الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: تيسا هادلي: الكاتبة الّتي تؤجّل الكتابة للقيام بمهامّ الحياة اليوميّة وتجد فيها الإلهام

ترجمات خاصة: تيسا هادلي: الكاتبة الّتي تؤجّل الكتابة للقيام بمهامّ الحياة اليوميّة وتجد فيها الإلهام

علي

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

«أفضل أفكاري تأتيني في الحمام»

      هذا هو الوقت من السنة الذي أنسى فيه أن لدي يوم للكتابة؛ لم أنسه ذهنياً، ولكني نسيته جسدياً، جسدي الذي ضاع في إيقاع الآخرين: المهام المنزلية، والأسرة، والأبناء، والأحفاد، والآباء والأمهات، وحب الاختلاط، والتخطيط؛ إن الكاتبة بداخلي تنتظر على أهبة الاستعداد، هذا هو ما أريد قوله وإن كان مبتذلاً؛ أحب تلك الصورة التي تستحضرها عبارة «على أهبة الاستعداد»، إنها صورة الذات الاجتماعية التي تقوم بعملها بصخب، وعلى نحوٍ مبالغٍ فيه، على خشبة المسرح الإيمائي مع ستارة ملونة في الخلف وملحقات المسرح القديمة المألوفة: شجرة عيد الميلاد، وكومة الهدايا، و الطاولات الممتلئة بالطعام مراراً وتكراراً، والجميع يرتدون نفس القبعات الورقية القديمة التي ارتدوها العام الماضي؛ وفي خضم كل هذه الضوضاء والضحك والأحداث المثيرة (تلك المشاجرات المتوقعة ثم التصالح والبكاء) نلمح ذات أخرى صامتة تتجول وراء الكواليس بصبرٍ إلى حدٍ ما، إنها نوعٌ من الطيف في فن التمثيل الإيمائي، ، حيث تنتظر تلك الذات أن تعود إلى نوع مختلف من العمل.

     لسنواتٍ طويلة قبل حتى أن تُنشر كتبي، كنت أكتب وأكتب دون «إنتاج عمل واحد تدب فيه الحياة» كما يقول الشاعر «جيرارد مانلي هوبكنز»، ويا لها من كلمات رهيبة ورائعة في الوقت ذاته (« لماذا يجب أن تذهب خيبة الأمل بكل مسعايّ؟»)،  لقد كانت تلك الذات الخفية التي تنتظر على أهبة الاستعداد شخصية تلازمها الوساوس، شخصية هاربة وخجولة؛ لم أستطع الكتابة ولم أستطع أيضاً التوقف عن الكتابة؛ ومن الغريب وغير المفهوم أنه إذا لم أتمكن من الكتابة فإن حياتي الأخرى: تلك الحياة الحقيقة، لم تعد حقيقة تماماً هي الأخرى؛ فقد تبين لي أن هاتين الذواتين: الذات المؤدية وظلها لا تنفصلان؛ فكل منهما تحتاج إلى واقعية الذات الأخرى حتى تصبح هي ذاتها واقعية.

     أعرف بعض الكتاب الذين يستغرقون في الروايات التي يكتبونها, حتى أنهم لا يتوقفون عن التفكير فيها كل وقت، فهي تستولي على تفكيرهم وتمتلكه حتى تكاد تبتلع حياتهم  اليومية الأخرى؛ ولكن الأمر ليس على هذا المنوال تماماً بالنسبة لي؛ بالطبع عندما أكون في خضم الكتابة والعمل في رواية أو قصة يومياً أفكر فيها كثيراً حتى تسيطر على تفكيري؛ ففي الحمام كانت تأتيني أفضل الأفكار، أو في السرير بعد أن أطفئ الضوء مباشرة، عندها أشعل الضوء مرة أخرى ـــــ عذراً ــــ وأخرج من السرير لجلب دفتر ملاحظاتي؛ وليست هذه عادةً أفكار تتعلق بالكلمات، أو الصور، وإنما أفكار تأتي لتشكل الأحداث المحتملة، أو الضرورية التي تحدث للشخصيات؛ فثمة لحظة حالمة تأتي فقط قبل النوم لتوقد الحماس داخلي، عندما تكون المخيلة خصبة خاصةً في التنبؤ والتوقع والشعور بالأحداث المناسبة واحداً تلو الآخر: ماذا ستفعل الشخصية بعد أن حدث ذلك؟ ماذا سيحدث لها بعد أن اكتشفت؟ ماذا سيحدث في هذا المشهد القادم؟

    ذات مرة تركت مسودة روايتي بمفردها لبضعة أيام، وتوقفت عن التنقل داخل فضاءاتها من الاحتمالات؛ إن الرواية غير المكتملة تبدو كما لو أنها غرفة مغلقة داخلي، فبينما أقوم بمهامي الحياتية الأخرى أكون على وعيٍ بتلك الغرفة ولكني لا أفتح ذلك الباب المغلق والقي نظرة إلى الداخل؛ وإن كنت احتفظ بمفتاحها في جيبي وألمسه بأصابعي في بعض الأحيان لأذكر نفسي؛ حتى يأتي ذلك اليوم: اليوم الذي لا يلاحظه سواي عندما أجلس مرةً أخرى لأكمل روايتي في نهاية الأمر، عندها يساورني شعور بالذعر الشديد، ففي البداية يُهيَّئ لي أن شخصاً آخر هو الذي كتب هذه الكلمات وهذه القصة، فأنا أتذكر بالكاد ما كنتُ قد كتبته قبل توقفي عن الكتابة؛ وعندما أقرأ الرواية بعد أن ابتعدت عنها أجد بعد تلك الفترة الفاترة من الانفصال عن الرواية أنها غير مناسبة تماماً: وأنها رواية غثة ومملة أو ليست ناضجة أو أنها بدائية وزائفة.

     ولكن لنفترض أن الأمر على ما يرام، وأنني عندما أبدأ في الرواية من حيث توقفت سأبدأ من جديد بنشاط وحماس؛ إنني أكتب على منضدة صغيرة في غرفة النوم، فأنا أخاف دائماً من أن يؤدي تخصيص مكتب للكتابة إلى طمس شرارة الإبداع التي يبدو أنها تعتمد على العشوائية, والأساليب غير التقليدية، واللامبالاة المحسوبة؛ فقد أقرأ بعض الجمل في عمل بارع وعبقري (مثلاً أعمال إليزابيت بوين، وأليس مونرو، وشايرليهازارد) لإقامة جسر يمكنني العبور عليه وتخطي عتبة الكتابة، عند ذلك يبدأ العمل، إنه عمل شاق وحرية ممتعة: كيف تجمع بين الكلمات وتُبدع شيئاً جديداً، إنه خليط متناقض من المجهود الشاق والاستسلام الحالم، فحياتي الواقعية يمكنها أن تختفي وراء الستار قليلاً، لتسيطر حياتي الواقعية الأخرى.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة