الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: عصر جديد للإنسان

ترجمات خاصة: عصر جديد للإنسان

هبة

بقلم: توم شاتفيلد

ترجمة: هبة الله الجماع

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

     في الأربعين عام الماضية، فقدت الأرض حوالي نصف حيواناتها البرية، فما الذي يعنيه هذا على الصعيد الفلسفي؟

      وحينما  كانت نسبة عنصر الكربون في غلافنا الجوي عالية جداً، لم تكن هناك إمكانية وجود حياة بشرية على الأرض، لذا فماذا عسانا نفكر أو نشعر حيال وجهة النظر القائلة بأن أجيال البشر الذين ولدوا في أواخر القرن العشرين، ربما هم آخر من يعاصرون وجود نظام بيئي نظيف وصحي؟!

     هناك العديد من الأسئلة المخيفة حول هذه الأمور لدرجة أنني أشعر بأن عقلي يحاول الهرب من التفكير في تلك الأسئلة حتى أثناء كتابتي لها، إلا أنها تبقى أسئلة قائمة وبحاجة إلى إجابة. فما بين قيامي بالكتابة وما بين أدائي لأعمالي اليومية المعتادة، تبقى كلمات عالم الاقتصاد السلوكي Dan Ariely عالقة في ذهني تدور به: “لو أنك قررت التحدث عن إحدى المشكلات التي لا يكترث بها أحد فستكون هي مشكلة الاحتباس الحراري.” حيث تقع التبعات الأكثر خطورة للتغيرات المناخية بعيداً عن مسبباتها الأولى في المكان والزمان، كما أنها محاطة بكثير من الالتباس و اللا يقينية، مما يجعل من مسألة تحديدها بدقة مشكلة معقدة يتهرب الجميع من تحمل مسؤوليتها أو المشاركة فيها – حتى من هم في مواقع ووظائف مريحة – فالبشر لديهم ما يكفيهم من مشكلات الكفاح اليومي، والسعي وراء كسب العيش، وتأمين متطلبات الحياة لعائلاتهم.

     وحينما نتحدث عن “الطبيعة” فإن الحديث عادة ما يكون مشوباً بالتوتر والاضطراب، فمصطلح الطبيعة، إنما يصف ذلك العالم الذي ليس من صنع الإنسان ولا تدبيره، وفي نفس الوقت يكون الإنسان جزء منه. أما “الطبيعة الإنسانية” فإنها تشكل جزءاً منفصلاً بذاته، حيث نستخدم ذلك المصطلح – الطبيعة  الإنسانية – لنصف من  خلاله سماتنا الأساسية والأنثروبولوجية ونزعاتنا    الفطرية، كما نصف به كل ما حققناه من منجزات من شأنها أن تزيد من – بل  وتتجاوز- طبيعتنا وقدراتنا الإنسانية الأصلية، كالثقافة والصروح التكنولوجية الضخمة. إن هذا المصطلح بهذا الشكل إنما يمثل نوع من الاضطراب والتداخل، حيث – بموجبه – تكمن في طبيعتنا كل من الرغبة في تجاوز حدودنا وقدراتنا الطبيعية، وفي نفس الوقت الرغبة في الالتزام بتلك الحدود الطبيعية وعدم تجاوزها! هذا المصطلح إنما يعكس وضعنا المعاصر.

    في وقت ما كان عالمنا الطبيعي كبيراً، جميلاً، وقاسياً أيضاً، كان يحيط  بنا، يرعانا، وقد يضللنا! الأن قد دخلنا حقبة انتقالية جديدة تستغرق بضعة قرون، إنه “العصر الجديد للإنسان” ذلك المصطلح الذي صيغ ليعكس آثار النشاط الإنساني ما بعد الصناعي على الأرض والبيئة الطبيعية. إن هذا مما يعزز القلق والمخاوف  الكامنة وراء سؤالي – في بداية المقالة – حول ما تعنيه الوقائع الناشئة المتعلقة بتلك الحقبة الجديدة على الصعيد الفلسفي، ففي عام 2012 كتب Clive Hamilton المتخصص في علم  الأخلاق عن القيد الزمني المزدوج للحقبة الحديثة: “بالإضافة إلى ماض نسعى للإفلات منه، فإن لدينا أيضاً مستقبل نريد أن نتجنبه ، لذا فنحن نقبع ما بين مطرقة الماضي وسندان المستقبل. وقال أيضاً: “للطبيعة كلمتها العليا في مقابل كلمة البشر، لذا فعلينا الآن أن نجد طريقة ما لاستيعاب ما تلقيه إلينا الطبيعة – والذي لا يمكن تحديده على وجه التفصيل – وأن نتعايش معه، وعلينا أن نتعلم كيفية الحياة على كوكب صار أقل قابلية للحياة.” والحقيقة أن تعبير “أقل قابلية للحياة” يعد تعبيراً ملطفاً للحقيقة، والأصح أن نقول “غير قابل للحياة إلى حد ما” فهذا هو التعبير الأكثر دقة، خاصة، لو كنت من أنصار مذهب عدم سيادة الإنسان على الطبيعة، فبالنسبة ل Hamilton قد فشلت الفلسفة القائلة بسيادة الانسان في وجه    الطبيعة، كما فشلت أيضاً حينما ظلت متمسكة بالآمال القديمة في تسيد الإنسان في ظل الواقع الحالي وظروف العصر الجديد، فالأرض والطبيعة لن تخضع للبشر، بل صارت هي ما يتحكم في مصيرنا. وفي حقيقة الأمر فإن هذا الوضع قد تسببنا فيه نحن بأيدينا، ولن نستطيع إلغائه، بالكاد قد نستطيع تخفيف حدة آثاره. وبالتالي فعلينا، كما يقول المفكر البريطانيJonathan Rownson، أن نحشد كل تفكيرنا وتركيزنا من أجل الوصول إلى حل ملائم لتخفيف حدة تلك الآثار؛ ويوضح Rowson كيف أن الأمر برمته يخضع لمعادلة: السبب – النتيجة/ المقدمة – النتائج، فالبشر قد تسببوا في حدوث ما يعرف ب” التغير المناخي” على الأرض وذلك من خلال قيامهم باستخدام الوقود الحفري كمحروقات ومن ثم فالسؤال الحيوي الآن يدور حول كيفية إيجاد وسيلة سريعة وناجحة لإيقاف استخدام هذا النوع من الوقود.

     في 2014 كتب Rowson في صحيفةThe Guardian البريطانية: “لقد تراجعت أهمية مناقشة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الدافعة لإنتاج واستخدام الوقود الحفري وراء العديد من المناقشات المثارة حول بعض  المسائل البيئية من نوعية: مشكلة جفاف الأنهار، حماية ثعالب الماء ،….إلخ، علاوة على ذلك وطالما أن علماء البيئة هم فقط الطرف المتصدر علنا لإثارة مشكلة التغيرات المناخية، فقد صار من السهل رفض فكرة “حتمية الالتزام الأخلاقي العالمي” للتصدي لظاهرة التغيرات المناخية، بحجة أنها قد تحمل في طياتها أيدولوجيات معادية للرأسمالية.

     إذن فبدون وجود دعوة واسعة – محررة من أية أيدولوجيات – تشمل جميع الأطراف المعنية، فلن تكون هناك أية فرصة لحشد الإجماع العالمي اللازم للتحرك نحو إيجاد حل لظاهرة التغيرات المناخية. وجدير بالذكر هنا أن الالتزام الأخلاقي العالمي تجاه تلك المشكلة لا يتعلق فقط بالجانب الأخلاقي، وإنما يتعلق أيضاً بالتفكير العقلاني المنطقي، فالمتغيرات الواقعة في عالمنا تحتم علينا اتخاذ كل ما هو ضروري من إجراءات للتعامل معها، مما يستوجب ضرورة مشاركة كافة الأطراف أيا كان تنوعها وتباينها، حيث يجب أن يتكاتف كل من الحكومات وشركات الطاقة مع نشطاء الحفاظ على البيئة، وعلماء الأخلاق يداً بيد مع المبتكرين والمصممين، وعلماء البيئة مع مالكي المصانع، وأيضاً الطبقات الثرية جنباً إلى جنب مع الطبقات الفقيرة… وسوف تحتاج تلك الأطراف جميعاً إلى لغة تفاهم مشتركة وخطة عمل جماعية، الأمر الذي سيخلق تنوعا وثراءاً في وجهات النظر المطروحة والتي ستدور جميعها حول هدف عام مشترك: التصدي لمشكلة التغيرات البيئية على كوكب الأرض.

     وتتلخص وجهات النظر الناتجة تلك – وفقا ل Rowson فيما يسمى ب: الأبعاد السبعة لمشكلة التغير المناخي، ألا وهي: العلوم، القانون، المال، التكنولوجيا، الديموقراطية، الثقافة، السلوك.

     هذا المدخل، المعتمد على تلك الأبعاد الكلية، وحده هو ما قد يمكننا من إحداث تغيير ملموس في الوضع البيئي الحالي، وسواء كنت مقتنعاً بهذا المدخل أو لديك ملاحظات حول بعض تفاصيله، فلا يمكن أن ننكر أنه مثير للإعجاب فعلاً من حيث احكامه واشتماله على أبعاد واتجاهات متنوعة، وبالتالي فهو مدخل مفيد متسم بالشمولية والقدرة على الإقناع، بصورة أفضل من مجرد التعنت والتحزب لهذه الأيدولوجية أو تلك.

     لاشك أن الموضوعات من نوعية التغير المناخي وتبعاته على البيئة العالمية، هي موضوعات قاتمة ومخيفة حقاً، وللخوف قدرة تعجيزية تضلل افكارنا وتقعدنا عن العمل حين الحاجة إليه، حيث يهمس الخوف دوماً في أعماقنا أننا سنفشل أو على أفضل الأحوال لن نحقق إلا أقل القليل. ولكن في مقابل ذلك، فإننا في داخلنا نملك من القوة العقلية والقدرات ما قد يمكننا فعلاً من تغيير عالمنا.

      عندما أنظر إلى حديقتي المنزلية، حيث أشعة الشمس تتخلل النباتات أمام نافذتي، أتذكر كيف عشت حوالي عقد من الزمان دون امتلاك حديقة، وقلما كنت أسمع تغريدات العصافير التي صارت تحيط بي الآن كمنحة طبيعية بديعة ومذهلة، فهل صرت الأن أقرب إلى الطبيعة؟ لا، فالطبيعة ليست مجرد حديقة، وإنما هي كل شيء، إنها المنزل والحديقة، المدينة والريف، إنها الروح الحارسة والضامنة لاستمرار وجودنا، والركن الوحيد المعروف القابل للحياة في هذا    الكون. إننا نحيا في الطبيعة، ونحيا بها، تحت رحمتها، وسواء شئنا أم أبينا فإننا نعايش مرحلة تبدل في مسار الطبيعة ومسلكها. وبالتالي فقد حان الوقت لان نتغلب على مخاوفنا ونشرع في التفكير والتساؤل حول الدروس التي قد تلقنها لنا الحقبة الجديدة التي سيحياها الإنسان.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر