الرئيسية / احدث التدوينات / شخص لا تستطيع مصافحته

شخص لا تستطيع مصافحته

وقاص

      إنه شخص ستظل فقط تراقبه من بعید .. لکنک لن تستطیع مصافحته! کل الرجال یراقبونه بحذر وانتباه .. عندما یمشي في الشارع تتجه إلیه کل الأعين .. یفسحون له الطریق .. یبادلونه الإبتسامات وسلام الإشارات .. وحتی لو ادعو الإلتفات عنه فإنهم یظلون منتبهین معه .. هو لیس رجلاً غنیاً کما تتوقعون .. ولا عمدة القریة .. ولا حتی موظفاً کبیراً في الدولة .. ولا حتی “مؤتمر وطني”! إنه فقط شخص بمجرد أن یصافحک في یدک .. یعرف فوراً اسم حبیبتک!

      هذا لیس أمراً بسیطاً کما تتصورون .. تخیلو معي .. بمجرد أن تلتقي یده مع یدک فإنه یعرف فوراً اسم حبیبتک واسم أبوها وجدها الأول وجدها الثاني! .. إسمها الرباعي .. “حتی أنت لا تعرف اسم حبیبتک الرباعي” .. تخیلو شخصاً کهذا یصافح العریس مثلاً في یوم عرسه لیجد حبیبته هي فتاه أخری غیر العروس .. یصافح الرجل المتزوج لیجد حبیبته فتاة أخری وقد تکون متزوجة أیضاً، تخیلوه یصافح عمدة القریة فتتسع عیناه أثناء المصافحة .. یصافح رجلاً ضریراً ثم یقول: “لا حولااا .. الحالة إنت ضریر! .. شفتها کیف دي يا حاج”، تخیلوه یصافح مسؤولاً حكومياً في زیارته للقریة أمام الناس! .. هل تخیلتم خطورته الآن! .. لذلک قد تسمی میزته هذه في بلاد أخری أو مدن أخری بالمعجزة .. وبمقاییس العلم تسمی طفرة، لکنها بمقاییس هذه القریة فتسمی “فتنة عظیمة”.

      طبعاً لم یولد ومعه هذه المیزة .. بل ظهرت لدیه فجأة قبل سنتین .. وذلک في یوم عرس حبيبته علی ابن عمها! .. فبعد قصة حب استمرت لثلاث سنوات معها أتی ابن عمها وفي ظرف اسبوع کان العرس .. صدم صاحبنا وغضب وصرخ بلا جدوی .. ثم حبس نفسه في غرفته یبکي طیلة أیام العرس .. إلا الیوم الأخیر .. یوم الجمعة، إذ قرر أن یذهب ویبارک للعریس في بادرة غریبة ونبیلة .. ثم بمجرد أن صافح العریس داخل الجامع اتسعت عیناه وضحک ضحکة طویلة وغریبة ثم قال بصوت عالي: “هو بحب سلوی!” اندهش العریس وتجهم الرجال حوله في الجامع وزجروا صاحبنا وکادوا أن یضربوه لولا أن الشیخ منعهم ثم قال لصاحبنا:

     – دا شنو البتقول فیهو دا؟!

      فقال صاحبنا:

     – العریس دا ما بحب بت عمو بحب سلوی.

      علت أصوات الاستغفار والنهر والزجر والمطالبات بأن یخرجوه من الجامع ویضربوهو وهکذا! لیأت صوت من یسار صاحبنا قائلاً:

     – سلوی منو؟

      فقال صاحبنا:

      – سلوی بت العمدة.

      خرج الجمیع من الجامع تحت هول الصدمة والدهشة .. وکاد الرجل أن یُضرب ویبعد لولا أن والد العروس دافع عنه مطالباً بالتوضیح والتأکد من صحة هذا الأمر .. فدخل والدي العروس والعریس وکذلک العریس نفسه وصاحبنا إلی غرفة مغلقة، کذلک العمدة وشیخ الجامع .. ولحقتهم العروس مفزوعة ومعترضة علی إتمام الزواج بعد أن وصلهم الخبر .. ثم هدأ الجمیع حین طالبهم شیخ الجامع بذلک فالتفت لصاحبنا وقال:

      – الحصل منک دا شنو؟ إنت عشان شالو منک البت الدایرا تقوم تخرب عرس الناس وتفتنهم في بعض؟

      فقال صاحبنا:

      – یا شیخنا أنا ما قصدت أفتن ولا أخرب .. بس أنا لما صافحت العریس دا طوالي جاني إسم حبیبتو قدامي زی ما إنت قدامي هسه دي .. فما قدرت إلا أقولو والله شاهد.

      فقال أبو العریس:

      – دایر تورینا إنک بتعرف حبیبات الناس لما تصافحهم ؟!

      فقال صاحبنا:

     – ما عارف لکن دا الحصل معاي.

     فقال أبو العریس:

      – علي بالطلاق الزول دا اللیلة یمشي أهلو مکسر! .. دا زول کضاب ساي.

      فقال شیخ الجامع:

      – النصیحة الزول دا ما عهدنا منو الکضب .. بس اللیلة جابا کبیرة برضو!

      فقالت العروس:

      – إنتو ما تسألو العریس دا إذا بحب بت العمدة ولا لا؟! .. مالو متبوم کدي!

      فنظر العریس للعروس غاضباً وقال:

      – ما بحبها طبعا.

     فقال أبو العریس:

     – یا بت قفلي بوزک .. ما عندنا بنات بتکلمو في حضرة الرجال .. وانت یا صاحبنا هوي الموقف العملتو دا ما ساهل تب.

     فقاطعه العمدة قائلاً:

     – یا عریس التفت علي جاي ..(فالتفت العریس له) .. کلام رجال قدام الرجال ديل .. إنتا دایر بتي ولا لا؟

     فارتجف العریس وارتبک وصمت قلیلاً قبل أن یخفض وجهه ویقول:

     – النصیحة .. آي دایرا.

      إتسعت العیون کلها واندهشت .. فقال أبو العروس غاضباً:

     أها سمعت یا أخوي! .. بت ما عندنا للزواج!

      فقال أبو العریس:

     – دا کلام شنو؟

     فأسکتهم شیخ الجامع والتفت لصاحبنا وقال:

     – وانت عرفت کیف آزول ؟

     فقال صاحبنا:

     – زي ما قلت لیکم .. صافحتو في یدو وإسمها جاني قدامي زي ما إنت قدامي هسه!

     فانتفض أبو العریس قائلاً:

     – دا کلام فارغ ساي ثم مد یده لصاحبنا وقال له:

      – أهو دا صافحتک وریني شایف شنو؟!

      فاتسعت عیون صاحبنا ثم قال:

      – أحم .. أستاذة المدرسة الغریبة الإسمها هنادي.

     نفض أبو العریس یده من صاحبنا بینما اندهش الجمیع .. إلتفت العمدة لأبو العریس بطرف عینیه وقال مبتسما:

      – إنتا برضو بتحب الأستاذة الغریبة؟!

      فرفع أبو العریس عکازه ووجهه ناحیة صاحبنا وقال:

      – الکلام دا ما یطلع برة الأوضة دي!

      وعلی عکس المتوقع خرج الناس من الغرفة بنهایة سعیدة للجمیع .. فقد تم تزویج إبن العم لسلوی بت العمدة!، وکذلک تم تزویج العروس لحبیبها صاحبنا .. فعاشا في سعادة .. لکن الذي خرج من الغرفة أیضاً هو الخبر الأکید بأن صاحبنا لدیه المقدرة فعلاً علی معرفة إسم حبیبة أي شخص بمجرد أن یصافحه! .. لذلک فإن القریة قبل ذلک العرس لیست هي القریة نفسها أبداً بعد ذلک العرس.

      في البدایة کان الأمر مسلیاً .. فالعشاق المشهورون کانوا ینادون صاحبنا ویصافحونه لیسمعون منه أسماء حبیباتهم، کدليل علی عشقهم الخالص والأوحد .. وكذلك المترددین بین أکثر من فتاة کانو ینادونه لیتأکدون منه علی أي خیار یرسون! .. أحیاناً کان یقول لهم اسم خارج دائرة خیاراتهم! .. أما علي ود الریس تاجر البطاطس فکان صاحبنا یقرأ کل یوم اسم حبیبة جدیدة علی وجهه! .. فیقهقه علي ویقول: “یا حلیل أمي .. طوالي کانت قاعدة بتقول لي قلبک دا أصلو ما ثابت في مکانو” .. أما الشاعر محمد ود احمد فحین صافحه صاحبنا في النادي لم یجد عنده أي حبیبة! .. إندهش جمهور شعره في النادي وقال أحدهم: “ما عندک ولا حبیبة .. ما عندک قلب یعني؟! .. طیب شعرک دا کاتبو في منو؟! .. ولا غاشینا ساکت؟!” .. ثم خرج الجمهور کله غاضباً من غش الشاعر.

     لکن لیس کل أهل القریة رضوا أن یصافحوه طبعاً .. فالکثیرون رفضوا ذلک .. ومنهم مثلاً شیخ الجامع .. فبعد صلاة الجمعة وحین مد صاحبنا یده للشیخ لم یمدد الشیخ یده! .. إندهش الجمع وتسآلت الأعین واشتغل الهمس علی رفض الشیخ للمصافحة .. حینها تدارک الشیخ الموقف وقام في الناس قائلاً أنه لم یصافح صاحبنا لأنه یری في میزته شیئاً من الإدعاء والنظر في الغیب والدجل .. لکن الناس لم یقتنعو بما قاله .. بل أشیع أن شیخ الجامع یخفی حبیبه سریة! .. والمشکلة أن شیخ الجامع متزوج من أربعة فکیف یحب واحدة أخری! .. وهل سیطلق أحداهن لیتزوجها! .. وهکذا توالدت الإشاعات وانتشرت.

     وکذلک کان العمدة من الذین رفضو أن یصافحو صاحبنا .. لکن تکاثر الإشاعات علیه جعله یتحامق ویصافحه أمام الناس في صلاة العید .. ثم قال له بصوت عالي: “قولیهم حبیبتي منو” .. فقال صاحبنا بصوت أعلى: “حبیبتو زوجتو هدی بت الأمین!” .. زغردت هدی حین سمعت الخبر، بینما زادت هیبة العمدة وبانت شجاعته، فأقام کرامة وذبح الخراف وزاد إجلاله بین الناس، وقیل إنه من الرجال العظام النادرین الذين یحبون زوجاتهم! .. لکن هذا الإجلال لم یدم طویلاً إذ سرعان ما انتشر خبر أن العمدة اتفق مع صاحبنا قبل صلاة العید بأن یصافحه ویقول اسم زوجته! .. أي أن الأمر کله مجرد مسرحیة سخیفة! .. حینها قلت هیبة العمدة وصار الناس ینظرون له باستصغار، وحین وصل الخبر زوجته جمعت کل النساء وشکلوا اتحادا نسوياً هدفه الأساسي جمع الرجال المتزوجین الذین یرفضون مصافحة صاحبنا وجعلهم یصافحونه لکي تعرف أسماء حبیباتهم! .. حلل ألأستاذ أحمد – والملقب بفیلسوف القریة – أسباب هذه الحرکة النسویة علی أنها رغبة الإنسان الغبیة لمعرفة الحقیقة دون الوعي بهذه الرغبة .. ولا الوعي بنتائجها .. فالزواج هو أصلاً أن تختار فتاة واحدة ثم تندم علی الأخریات لباقي عمرک!

     المهم .. لم تنجح هذه الحرکة النسویة .. فمنذ أول مصافحة لرجل وحین قال صاحبنا اسم محبوبته اشتبكت زوجته مع محبوبته بالضرب والسب فانفض الاتحاد ورجعت کل امرأة لبیتها! .. ومع مرور الأیام کره الرجال صاحبنا وامتنعو عن مصافحته خوفاً من الفضائح والمشاکل، ووصل الأمر الی ضربه في أحد المرات .. فقرر هو أيضاً اعتزال الناس والمکوث الدائم في بیته، ولکن رغم ذلک لم یهدأ الوضع .. إذ قیل بأنه یخرج أحیاناً ملثماً ویصافح الناس في التجمعات والصلوات فیعرف أسماء حبیباتهم .. إذ انتشرت الشائعات أن الضابط عمر حبیبته هي فلانة .. وسید الدکان یحب فلانة وهکذا .. لذلک أصبح الناس فی ارتباک وریبة من أمرهم .. وصاروا حذرین جداً في مصافحة بعضهم أثناء التجمعات وبعد الصلوات .. إذ یتأکد الشخصان أولاً من بعضهما قبل أن یتصافحان، ورغم ذلک لم تهدأ الشائعات .. إذ قیل أنه یتسلل أحیاناً ویصافح الناس في غفلتهم، فذهب له وفد بقیادة العمدة وشیخ الجامع فأقسم لهم بالله أنه لا یتسلل من بیته .. ولم یعد یصافح أحداً أصلاً.

      بعد فترة من الزمن وقبل أیام من زیارة مسؤول کبیر في الحکومة للبلد جاء وفد من معارضي القریة لصاحبنا في بیته وعرضو له مبلغاً کبیراً مقابل الخروج في یوم زیارة المسؤول الحکومي ومصافحته لمعرفة اسم حبیبته وفضح المسؤول علی الملأ .. فرفض وطردهم من بیته فوراً .. أما مؤیدي الحکومة في القریة فلم یعرفو بأمر الطرد .. لکنهم عرفوا بمقابلة المعارضین لصاحبنا فقرروا أن یضعوا حراسا علی بیته في یوم زیارة المسؤول الحکومي لئلا یخرج ویخرب الزیارة ویحقق أمل المعارضین .. وذلک ما حصل .. ففي یوم الزیارة وقف ستة رجال یراقبون حوش صاحبنا لئلا یخرج .. بینما کانت الحلة کلها في استقبال المسؤول الحکومي عرف صاحبنا بأمر الرجال الذين یحرسون بیته فأخذ ماءاً وخرج لیسقیهم .. فما إن رأوه إلا وخافوا وذعرو ثم قاموا بالجري إلی مکان الإحتفال محذرین من خروج صاحبنا من بیته .. وحین رأوهم الناس یجرون نحوهم من بعید ذعروا وتدافعوا وجروا في کل الإتجاهات خوفاً من صاحبنا الذي خرج من بیته .. سقطت الخیام وضج الناس ورکب المسؤول في العربة وغادر وانخرب کل شئ .. ومنذ ذلک الیوم قلت عطایا الحکومة علی القریة .. وساءت علاقة الناس ببعضهم .. وزادت بالطبع عزلة صاحبنا في بیته وانعدم خروجه نهائیاً .. ورغم ذلک لم تهدأ شائعات أن فلان حبیبته فلانة وفلان حبیبته فلانة .. فقد إدعی شخص أنه مثل صاحبنا ویعرف الحبیبة بمجرد المصافحة .. ثم کثر المدعوون والشائعات فانعدمت المصافحة تماماً في القریة وصار الناس لا یصافحون بعضهم إطلاقاً .. ثم ادعی البعض أنهم یعرفون الحبیبة بمجرد التکلم مع الشخص .. لذلک قل الکلام في القریة والمؤانسات وغیره .. ثم ادعی البعض أنهم یستطیعون معرفة الحبیبة بمجرد النظر للشخص .. لذلک مع مرور الأیام قلت تجمعات الناس في القریة حتی انعدمت تماماً، أصبحت الشوارع فارغة صانة قلما تجد فيها ماراً .. وإذا نظر شخصان لبعضهما من بعید استعجلا المشي و الإبتعاد عن بعضهما .. ولم یعد شخص یجلس مع شخص ولا أحد یزور أحداً .. بل أصبحت حتی المعاملات التجاریة تجري من وراء حجاب .. والعزلة التي فرضها المجتمع علی صاحبنا الآن ارتدت علی المجتمع نفسه.

     ثم بعد عزلة طویلة خرج صاحبنا مرة إلی شوارع القریة .. لیجد کل هذا الفراغ والصمت .. حزن جداً للوضع الذي آلت إلیه القریة .. فتوجه إلی بیت العمدة .. وفوجئ بأن العمدة فتح له الباب بکل سهولة فبرر العمدة له ذلک بقوله:

      – إنت بقیت أقل واحد في الناس دیل .. إنت بتعرف الحبیبة بالمصافحة بس .. في ناس قالو بعرفوها بالکلام وفي ناس بمجرد الشوف ساي!

      – لکن إنت عارف انو الناس دیل مدعین وکضابین ساي.

      – أي عارف .. لکن ما فارقة لأنو الناس كلها مصدقة .. کمان منو البحدد انو دیل صادقین ولا کضابین .. المهم الناس بتخاف وبتتأثر.

      همهم صاحبنا ثم جلس وقال:

      – تعرف یا عمدة .. إنتو ما ضرتکم الحقیقة .. إنتو الضراکم تعاملکم مع الحقیقة وضرتکم الأوهام الجات نتیجة لغیاب الحقیقة .. خوفکم مني والطریقة العزلتوني بیها منکم هي الخلت الکذابین والمستغلین یکترو ویلعبو بیکم ویأثرو فیکم .. لو کان بدل الطرد أحتویتوني ووضعتوني في وسطکم ما کان حصل الحصل.

     – أها هسه العمل شنو؟

     فقال صاحبنا بعد قلیل من التفکیر:

– هسة مفترض نبین کذب المدعین القالوا بعرفوا أسماء الحبیبات دیل کلهم .. نجیبهم وأنا بتحداهم واحد واحد قدام الناس .. وبعد الوضع یرجع زي ما کان أنا حاکون زول عادي بیناتکم .. بس حامتنع عن مصافحة الناس إلا للضرورة .. لأنو صاح مفترض الحقیقة غالباً ما تنکشف ساي .. لکن مفترض دائماً ما نخاف منها.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .