الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: كيف انزوت قضية الإتجار بالأطفال وراء التركيز العالمي على العبودية المعاصرة

ترجمات خاصة: كيف انزوت قضية الإتجار بالأطفال وراء التركيز العالمي على العبودية المعاصرة

هبة1

بقلم: ألينكا جيرون

ترجمة: هبة الله الجماع

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

     في الأعوام الأخيرة، حازت جريمة العبودية المعاصرة الكثير من الاهتمام والتركيز، حيث قدمت الحكومة البريطانية في العام 2015 ما يعرف ب: قانون العبودية المعاصرة، كما أكدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي على رغبتها في استحداث مجموعة من العقوبات الصارمة للزج بمن يتاجرون في البشر إلى ما وراء القضبان حيث مكانهم الطبيعي. ولكن، ما الذي نعنيه ب “العبودية المعاصرة”؟ وفقاً لمفوض المملكة المتحدة لمناهضة العبودية فإن العبودية المعاصرة تعني: الإتجار بالبشر، ولكن هذا التعريف غير صحيح، فكل من العبودية المعاصرة وتهريب البشر لا يعنيان نفس الشيء، ووضعهما معاً تحت نفس العنوان من شأنه أن يجعل بعض ضحايا الجريمتين عرضة للتجاهل.

      يستدعي مصطلح “العبودية المعاصرة” إلى الأذهان صور ومعان للانتهاك الأخلاقي لا يمكن لأحد أن يتقبلها، أو يوافق على حدوثها، وهناك العديد من القصص حول أشخاص تم إجبارهم على العمل في ظروف مروعة، وتجار للبشر تم تحويلهم للمحاكمات في تهم تتعلق بإساءة استغلال البشر في أشكال العمالة الجبرية؛ وبالطبع فإن هذا الاهتمام وتسليط الضوء على قضية العمالة الإجبارية يستوجب على أصحاب الأعمال أن يقوموا بتقديم إفصاح يتسم بالشفافية عن “سلسلة الإمدادات” التي تمر أعمالهم عبرها وأن يقدموا ما يعرف ب “قوائم العبودية المعاصرة” لإظهار مدى خلو أنشطتهم وشركاتهم من هذه الجريمة.

      ولكن، وعلى الجانب الآخر، قد أدى هذا التركيز على العمالة الجبرية إلى إهمال باقي أشكال وجوانب الإتجار بالبشر، وخاصة الإتجار بالأطفال، فبكل أسف يظل هذا الجانب متوارياً بعيداً عن دائرة الاهتمام بقضايا العبودية المعاصرة، فلا تطاله الأضواء، ولا يحظى بأي نصيب من الانتباه. فالأطفال لا يتم إدخالهم إلى سوق العمل بشكل رسمي أو علني، فلا تكون عمالتهم ظاهرة للعيان، وهو الأمر الذي يزيد الوضع سوءاً، حيث يقوم تجار البشر باستغلال هؤلاء الأطفال في الاعمال الخفية كالعمل في الخدمة بالمنازل، وفي تصنيع القنب (الحشيش)، والعمل في بيوت البغاء. ولا يتوقف الأمر على استغلال هؤلاء الأطفال والمراهقين في العمالة، بل أيضاً قد يتم المتاجرة بهم بيعاً وشراءاً عدة مرات بواسطة أفراد يقومون باستغلالهم جنسياً وجسدياً، أو يستخدمونهم في القيام بمختلف الأعمال الإجرامية. وبالتالي فنحن في حاجة إلى أن يتم الكشف عن كافة الأشكال والصور التي نعرفها والتي لا نعرفها بعد لاستغلال وإيذاء الأطفال والإتجار بهم.

     في الوقت الحالي، ينصب التركيز على أشكال العبودية المعاصرة في النشاط الاقتصادي في حدود ضيقة، وينصب فقط على البالغين وليس الأطفال. وقد بدأت المملكة المتحدة لتوها في إحراز خطوات نحو فهم ماهية الإتجار بالبشر وكيفية حدوثه وآثاره على ضحاياه والأشكال التي قد يتخذها.

الفرصة الضائعة:

     كان يمكن لقانون “العبودية المعاصرة” أن يصبح بمثابة فرصة لإنصاف ضحايا تلك الجريمة، إلا أن القانون قد اتخذ مساراً مختلفاً، حيث ركز فقط على محاكمة هؤلاء الذين يستغلون البشر في العمالة مقابل الربح، كما وضع هذا القانون مجموعة من العقوبات ضد عصابات تهريب والإتجار بالبشر، لكن الأمر الصادم في الموضوع أنه بموجب هذا القانون يتم محاكمة وإدانة ضحايا    الإتجار بالبشر بصورة أكثر من تجار البشر أنفسهم!

     لاحقاً، واستجابة للمخاوف المتعلقة بازدياد عملية إدانة المجني عليهم، فقد تم تعديل هذا القانون أضيف بند قانوني يكفل الدفاع عن هؤلاء الضحايا؛ إلا أن هذا البند القانوني يتعلق بالشخص الراشد، مما يعني أن الأطفال الضحايا سيكون عليهم عبء إثبات أنهم قد تم الإتجار بهم ليضمنوا عدم تعرضهم للمحاكمة كمجرمين! فكيف يمكن لطفل أن يقدر على توفير هذا الدليل؟! كيف يمكن لطفل أن يتمكن من إثبات أنه قد تمت إساءة استغلاله نفسياً والتلاعب به أو إكراهه على شيء ما، أو بيعه عن طريق استغلال حلمه في الحصول على فرص أفضل للحياة؟

     في بحث حديث حول الأطفال ضحايا الإتجار بالبشر، أظهرت النتائج أن نظام دعم ضحايا تلك الجرائم ما زال يركز فقط على مسائل الهجرة والملاحقة القضائية، ومن ثم فهذا النظام ليس مفيداً بقدر كاف للأطفال، ولا يقدم لهم المساعدة أو الدعم اللازمين للتحرر من ظروف العبودية التي يقعون تحت وطأتها.

     في بعض المواقف، حينما يتمكن الأطفال/ ضحايا العبودية من التقدم إلى قوات الشرطة أو إلى الموظفين الحدوديين المختصين بشؤون الهجرة، فإن هؤلاء الأطفال لا يتم تصديق رواياتهم  حتى لو أعلنوا صراحة أنهم قد تمت إساءة معاملتهم أو ضربهم أو حتى تم بيعهم كعبيد للعمل في العبودية الجنسية. وبالتالي فبدلاً من إنقاذهم يتم تركهم فريسة في يد تجار البشر. كما أن بعض الأطفال يتم إلقاء القبض عليهم وتحويلهم للمحاكمة بتهم التهريب والاتجار غير المشروع، وقد يصل الأمر أحياناً إلى الزج بهم في سجون البالغين. وإلى أن تتغير تلك الظروف، سيبقى الضحايا من الأطفال متوارين في الخفاء، يعانون من مختلف أشكال الاستغلال المتكرر. ومن ثم فهناك حاجة ماسة إلى إصلاح عاجل وفوري.

     وقد أثار البحث السابق ذكره – الذي أجري حول الأطفال ضحايا الإتجار – إلى أن بعض هؤلاء الأطفال حينما تمكنوا من الوصول إلى الجهات والمكاتب الحدودية المعنية بالهجرة  طالبين العون، فإنهم كثيراً ما قوبلوا بأشكال من العنصرية و”الخوف من الأجانب” Xenophobia       حتى شعر هؤلاء الأطفال أنه ما من أحد يستمع إليهم أو يصدقهم، رغم أن تلك الجهات هي المسؤولة عن التصدي لأشكال العبودية المعاصرة بما فيها الإتجار بالأطفال. إذن فالجهات ذات الصلة لا تقدم أية مساعدة في حين أن هناك  حاجة ماسة إلى الاستماع لما يدلي به الضحايا من شهادات. وفي المملكة المتحدة، يتحتم على إدارة التعليم أن تتحمل مسؤوليتها عن حماية الطفل ضحية الإتجار وأن تحيطه بالرعاية الاجتماعية اللازمة حتى تتمكن من تحديد مدى الإيذاء والاستغلال الذي تعرض لهما الضحية.

     مشكلة الإتجار بالبشر ليست مجرد مسألة تتعلق بالهجرة أو النزوح، والدافع للتعامل مع تلك المشكلة ينبغي ألا يكون منبثقاً فقط عن منظور اقتصادي أو قانوني، وهؤلاء الأطفال يجب أن نمد لهم يد العون عبر إيقاف أشكال استغلالهم والإساءة إليهم، فحمايتهم يجب أن تكون لها الأولوية فوق كل الأولويات.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر