الرئيسية / احدث التدوينات / سؤال الطبيعة: مألآت الخير والشر وما وراءهما

سؤال الطبيعة: مألآت الخير والشر وما وراءهما

محمد سالم

بقلم: محمد سالم حسام الدين*

      إحدى الإشارات الضمنية للتيارات السياسية الكبرى تتمثل في الإجابة عن هذا السؤال التاريخي الذي يليق بعصر البحث عن منافذ جديدة، لجيلٍ جديد يبحثُ عبر كيركجارد ودوستويفسكي وداروين ونيتشه وستريندبرغ وفرويد وكونراد ورامبو، عن عصر الأخلاقيات النمطية لإنسان الحضارة التي تم تجريدها، وإعادة صياغتها، بإعدام البديهيات التي تعيد تشكيل الإنسان ككائن نفسيّ فردي، قبل أن يكون كائناً جماعياً تفاعلياً. ولهذا كنتُ أشيرُ دوماً لستريندبرغ، على أنه أبرز مثال للأدب النفسي في تجربة تُعيد الإنسان إلى فردانيته، وذاتيته لإعادة تبرير أخلاقياته ودوافعه ونزعاته وفق معطياتٍ مختلفة.

     أما هنا فالإجابة فرضية أساسية مهمة لضمان الاتساق العقلاني للخلاص النهائي، وفقاً لملاحِم الخير والشر، التيه والهداية، الوضوح والعبث، في أغلب الحالات، لا يوجد بداية أو نهاية بالمعنى الحتميّ، ولا إجابات صريحة، ولا وضوحٌ حاد، أو مباشَرة وعظية. كل ما يوجد هو الإنسان، الفرد، وداخله اللانهائيّ، الذي يتجدد، في رصده للواقع وتجاربه وانفعالاته واختراعاته ومونولوجاته.

     إن صيغ السؤال إشكالية لاستدعائها حالة طبيعيّة، مفترضة للإنسان لن يُعثر عليها ومطلقاً، فالإنسان وعلى الدوام موجود في التاريخ، الإنسان مرتبط بشكل لا فكاك منه بالتاريخ، لذا لا يمكن الحديث عن الحالة الاعتيادية كشيء يمكن التأكُد منه. الحالة الإعتيادية للإنسان فكرة مُتخيلة وأساسية فيما يتصل بها، مُشابهة لفكرة العقد الاجتماعي لدى لوك، عقدٌ افتراضي ومُتخيل، فلم يحدث أن اجتمع الناس وعقدوا فيما بينهم عقداً تفصيلياً لتنظيم الدولة، وحقوقهم، فالعقد الاجتماعي لا يأتي إلا تفسيراً، والطبيعة الانسانية هي من هذا النوع، فرضية، يبنى على ما يتصل بها، ما يجعلنا امام حلقة مفرغة، ما يعني أن تأخذ المقاربة منحىً أخلاقياً مثل الخير والشر والأنسَنة، والتي ليست موضوعاً ممكن الاكتشاف.

     أياً يكن التصور الذي نحمله بصدد هذا الموضوع، هو جزء من سياق ميتافيزيقي لا يمكن لأي نظرية أن تتعداه، فالإحالة إلى الإطار العلمي في هذا الشأن يفتح لمَ هو حتى أسوأ من الاستبداد الديني، وعصور الديماغوجية الثيوقراطية التي دفع العالم أثماناً باهظة لمعالجة نتاجاتها. فيما يتعلق بالسؤال، من ينطلق أن الإنسان خيّر بطبيعته ولكن المجتمع هو المسؤول عما نراه من شر ومعاناة يعايشها الإنسان، والمجتمع المثالي هو الذي يحرر الإنسان من هذه الكراهات الغريبة عنه، ليمكنه عندها من تحقيق ذاته.

     تجد هذه النظرة نواتها الأولى عند كل من جان لوك وروسو، وتمتد عبرهما لاحقاً في التقليدين الليبرالي والاشتراكي. أما كارل ماركس، الزخم الايديولوجي الإشكالي هنا، يرى أن في الشيوعية، تمكين المجتمع الذي يُمكّن الإنسان من تحقيق ذاته، ويقدم في جملة تصوره للطبيعة الابتداعية التي يريدها للبشريّ الذي يعمل يوماً، ويتطوع في يوم ثاني، ويمارس النقد الأدبي في يوم ثالث كما يورغن هابرماس في نظريته عن “الفعل التواصلي” يحول النقاش من تصور لمثالية المجتمع إلى تصور للشروط الضرورية واللازمة لإقامة مناقشة عقلانية تُحرر الناس من كل الإكراهات الممكنة. فالشرط والحوار، انطلقا من فرضية الطبيعة الخيّرة للإنسان، ككائن عقلاني، صادق في لحظته الأكثر تكشفاً لذاته.

     في الاشتراكية يوجب افتراض طبيعة الخير للإنسان، حيث لا يمكننا تخيل مجتمع اشتراكي من دونها، فحين يكتفي الناس بحاجتهم الضرورية، ويعملون ما عليهم انطلاقاً من وازع الضمير، بشكل عقلاني ومتحرر من الإكراهات الناشئة بسبب السلطة والجهل، من أجل الوصول إلى قرارات تتعلق بشؤونهم المجتمعية، فهذا لا يمكن تصوره أبداً دون افتراض بأن الإنسان خيّر، وأن ما نراه من شرور ليست إلا نتاج المجتمع وليست شراً متأصلاً في طبيعته. اليوتوبيا لا تستند فقط على ادعاء الرغبة في السماح للإنسان بتحقيق ذاته، إنما على فرضية أساس بأن الإنسان بجوهره خير، هذا وحده ما يجعل السعي لتحقيق الإنسان مشروعاً يستحق النضال لأجله.

     المعضلة تنشأ مع التساؤل عن ماهية الخير هذه، الخير الذي يُمكّننا من تحديد الطبيعة الإنسانية بناءً عليه. إذا كانت هناك طبيعة متأصلة تم قسرها عبر المجتمع، فكيف لنا أن نعرف هذه الطبيعة حتى نستطيع استعادتها؟ وكيف نعرف أننا لم نستدعِ شيئاً مغايراً؟ مقابل افتراض الطبيعة الخيّرة للإنسان، انطلق المحافظون من افتراض مغاير يستبطن الطبيعة الشريرة للإنسان، وعليه يصبح الواجب، كما هوبز، هو لجم هذه الطبيعة وتقيّدها عبر سلطة عليا، استبدادية، هي الدولة. النظرية السياسية لا تعود سؤالاً عن الحريّة، بل عن السلطة التي يتوجب عليها لجم النزوع للشرّ الموجود لدى الإنسان والذي يأخذ بعداً إجرامياً، ولهذا تلعب القوانين ثم التقاليد والأديان أدواراً أساسية في هذه النظريات لما تقوم به من تقّيد وكبح للنزعات العدائية.

     الاشكالية الحقيقية التي تُطرح تتمثل بمورد السيادة وممارستها، فإن التنازل والانسحاب أمام السلطة بدورها الكابح للنزعات العدائية، فمن يضمن أن تتقيد هي نفسها بالقوانين التي تسنها؟ أي أن دفع بالفرضية الرئيسة عن الطبيعة الشريرة للإنسان حتى النهاية، فستكون النتيجة أن ممثليّ السلطة أنفسهم سيستخدمونها بأسوأ الطرق الممكنة لضمان تحقيق مصالحهم، وبالتالي مَن يضمن انضواء من يسنون القوانين للقوانين التي يسنونها؟ وفي حال عدم خضوع المتحكمين بالسلطة للقوانين ودفع تسلطهم المستمد من سيادتهم نفسها، فإن هذه السلطة ستكون أسوأ من الحال الأصلي لحرب الجميع ضد الجميع، الذي دفع الناس للتخلي عن حرياتهم والقبول بالخضوع للدولة من أجل الخلاص.

     ومقابل مشكلة ماهية الطبيعة الإنسانية للنظريات التي تقوم على تحقيق الإنسان لذاته لدى التقدميّة، فإن النظرة المحافظة تفكر بكبح جماح الطبيعة؛ تواجه مشكلة السيادة، كضرورة خصوصية، يمكن فهم التصورات المتباينة للطبيعة البشرية بالنظر إلى السياقات التاريخانية التي حكمت نشأة التصورات والنظريات السياسية المرتبطة بها، أيّ التجربة التي شكلت إطار الخبرة الخاصة بالمفكر، فمفكرو المرحلة كانت أمامهم خراب الثلاثين عاماً، والحروب الدينية، بينما نظر روسو إلى البؤس والمعاناة التي عاناها معاصروه، والفقر الساحق لعمال المدن الذي عاصره ماركس. كل الفرضيات والنظريات هي مقاربات تاريخية لمشاكل عينية، تمت صياغتها لتكون وكأنها نظرية عمومية لتفسير الدولة والإنسان.

    يمكن تجاوز المأزقين عبر رفض الفكرة نفسها، ففي النهاية هي فرضية ميتافيزيقية يفضّل الخلاص من اشكالياتها، غير أن التخلص يتم عموماً عبر القبول بمصادرات من نوع مغاير، كالسياق التربوي فالإنسان يأتي خالَي من المفاهيم فتتكفل التربية بجعله على ما هو عليه، وعليه  أيضاً بأن تجعله ما يجب أن يكون عليه. لماركس نقد يقول فيه، من يربي المُربي؟ النمط الثاني من المصادرات هو فكرة السلطة، حيث لا وجود لطبيعة الإنسان، وكل ما علينا اكتشافه هو أن السلطة الكامنة خلف تصوراتنا عن هذه الطبيعة. غير أن هذا الزعم نفسه يعاني من عدم اتساق مفهوم السلطة الذي يحمله، فإن كان كل ما نزعمه يتشكل عبر السلطة فما هي طبيعة الزعم الحالي المرتبط بشرح كيفية تشكل الخطابات؟ هنا يقف المرء بمناقضة الكذب فعلياً في اللحظة التي يجعل من السلطة الحد القبلي والتفسيري للمعرفة، يضاف إليه الاستخدام المزدوج لمفهوم السلطة الأداتي، مثل استخدم المعرفة العلمية لإنجاز أمر ما؛ كاستخدام المعرفة الرياضية لبناء ناطحة سحاب، والمفهوم المعياري للسلطة في تكوين المعرفة نفسها، أي المعايّير التي نستخدمها للحكم بصحة أمر ما هي نفسها نتاج سلطة. والحاصل أنه في الأغلب يتم استخدام أدلة من السياق الأداتي للسلطة نفسها، لإثبات أطروحة تتعلق بالفهم المتعالي أو المعياري للسلطة، ما يعني أن هناك خطأ مفاهيمي (نقد هابرماس لفوكو).

     ينتج عن رفض الحالة الطبيعية للإنسان رفض أي فكرة عما يجب أن يكون عليه الحال، رفض تام ومبدئي للأفلوطونيات أو المدينة الفاضلة المتخيلة والمثالية المفرطة إن لم يكن للإنسان طبيعة متأصلة نسعى لتحقيقها؛ حيث أن كل تصور عن تحقيق الإنسان، هو شأن تاريخي متعلق بالسياق الذي نفكر فيه بالإنسان، فهذا يعني أنه لا معنى بالتالي للحديث عن حالة مثالية، وضرورية لتحقيق الإنسان لذاته، بل أن كل تصور لهذه الحالة نفسه متصل بالظرف التاريخي الذي نفكر من خلاله. يجدر بي الإشارة هنا لحوار دار بين تشومسكي وفوكو وهو عرض ممتاز لهذا الخلاف. كلاهما مناهضان للمجتمع، لكن نعوم تشومسكي يربط مناهضته وسياسات المواجهة التي يقترحها بالسعي إلى تحقيق مجتمع لا سلطوي، مثالي، مستنداً إلى تصوره عن طبيعة الإنسان، في الوقت الذي يرفض فيه ميشيل فوكو فكرة طبيعة البشري، ولا يرغب بربط سياسة المواجهة بأية مبادئ عُليا يجب تحقيقها، ويُقف المبرر الوحيد لها هو مواجهتها وتحديها للسلطة. إذ أن تقديم أية افتراضات بصدد ماهية هذه الطبيعة البشرية يتسبب في سوء فهم لا إمكانية لعبور إشكالياته. يضاف إلى هذا خطر أن ننمذج حالة تاريخية أو متخيلة بوصفها الحالة الطبيعية، ونقع في أفخاخ قراءة لا تاريخية من جهة، وبما يخدم رهانات سياسية من جهة أخرى.

     إن تطبيق الديمقراطية سيكون جيد، ولكن في مجتمع منقسم طائفياً واثنياً ستبدو وصفة مثالية للحرب الأهلية، فالتدخل الأجنبي يعتبر انتهاك للسيادة الوطنية، ولكن مثلاً مع الأنظمة الدكتاتورية أو دولة الفرد الطاغية الذي يسعى لإبادة شعبه، أو في مجتمع مُقسم داخلياً ولا يملك الحدود الدنيا من الثقة المجتمعية الضرورية لأي حوار مفيد فسيبدو هذا التدخّل ضرورياً.

     الحروب الأهلية  تكشف أن كل إنسان يتحول لكائن وحشيّ للآخرين، ولكن هذه الطبيعة الإنسانية نتاج لعقود من حكم شمولي ودكتاتوري. تغرس الوحشية فتحصد الدماء، أياً تكن الاستراتيجية المتبعة فهي فرضية وليس قضية قابلة للإثبات أو النفي، كذلك يجب التنبه إلى إن أحد أسباب سوء الفهم التي تحكم النقاشات السياسية هو التغاضي عن الفرضيات الضمنية الأساس والتي يقوم عليها البناء السياسي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب ومدون عراقي

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق