الرئيسية / احدث التدوينات / خالد حسيني .. تأشيرة دخول مجانية لأفغانستان

خالد حسيني .. تأشيرة دخول مجانية لأفغانستان

Picture11

لشريحة كبرى من القراء , البعيدين والغير مهتمين او الغير مؤمنين بجدوى تملك معلومات سياسية او تاريخية عالمية  , كانت دائما الاعمال الادبية السياسية ملغمة للغاية , ومرهونة بصورة ما على فئة معينة من المثقفين المهتمين بهذا النوع من الكتب والمقالات , والقادرين على تناولها بالتفحيص والتدقيق تجنبا لغسل الادمغة وتبادل معلومات خاطئة ليس لها اساس من الصحة تهدف الى غرس أفكار معينة في عقول متلقيها .

في خضم هذه النزاع , استطاع الطبيب الروائي خالد حسيني أن يقدم وجبة دسمة جدا وسهلة الهضم معا في ان واحد , بصورة روائية سلسة جدا , تناولت واقع الحياة في افغانستان منذ العهد الملكي وأزمنة الرخاء وحتى فترة انقلاب الطاولة عند تولي الطالبان زمام الحكم في البلاد. والحروب الاهلية والخارجية وتقاتل الاحزاب المتناحرة على السلطة في افغانستان.

هذه النزاعات حكمت على افغانستان بان تكون مسرحا يضج بالكثير من القصص المؤلمة والحزينة , ومكنت خالد حسيني من تعريتها وتصويرها بإنسانية عالية جدا بعيدا عن فوضى السياسة ليجعل من افغانستان ووجعها القديم قريبة لقلوب البشر في كل ارجاء العالم.

لذلك نجد أن القلم الأفغان/ أمريكي , قد أسهم بصورة فاعلة جدا في تمليك كافة شرائح القراء للكثير من المعلومات السياسية والتاريخية , الحيوية جدا والضرورية والتي عج بها تاريخ أفغانستان القديم والحديث.

و ظلت اعماله الادبية حتى الان تأشيرة دخول للقراء لعالم أفغانستان الذي ظل حتى وقت طويل حكرا على الافغان الذين طالتهم نيران التقلبات السياسية وكانوا وحدهم من يعلمون بخباياها , وقصص الأزقة والشوارع التي تمكن خالد حسيني في رواياته من نقلها للقارئ بدقة متناهية ووصف بديع يجعل من يتعثر بقراءته , و كأنه يعيش هذا الواقع  في احدى ضواحي كابول كل يوم ! .

كالكثير من الاوطان التي لفظت أبناءها , لم يعش خالد حسيني في أفغانستان أكثر من ثماني سنوات متفرقة خلال حياته منذ ولادته في كابول عاصمة البلاد وأكبر مدنها عام 1965

ميلاد خالد حسيني في أسرة دبلوماسية مكونة من اب يعمل سفيرا لأفغانستان في إيران ووالدة تعمل كمدرسة للغة الفارسية والتاريخ جعل طابع حياة الاسرة متقلبا كثير السفر والتنقلات حيث انتقلت اسرته الى إيران عام 1970 وعادت مجددا الى كابول عام 1973

في عام 1976 انتقلت العائلة الى باريس تبعا لانتقال وظيفة والده ولم تتمكن الاسرة من العودة الى افغانستان مجددا بسبب الاحداث السياسية وغزو الاتحاد السوفييتي، الامر الذي جعل من اللجوء السياسي الى امريكا افضل الحلول المتاحة، وكحال اغلب الافغان عقب الحرب انتقلت اسرته بعد حصولهم على اللجوء الى الولايات المتحدة الامريكية / سان خوسيه كاليفورنيا . عام 1980

تخرج خالد حسيني من مدرسة الاستقلال العليا في سان خوسيه عام 1984 والتحق بجامعة سانتا كلارا وحصل على درجة البكالوريوس في علم الاحياء عام 1988 ثم التحق بكلية الطب في جامعة كاليفورنيا وحصل على الدكتوراه عام 1993، ومارس مهنة الطب لأكثر من عشر سنوات، المهنة التي غطت شغفه بالإنسانية ووعيه الكبير بهذه المسؤولية التي حملها تجاه موطنه الاصلي أفغانستان وانعكست مهنته في تفاصيل وسرد الاحداث المتعلقة بالأمراض واعراضها ومراحل تطورها بدقة ووضوح في القصص التي تضمنتها اعماله الادبية.

ارتباط خالد حسيني الوثيق واللصيق جدا بموطنه أفغانستان وحرصه الشديد عبر كتاباته في نقل الجمال الحقيقي لها رغم ما طالته ايدي الحرب ومزقته جعله يقدم الكثير من الخدمات الانسانية الواقعية لأبناء موطنه من الافغان، وغيرهم من ضحايا الحروب واللاجئين في سوريا ودارفور وجنوب السودان وغيرها من مناطق الشدة والنزاعات في العالم .

 وهو حاليا المبعوث للنوايا الحسنة في المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

Picture2

Picture4

Picture5

سخر خالد حسيني جهده وطاقته من اجل توفير المساعدة الانسانية في افغانستان من خلال مؤسسة خالد حسيني والتي قام بتأسيسها عقب رحلته الى افغانستان في عام 2007 مع المفوضية العليا للاجئين.

وهي مؤسسة شريكة للمفوضية في مجال بناء المأوى للعائلات اللاجئة كما انها تقوم بتوفير فرص العمل والتعليم والصحة للنساء والاطفال والضعفاء في افغانستان.

والجدير بالذكر أنه وبرغم سنواته القليلة جدا والتي كانت أغلبها في فترة الطفولة قبل الحروب والنزاعات الا انه تمكن من وصف هذه الوقائع ونقل حكايا الحرب الافغانية بصورة واقعية جدا تجعل القارئ يظن بأنها قصته الشخصية التي عانى من تفاصيلها بنفسه وهو يرويها الان لقارئيه .

لعله قربه اللصيق للاجئين والمهاجرين الافغان الى الولايات المتحدة الامريكية هو الذي مكنه من تملك هذا الوصف الدقيق لمأساة الافغان وقصص معاناتهم وحكاياهم المدمية للقلوب وزيارات تقديم الدعومات والمساعدات عبر مؤسسته الخيرية في افغانستان ساهمت ايضا في اثراء معلوماته الدقيقة عن الواقع هناك بصورة مجردة تماما.

Picture6

 Picture7

أعمال خالد حسيني الأدبية

| عداء الطائرة الورقية :

صدرت أولى أعمال خالد حسيني الأدبية ( عداء الطائرة الورقية ) في مارس 2001

وتم نشرها عام 2003 , حيث كانت من أكثر الكتب مبيعا في العالم في حوالي اكثر من 70 دولة , واستمرت لأكثر من 100 أسبوع على قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعا .

الرواية المتميزة التي عكست واقع التمييز العرقي في افغانستان بين ” الباشتونيين ” و ” الهزاريين “

الواقع الذي عانى منه الافغان كثيرا في قصة دارت أحداثها بين صديقين من العرقيين ، ومن طبقتين مختلفتين , أحدهما أمير والاخر خادمه.

تناولت الرواية عددا من المفاهيم الاخرى بجانب مأساة الافغان العرقية ، كالصداقة ، الأمانة ، التضحية ، الولاء والحب وغيرها من خلال ربط  دقيق وذكي لمجموعة من القصص الصغيرة لحياة أبطال الرواية في فترة ما قبل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان وحركة طالبان وما تلاها من فقر حقيقي وتدمير لكافة اشكال الحياة في افغانستان .

الجدير بالذكر ان النقل الدقيق لتفاصيل الرواية، ووصف الازقة والشوارع وشكل الحياة اليومية بهذه الصورة البديعة من طبيب امضى الشق الاكبر والواعي من حياته في المهجر بعيدا عن خبايا هذه المعاناة و حكاياها المدسوسة وكأول عمل ادبي له يعتبر اعجازا حقيقيا لأفغاني مهاجر احب وطنه بشدة رغم لفظه له ولكثيرين غيره .

Picture8

وفي عام 2007 تم انتاج فيلم ( عداء الطائرة الورقية ) المقتبس من تفاصيل الرواية والذي تم اخراجه باللغة الفارسية وتمت ترجمته للإنجليزية كقطعة فنية بديعة شهدت دقة عالية في اختيار الممثلين وتنظيم الديكور والموسيقى التصويرية وحصد الفيلم جائزة ستالايت لأفضل موسيقى تصويرية اصلية .

Picture9

اقتباسات من الرواية : 

  • “تساءلت إن كان الغفران ينمو على هذا النحو، ليس برؤيا صاخبة، وإنما بالألم وهو يلملم متاعه ويحزم حقائبة، و يتسلل في منتصف الليل راحلاً بلا إعلان.”

  • ” ان تملك ثم تفقد اكثر ايلاما من الا تملك اصلا ”  

  • ” لأجلك .. ألف مرة أخرى”

لتحميل رواية عداء الطائرة الورقية اضغط ( هنا )

| ألف شمس مشرقة :

وفي مايو من نفس العام 2007 احتلت روايته الثانية ( ألف شمس مشرقة ) المرتبة الاولى ضمن قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعا . ولمدة 15 أسبوعا متتالية.

في هذه المرة سلط خالد حسيني الضوء مرة اخرى على احدى مآسي المجتمع الافغاني وهو القمع الذي عانت منه نساؤه بصورة كبيرة جدا ، في مجموعة قصصية اخرى تمكن من ربط ومداخلة احداثها بنفس براعته المعتادة في الرواية الاولى ، معاناة طفلة غير شرعية وتعرضها للظلم من كل رجل جعله القدر في حياتها ، والدها وزوجها ثم رجال الطالبان . ومن جهة أخرى انتصار بطلة الرواية الاخرى على نفس القمع والاذى بعد أن كانت على وشك الاستسلام له.

Picture10

اقتباسات من الرواية : 

  • “كل ندفة ثلج هي تنهيدة ثقيلة من امرأة محزونة في مكان ما في العالم. كل تلك التنهيدات التي تنساق باتجاه السماء تتجمع في الغيوم ثم تتساقط بهدوء على شكل قطع صغيرة على الناس. تذكيرًا بالنساء اللواتي يعانين مثلنا، كيف نتحمل بصمت كل الذي يقع على كاهلنا. دعيني أخبرك شيئا ؛ قلب الرجل مثير للأسى ، إنه مثير للأسى يا مريم إنه ليس كرحم الأم إنه لا ينزف الدم”

  • ” رغم أنه كانت هناك لحظات من الجمال فيها، عرفت “مريم” أن الحياة بمعظمها كانت قاسية معها، لكنها بينما كانت تمشي الخطوات العشرين الأخيرة، لم تستطع منع نفسها من أن تتمنى المزيد منها “

  • ” رسخت في ذهنها قناعة أن من بين كل المشقات التي يواجهها الشخص لا شيئ أكثر عقابًا من فعل الانتظار.”

لتحميل رواية ألف شمس مشرقة اضغط (هنا)

| ورددت الجبال الصدى :

رواية خالد حسيني الثالثة ( ورددت الجبال الصدى ) دارت حول طفلة صغيرة تم تفريقها عن اخيها وبيعها لأسرة غنية في كابول ، سلطت الرواية الضوء على حقيقة أن الاشرار لا يكفرون عن خطاياهم وان الطيبين لا يحصلون على كل الأشياء الجميلة في النهاية بل تستمر الحياة الواقعية حتى لو رحل بعض الانانيين وهم سعداء.

 كانت هذه الرواية أغنى من سابقاتها بالقصص والابطال والشخصيات , والتنقل من حالة إلى حالة في كل شخصية من شخصياتها.

16788823_1928945727328908_217278203616559104_n

وفي كافة روايات خالد حسيني نلحظ تأثره الواضح بمأساة الهوية والوطن ، ومعاناة المهاجر واحساسه بالسوء وانه مجرد سائح عند اصطدامه بالمسكوت عنه وبالحكايات المدسوسة عن افغانستان بعد الاحتلال السوفييتي . بجانب تأثره بالإرث الادبي لبلاده من اشعار فارسية ورومية مستصحبين معنا عمل والدته كمدرسة للغة الفارسية والتاريخ ، ساعيا لنقل هذه الصورة الثقافية الجميلة لبلاده في كل اعماله.

يظهر ايضا في اعماله صورة الاب الدبلوماسي الذي يؤثر نشاطه ومكانته الاجتماعية على حياة ابنه بصورة او بأخرى وبقصة وتصور مختلف في كل رواية من رواياته الثلاثة

اقتباسات من الرواية : 

  • ” كنا جميعنا ننتظر، ننتظر رغم ضآلة الاحتمالات، ننتظر حدوث شيءٍ استثنائي يقلب حياتنا “

  • ” كان أبي يقول أن كل الأشياء الجيدة في الحياة هشة، تتلاشى بسرعة كما تأتي، ويرفع يديه بكل لطفه ذاك إلى وجهي ويمسح بكفيه على حاجبيّ ليدخل السعادة إلى رأسي “

  • ” عرفت أن العالم لا يراك.. أنت الساكن داخل قميص اللحم والعظم.. لا يهتم مقدار ذرة بالآمال والأحلام، بالأحزان التي تنبض بداخلك. “

    لتحميل رواية ورددت الجبال الصدى اضغط ( هنا )

خالد حسيني ( الانسان ) كان ولا زال حاضرا في كافة اعماله الادبية ، ووضوح تأثره بواقع بلاده المرير ومعاناة أفرادها في كل قصة صغيرة تتضمنها اعماله وفي نشاطاته الخيرية عبر مؤسسة خالد حسيني واهتمامه بشؤون اللاجئين والمتضررين من الوضع السياسي في افغانستان.

وختاما ، ننتظر من خالد حسيني مزيدا من الاعمال الادبية المتعلقة بقضية أفغانستان وغيرها من القضايا الانسانية ايمانا بان هذه الاعمال لها قدرة عظيمة على القاء حجر يحرك ركود أفكارنا ويساعدنا على تفقد قيمنا الانسانية والاخلاقية بصورة مستمرة .وتدفع الكتاب الاخرين من دول العالم الاخرى في تبني قضايا بلادهم والمساهمة في خلق التوعية والحلول المطلوبة .

عن تقوى سامي

mm
طبيبة وكاتبة ومترجمة من السودان