتهم يشعرون ويستمتعون بلذة ومتعة الحياة في عذابي.

     أشعر بأنّ الحروف والسور التي أقرأها مجبراً لا تُمثّل لي شيئاً سوى كلمات عابرة، كلمات أحفظها لأخلّص نفسي من نظرات الشيخ، وأحياناً ضربه المبرح. كنت لأستمتع بها أكثر إنْ لم تكنْ هذه السلسلة التي تقيّد رجلاي كشاةٍ يخاف عليها صاحبها الطيش والهروب إلى مزارع جيرانه. قلت له عندما سألني عن سبب هروبي:  “نمارس الهروب والطيش عادةً لأنّ الله خلق لنا الأرجل لنبحث بها عن حريتنا المفقودة.”

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة