الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء:سمفونية الطبيعة

بريد القراء:سمفونية الطبيعة

najeb-belokha

معاذ احمد أبو القاسم

حلّ الخريف؛

الشمس تُرسل أشعتها الدافئة مُعلنةً بداية يوم جديد، توقظ النباتات من سبات عميق، من ليلة مليئة بالكوابيس، فالكل على حافة الموت؛ قد يتم إلتهامه في أي وقت وينتهي الأمر. تستقبلها بصدر رحب، بحب؛ تتفتح بشرتها، تكتنز قامتها، فتتمايل بخيلاء مع نسيمات الصباح.

الأرض تخلع عنها ثوب الصيف العابس، الشاحب، وتستبدله بالخريف المُشرق، متعدد الألوان، إمتلئت المروج بالزهور، الورود الحمراء كأحمر الشفاه، الورود البيضاء كفستان زفاف، وكانت هي (الأرض) عروس هذا الحفل.

طائر السمبر فوق عُشه قائماً يُصلي: يُصفق باجنحته، يضرب بفكيه مُصدراً تكبرات لله، ساجداً تارةً و رافعاً رأسه لأعلى تارةً أُخرى، العصافير على الأغصان تعزف لحن الشقشقة.

على حين غفلة تأتي غيمة وتتسمر في الأُفق، تنضم لها أخواتها -يُحبون الشمارات جداً؛ على كل وآحدة أن تحكي ما صادفته في رحلتها-، تبدأ إحداهن في قص ما حدث لها: في إحدى الأنهار العزبة كنتُ ألهو مع أصدقائي المائيين، تجدنا نتراقص مع خطوط الشمس الأولى، نتوهج، تُحركنا الرياح يمنة ويُسرى، لنُشكل موجة تعلو و تعلو ثم تتكسر عند الشاطئ، لنُعيد الكرة من جديد، هكذا نحنُ، نُحب اللعب، المرح، لا نكل ولا نتعب أبداً.

كانت درجة الحرارة مرتفعة عند المسطحات المائية في هذا اليوم، حالة من الهيجان بدأت تدب في دواخلنا، شيء ما يحاول تفكيكنا، الكل يصرخ، يستنجد بأخيه المائي، لكن في تلك اللحظة لم يكترث أحدٌ بأحد، الكل يقول نفسي نفسي، الكل يُحاول الهرب والنجاة بقدر المستطاع، كنتُ في واجهة الهجوم لذلك لم تكن هناك طريقة للفرار، وبإصرار جنديّ مصمم على الفوز تقدمت للأمام مع أصدقائي، إلا أن سلاح العدو كان فتاكاً، أسلحة لم نسمع بها من قبل في الأخبار الصباحية؛ تساقطنا أشلاءً، بدأت جُزيئاتي تتفكك، بدأتُ أفقد شكلي المُعتاد، ماهذا ؟! أهي قنبلة ذرية أم ماذا ؟، وقبل أن أُكمل هذه الأسئلة كنتُ قد تحولتُ لشكل آخر(غازية)، وبدأت أرواحنا في الصعود لأعلى. أيقنتُ حينها أنني أخيراً سأذهب للجنة التي طالما حاولت تخيلها عندما يُخبرنا بها إمام المسجد في خطبة الجمعة؛ فأنا لم أرتكب منكراً في حياتي. عند إرتفاع معين بدأت درجة الحرارة تنخفض شيئاً فشيئاً، إلى أن تحولتُ إلى قطرة ماء من جديد، لا أدري إن كانت هي الجنة أم لا، لكن يبدو أنه كُتب لي الخلود؛ ها أنا أستعيد شكلي. وجدتُ هناك العديد من المائين، وسرعان ما وجدتُ لي أصدقاء إنضممتُ معهم، لحظات و أتتنا التيارات الهوائية وبدأت في مُداعبنا من جديد، ثم حملتنا معها وأتت بنا إلى هنا.

عند تلك اللحظه بدأت الجزيئات في الإتحاد من جديد، كونوا جسداً واحداً، وبدأ يكبر حجمه شيئاً فشيئاً.

تتزاحم الجزيئات، تثقل، خيط من النور الخاطف يشق السُحب، تضيء، يتبعها دوي رعد مُرعب. شوق عارم يصيب ذلك السواد، يعتصر قلبه، تصيبه عدوى البُكاء، و تبدأ دموعه في الإنهمار -تقول تلك القيمة في سرها: يبدو أنني لم أدخل الجنة بعد-؛ تعانق الأشجار، الأعشاب الصغيرة، حبات الرمل. الأغنام في الحظيرة يُحاولن الإحتماء ومداراة أجسادهن من المطر تحت سقف ما؛ في الغالب هي مظلة من الحصير المهترئ الذي هتكته الشمس، -أب كرنكي- وآقفاً على أقدامه يستقبل حبيبات الماء، غير آبه بها أو لنقل أن ليس له سبيل آخر. المنازل تتملص من ذلك الرسول وتحاول تفريغه عبر -السباليق- فهي لا تطيق هذا الحِمل الثقيل، المؤدي إلى هلاكها.

تتمايل الأشجار بزعر جراء العاصفة الهوجاء، الأمطار تتساقط على أوراقها كدرويش غرِق في حلقة ذِكر، يضرب دون وعي منه على نوبته بإستمرار، منساقاً خلف ذلك اللحن العميق. كانت الأمطار تعزف لحنها الخاص على تلك الأوراق.

النمل يعمل جاهداً مُحاولاً تخزين قوته وتأمين ما يكفيه خلال فصل الخريف، تتسرب المياه داخل الأرض ليخرج -أبوالجندي- ساخطاً يقفز هنا وهناك مُحاولاً الدخول في إحدى شقوق المنازل التي لم تصلها المياه بعد، منتظراً غروب الشمس ليمارس صراخه الليلي في محاولة لتفريغ سخطه.

تتوقف الأمطار؛ يخرج الأطفال من القرية حاملين آمالهم بيومٍ مليء بالبهجة والسرور، كلٌ يأخذ مكانه تحت شجرة النيم العريقة، ينخرون طين الأرض صانعين به العديد من الأشكال.

تنجلي السحب وتتلآشى عن الأفق، تظهر الشمس من جديد وتكشف الغطاء عن وجهها، تزحف ببطء عبر بساط السماء الأزرق، تُصاب بطلق ناري بواسطة قذائف الليل الذي بدأ يعيد سيطرته، تنزف دماً أحمراً، أصفراً، تلفظ آخر أنفاسها وتدخل في سباتٍ عميق.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة