الرئيسية / احدث التدوينات / رأيت ندوباً على جسد رياحك

رأيت ندوباً على جسد رياحك

دهب

     دمائه

     السفاحون يتنكرون لمصائرهم بصداقة الموت؛ لذلك يحرصون على إراقة الدماء.

      مقيلته

     هناك، وراء الجبل يرقد كائن لم يلتقي يوم بذاته. لم يعرف طرفة عناق الذات للذات، ولم يشتهي سمر الدواخل. هناك؛ وراء الأمل حيث يرقد التشهي – هو الآخر-، ملتحفاً تسويفاته الرثة، يحضن سرابه الزمني الخافت، فالمساء لوى عنق المجرة، زحزح مجاديفها الكونية بقدر ظهيرة، فقط ليأخذ قيلولته على رواكيب الليل.

     ظعينته

     أيتها الظعينة الخاوية، أيتها الشحيطات الملتزمات بقدسية حدود منازل المسار، أيتها الأفاعي المنزعجة من رغي النوق، أيها الخواء الراحل، هلا سقتم سكون الهوادج لتشعل حريق ابتسامات المرايا المعلقة على جوانبها؟ هلا انتفضتم مهللين، برايات الفجيعة، نحو أصقاع المخازي حيث الضياع؟ فهنا لم يعد للسنجك مضرب خشبي ليوقظ سكون الغابة، لترقص قرود “الأبلاي” رقصتها الخليعة، لتُفزع جنادب الزنزانة الرطبة، لم يعد في ساحة الاحتمال أي ضجيج يُذكر. المساء لم يعد هو المساء، والنضارة الملبدة بين طيات أوراق الجميز تخثرت مثل دم قتيل منسي وراء (جبل)، مثل صُنان بول تلب على ظهره، مثل خيبة جند باعهم قائدهم المأجور لمدافع مأجورة. أو قل: مثل غياب حسن فضل الله.

    أيتها الشفاه الصامتة على رؤوسها الساهِمة، وسط جلبة العار الأعظم عند فشل الحرباء في ارتقاء سلالم اللون، انتقي صمتك، نمقيه، كي يصير صمت محبب، لمنابر أُعدت بتأني كي يجلس تحتها الصمم، منابر بأعواد من هشاب الغابة الثالثة في ترتيب الظعن الجائل، يزينها شمل غزلته أمهات القطيع، بينما يتهافت حكماء البدو الملثمين – خشية الخديعة – للرهان على سباقات الجراد.

والظعينة على رحالها

والظعينة على رحالها

والظعينة على رحالها

والظعينة على رحالها

حتى مات السَّام على خازوق الانتظار.

     جثة الموت؛ تلك المطوية على ظاهر خرقة كفنه البيضاء. كانت نقيه بما يكفي لتجنب نباهة المشيعين. فطردوا من مخيلاتهم فكرة الموت الخبيث المطوية على باطن أرواحهم منذ الخليقة الأولى، الموت البارد، المبثوث على طرقاتهم الموحلة؛ ذلك الذي يتحاشى مخيلاتهم تماماً – كلما تعمّدت لقائه – لحين الميعاد. يا له من موت منخوب لم يفز بمعدن العدم المتجاسر.

    لأن الخائف يفقد كينونة ذاته من وراء اللهاث.

    ها هي ذات القوافل المشؤمة التي أخذتنا نحو حُجُب مظلمة، تتنكب طريقها المعسعس طالبة خلاص أضاعته رعونتها بين أدغال جميز وادي “أزوم”، ذلك العاقل دون عقل. ذات القوافل التي تنافق الزمان بفضيلة الظعن الجائل، كانت أغبى من أن تعلن عن جريمة الموت الخائف، أتفه من أن تعرض دسائسه على بياض كفها المشلول؛ لذلك استسلمت للرحيل.

     الرحيل؛ هذا الثوب المُشوّك الذي نلتحفه كيما يحمينا من نوائب المكان، لم يكن سوى كذبة بلغاء ابتدعها الرحالة الأوائل. لم يكن سوى عذاب من نوع أخر. فما زال النهر يرحل من ذاته دون انعتاق، تماماً مثل الغيوم التي تتهادى في صحراء الفضاء البليد، دون أن تفوز بشيء؛ سوى الانهزام أمام الهزيم. والجلاد يُرعد، لكنه لا يُرعب أحداً سوى الجدار المثلوم على ضفة النيل الأزرق، بين حشائشه الكثة وفورانه الفارغ حين تمر الرياح ثقيلة على جسده المُحمر بصبغة هضاب الحبشة – خفيفة على نافذة الزنزانة اليتيمة – دون أن تخبر العابرين على شارع النيل بنكبات الجُدر.

     والجلاد يُرعد، لكنه لا يُرعب أحداً سوى ذاته المسربلة بخيبات الرجولة؛ لا يُرعب أحداً سوى البعوض الجاثم على نعومة ساعديه، لا يُرعب سوى فصيلة من الجلادين في قمة نشوتها للأنين، لا يُرعب سوى حائط الايدولوجيا المتداعي، لا يُرعب سوى السوط المتقاطر دماً وقيح، لا يُرعب أحداً، أحداً ما لن يرعبه صراخ خاوي، ولو كان الدم المتخثر على الجدران. والجُدر أحسن خُلق من الجلاد لأنها تحفظ غيب الذاهبين، تحفظ نشيجهم، أنينهم والضيم، تحتفظ الجدر الرطبة – لزنازين النهر الهائج – بالدم الأسود الذي بتبرع به الزوار مع كلمات متقطعة: “لن ترعبنا الزنازين” كتبها أحد المارة على وجه جدار مثلوم فحفظها من شرور الطلاء. الجُدر الوفية تراقب عن كثب لتلقي شهادتها يوماً ما. لذلك لا تثير أي زوبعة كذوبة – فتلك موهبة مقصورة على كبير عصبة الأمم -.

مد على كوكب النيل وجزر.

تمطي ثم قرفصة؛

ضمور فسُمنة.

والزنزانة تتعمد الحياد.

تتعمد الرطوبة والظلمة الماجنة.

    بينما العصافير على الناحية العلوية؛ من على مهرب الحياة الوحيد حيث نافذة الزنزانة؛ ترسل لحناً مشبعاً بالطين، ترسل أقفاص كسرتها بأجنحتها، ترسل حباً لا تحجبه قضبان النافذة الوحيدة العالية، ترسل زخم عار آثام الأجداد السود والبيض. ثورات المرابين وانتفاضات صعاليك الممالك القديمة، وقار قادة المهدية في مهدها. سفورهم في النهايات؛ وقت إنثيال بريق السبايا على سطوح القلب. جسارة عبد الله السحيني. انتحاره. خلود المرابين البغاة على صفحات التاريخ السري. عظائم الموتى وبركات ولي سنار. حين يموت المد يورث الجزر دورته؛ وحين يفوت الزمهرير يُخلّف صديقه الحرور، والزنزانة جارية راضية بنعيم سادتها/ سدنتها، كهنة الظلام والرطوبة، لا يفيض النيل عن شهوة احتواء الحشائش الكثة. لذا لا تقلق الزنابير على بيوتها المثبتة بإحكام الطبيعة على شجيرات اللبخ وتحتفظ الزنزانة بجدرها المثلومة دون انهيار.

     يتمطى النيل فتتدهور شهية حيتانه في السكون. يتمطى النيل لترحل ظعن الأسماك، لتشد هوادجها المائية العتيقة، لتختبر ملوحة المصب. ولكنها رحلة أحادية الوجهة.

     يتمطى النيل فتتقرفص الزنزانة البليدة.

“ضمور ليس كضمور الخالدين في الخَضَل. ليس مثل شُفوف البائسين في يبس القِفَار، ولا نعيم الغارقين في دملجة الجسوم. ضمور ليس كمثله سهام.”

 بطين،

     مكتنز.  

       مُهجّن؛ بين الضمور الطين والجسامة العشب.

      في مساء محايد، مهجور الوشوشة، كثيف الطمي ضمر مجرى النهر التَعِب؛ ثم تبطنت أجساد الحشائش، شُحذت همم الزواحف والحشرات. فشُحذت سواعد الجلاد المتعطشة لسعير الاماسي الحالكة.

      حين يبث الجلاد سموم الكلب المتحضر المسعور – في روضته – على جلود الصامدين يستعير أنياب كلب أخر على زيله المعقوف طُبعت قُرة صلاة. يستعير الجلاد أنياب ذي الذيل المعقوف ويشحذها جيداً، ثم قبل كل شيء – وبمحض إرادته – يعض يده اليمنى فيسري السم زعافاً على اليسرى؛ ليخور كما يجب أن يخور جلاد مأجور استعار أنياب كلب مؤمن الذيل، ثم يرغي ليزبد النيل الأزرق عنه، وتضن الزنزانة الرطبة بحفنة الأُكسجين. ثم تباعاً يلوّح بيده – المنهوشة بأنياب كلب أنيق – لتُسمع دندنة الأنين.

      بين ثنايا الظعينة المعطلة يبدع حسن، يرسل سلاماً، ينسج قلوباً من حشائش النهر المتطلعة لاكتشاف بطون الزنازين، يغني لأبي العركي البخيت، يمجد الحمائم على السواء، كان فيما مضى من جُمع، يخرج ألبومه العتيق فقط ليتأمل صورته في حوش مدرسة الضعين الثانوية، يثبت عينيه طويلاً على صورته الأثيرة. تُظهر الصورة الواضحة المعالم، صباحاً بأفق أوسع من أي أفق ظهر على صورة فوتوغرافية؛ سُحب بيضاء؛ قليلة ومتفرقة؛ يقف تحت سماءها الصافية أربعة شبان بقمصان ناصعة وبناطيل سوداء؛ بهندام جميل وابتسامات متطابقة؛ يتوسطهم حسن الذي يرتكز على الحافة الأمامية لمسطبة المسرح المدرسي ذي الجدارية العظيمة. وقبل يقوم ليرتب وفد غسيل الجمعة ويكوي جلبابها، يقف طويلاً أمام ابتسامته؛ يدندن بأغنية لأبي العركي الذي يُحب؛ يضع كرة سعوط بعناية على شفته العليا؛ ثم يحدق أكثر في الصورة ذات الابتسامات وكأنه يعلم انها ستهوي في سعير الملتوف.

     لا بد للجلاد من السقوط قبلاً. يسقط فيسقط السوط، تسقط أشياءه فيسقط اللعن، الجِلد، اللحم، العظم، كلمة تافهة، كرة سعوط، بخرة ويسكي عتيق، سفنجتان وفانلة لنادي موناكو، صف أسنان أمامي، لهاث وغي. دولارات أمريكية، أخلاق مهترئة. ولكن ليست كرامة الضحايا.

والنهر يزبد حين يرحل في الخريف،

محمرّاً،

كثيف الحشائش،

لتبقى ظعينك ساكنة.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان