الرئيسية / احدث التدوينات / عن الحب والأخوة

عن الحب والأخوة

طلال

     لاحظت أن طباع أختي ذات الثمانية عشر ربيعاً قد تغيرت، أصبحت دائمة السرحان وكانت تحب افلام الأكشن التي احضرها لها، ولكن يبدو أن ذوقها قد تغير لتحب افلام الحب والرومانسية، ولم تكن تملك روح دعابة وفجأة أصبحت ماهرة في تحويل أي موقف لنكتة أو دعابة، وكانت  غرفتها هادئة والآن أغنية الحزن النبيل وفي عيونك لمصطفى سيد أحمد أصبحت تحتل هدوء غرفتها، وكتب لم تكن تهتم بها وروايات رومانسية تحتل زوايا غرفتها.

     أعرف أختي جيداً، كانت كئيبة فأصبحت نضرة وحية مثل زهرة، ذات ليلة سمعت صوت ضحكتها وعلمت حينها أن أختي تحب أحدهم . شعرت بغضب شديد وكدت أدفع الباب والذي لم تكن تغلقه بالمفتاح ولكنها الآن تفعل، واقوم بضربها. عدت إلى غرفتي وأنا أتخيل أني أقتلها بعشرات الطرق تخيلت أني اغطس رأسها في ماء مغلي، أو أني قطعت يديها حتى لا تمسك بالهاتف. لم أستطع النوم.

     في الصباح كانت عيناي متورمتين ومحمرتين تماماً، داعبتني قائلة:

     – من هذه التي جعلتك تساهر معها في الواتساب؟

     قلت ببرود:

     – لا شأن لك بي.

     وهي تصب لنفسها كوب الشاي لاحظت أنها تنظر للروزنامة شعرت كأنما قلبي تشه عود كبريت عندما عرفت إلى ماذا تنظر 14 فبراير عيد الحب. وفجأة ابتسمت عندما خطرت لي فكرة رائعة.

     وأنا اخرج من المطبخ تبعني صوتها: “لا تعمل شيء على اللاب توب وحاول أن تنام اليوم.”

     كنت أشعر بأنها سبب الألم الذي أنا فيه الآن وأن علي أن اعاقبها، ثم اتصلت بي سناء وهي فتاة أواعدها، دق قلبي عندما سمعت سناء تقول لي:

     – حبيبي.

     – أهلا سناء.

     – تبدو متعباً.

     – نعم، أصبت بالأرق.

     قالت بدلال طفلة ظنت أنها لن تنال مرادها:

      – أمم .. يعني لن نلتقي اليوم.

      أحب أن ألتقي بسناء، فعندما أكون معها يتلاشى أي حزن ويشفى أي جرح، كنت مرهقاً ولكن لا يزال اليوم في أوله، فأجبتها:

      – سنلتقي في الساعة الرابعة عصراً.

      – جيد، لا تنسى أن تضبط المنبه، لا أريد عذراً من أن النوم أخذك.

      – حسناً .. سناء.

      – أحبك.

      – إلى اللقاء.

      ثم بعد ثوان قلت لها:

      – أحبك.

      فضحكت. وبدل أن نغلق الهاتف تحدثنا نصف ساعة أخرى. أستطيع أن أتحدث معها لساعات، لكن مع غيرها لا تستمر المكالمة أكثر من دقيقة.

      ضبطت المنبه وغفوت حتى أستيقظ مرتاحاً وألتقي بسناء. عندما التقينا كانت تبدو متعبة قليلاً ولكنها عندما تبتسم أو تضحك أحس بها تحطم قشرة الارهاق التي تغطيها، أحياناً نجد أنفسنا قد حصلنا على خصوصية لم تكن تخطر لنا على بال، وأنا أستغل تلك اللحظات جيداً في تقبيل شفتيها، ذات مرة وجدنا مكاناً وتعانقنا فيه لساعات، وحتى رقصنا “إسلو دانس”، لا نشعر أبداً أننا نرتكب شيئاً خاطئاً، أو محرم دينياً، أو ممنوع مجتمعياً، بل عندما أودعها من غير عناق ولا قبلات نحس أننا لم نكن على طبيعتنا فطبيعتنا أن نودع بعضنا بحب. فقبلة الوداع دافئة وجميلة مثل الشمس عند الغروب.

      عدت للبيت وقلبي مثقل بعذوبة شفتيها، وكنت أشعر أن قميصي يبدأ التسخين التصاعدي ليحترق، وهذا شعوري عندما أحترق شوقاً، رأيت أختي مع أمي تتابعان مسلسلا تركياً، انتبهت أن أختي تبدو أكثر نضجا كامرأة أكثر من أي وقت مضى، لاحظت أني أنظر إليها وانتزعت من خاطرها ابتسامة وقالت:

     – اليوم أعددت كعكاً لو كنت تريد.

    هززت راسي بمعنى أني أريد، فتحت الثلاجة ووجدت كوب كبير من الحليب والكعك لا يزال دافئا فوق طاولة المطبخ، كان لذيذاً. منذ متى وهي تحب الطبخ؟ أتخيل أنها بدأت تتعلم الطبخ من أجله.

     بالطبع أرادت سناء موعداً معي في عيد الحب، لكني أجلته تماماً من أجل مراقبة أختي، استعرت من أجل ذلك دراجة صديقي النارية والذي يكرهني كثيراً الآن لأني ألححت عليه أكثر من اللازم حتى يعطيني إياها.

      كانت مراقبتها أمراً سهلاً، وخصوصاً أني كنت أرتدي خوذة واقية ذات زجاج  مظلل، وغير أنها لم تذهب لمكان لا أعرفه، فمن جامعتها رأيتها تخرج برفقته حتى وصلا لشارع النيل، وكنت أجلس غير بعيد عنهما واراقبهما. كان يمسك يدها بمناسبة أو من غير مناسبة، ولاحظت أنه يحب النظر للشامة التي في خدها دائماً، وهي تحمر خجلاً عندما يفعل ذلك.

     كنت أحس أن هذا اليوم لن يمر من غير أن أنفجر مثل بركان وأحرق الجميع، تركا مكانهما وبدأ يتمشيان، كانا يمشيان ببطء ويتعمدان أن يتلامسا بكتفيهما، ثم تحت ظل الجسر وبينما القطر يسير فوقهما باغتها بقبلة على شفتيها، استغل الوغد خلو الطريق ليرتشف من شفتيها قبلة طويلة شعرت بها تفرقع دماغي وتشق راسي نصفين.

     ركبت الدراجة بسرعة، وكنت أسب وألعن، وكان جسدي خفيفاً وثقيلاً في آن واحد، وكنت أخطط بشدة أن “أخمهما” معا، بينما كنت أنطلق نحوهما رأيت رجلا بملابس مدنية يركض نحوهما أظنه كان يريد أن يعنفهما أو يلقي القبض عليهما فقد يكون شرطياً، مررت عبرهما بسرعة مخيف وركلت الرجل بقوة على صدره هو وقع بعيداً، ولكن فقدت أنا السيطرة على الدراجة، تزحلقت الدراجة لمسافة أمتار وتدحرجت أنا بجوارها بالكاد حركت جسدي وقد أدت الخوذة وظيفتها بنجاح إذ حمت وجهي ورأسي من إصابة كان يمكن أن تكون بالغة.

     ساعدني صديق أختي على النهوض من على الأرض، شعرت بالدم ينز من ساقي وبألم في ظهري. سألني: “هل أنت بخير؟”

     لم أجبه، ولم أتحدث معهما، وخصوصاً أنها كانت بالقرب مني، فقط جذبت ذراعي من يده بقوة وعندما حاول أن يرفع الدراجة والتي تعرضت لخدوش وتحطمت عدة مصابيح فيها صفعته. أخبرته أن يبتعد عن الرجل الذي ركلته في صدره لأنه يبدو من شرطة النظام العام، في المرآة المشقوقة رايته يمسك بيدها ويهربان بسرعة ويبتعدان عن شارع النيل.

     وأنا أيضا هربت بسرعة، اتصلت بسناء وأخبرتها أني أريد رؤيتها، وأذكر أني قلت لها: “لقد حاولت أن أقتل أختي اليوم، والسبب أني كنت أتجسس عليها وأنتهك حياتها الخاصة.”

     ثم لم أعد أستطيع قيادة الدراجة، فقد انتبهت أن بعض أصابع يدي محطمة، انتظرت وأنا أتأمل نهر النيل بيدين تقطران دماً سناء لتسعفني وكنت أسمع أصوات إنذار سيارات الشرطة وهي تنطلق بسرعة في الشارع، كنت أشعر بخدر طفيف ونعاس أظن أن سناء لو لم تأتي بسرعة سأموت وأنا لم تكن لي اي رقبة بمراقبة جراحي، اكتفيت من المراقبة.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .