الرئيسية / احدث التدوينات / فلسفة اللغة: منطق اللغة عند فتجنشتاين (2)

فلسفة اللغة: منطق اللغة عند فتجنشتاين (2)

محمد حامد

     أصنع لنفسكْ فلسفة ما، وكن بها لغة أخرى، منطلقاً حصارياً وعالماً آخر، كوناً وطريقاً سرياً، لا منطق فيه ولا ساحل، انفصل عن لغتكَ، وأشتعل.

     لنكتب بمنظور فلسفي واضح، ففي فلسفة اللغة منطق لكل شيء حتى وإن غاب عن أذهاننا المعنى لذلك المنطق. لكل عالم منطق خاص فلسفي غير متضح الأطراف وغائب السمات والمعالم، لكنه موجود في لغته التي يستخدم وفي علاقاته التي تحكمه بصورة افتراضية.

     فلسفة اللغة لا حيز لها سوى ما تضيق به في ماعونها، إذ لا إناء يسع المنطق من تحليل اللغة، لا يوجد جدار يحجز اللغة إلا بما تيسر به منطق التعبير المتاح، وأدوات اللغة هي كنوع من الحرفة اليدوية حيث تستطيع تشكيلها كما تشاء في نسق متعمد كالوصف أو الارتداء البحت كالثوبِ الجديدِ.

     رأيي الشخصيّ؟ نعم لا أجد اللغة مصابة بالعسرِ. ولا أشعر بها عقيمة لا تنجب، لنعيش الفلسفة يجب علينا أن نتقن اللغة أولاً، وحتى نصل لما نرغب به من منظور يمحق طقوس الأشياء، يجب علينا أن نتحرى الدقة في استخدام اللغة للتعبير، الحديث عن فلسفتنا بمنطق ووعي عاليين هو من متطلبات الوصول لصياغ لغوي فلسفي صلد وقوي.

      اللغة هي منطق الاستخدام، والفلسفة هي الشعور بالصورة والواقع، هي اطار الحقيقة والخيال لكل الأدوات والمهارات والأساليب، اللغة هي كل الحياة، والفلسفة هي تمعن النظر بصورة مخالفة لكل المألوف، هي نظرة أخرى لغوية وفكرية لأدب الاهتمام باللغة ومنطقها، هي تغيير المنظور للحياة من غير وجود لكآبة اللغة الصرفة أو إعراب ألفاظها الصلدة والصادمة، أو كمحاولة التنقيب عن الجمل المخبوءة بين رمال السطور وكثبان المعاني، وبشكل شخصي قد يتراوح استعمال المعنى لهذا المنطق ويختلف من شخص لآخر.

     أذكر أن فتجنشتاين ذات مرة قد قال (أن المعنى لكل لغة يبدو واضحاً في الاستعمال)، وهو ما يتبادر لأذهاننا في الوهلة الأولى أن اللغة بلا استعمال لأدواتها قد تبدو غير مجدية وضائعة الفائدة. لكن اللغة هي دليل على انتعاش الحضارة البشرية وازدهارها عبر مئات القرون التي مضت، ولك أن تتخيل هذا الحجم الهائل من التعابير واللكنات المحلية واللهجات الاقليمية والكلمات والأقوال والمفردات والعبارات والجمل التي قد تصيبك بالحيرة وتبعث بالدهشة لعميق أوصال بدنك.

     مألوف اللغة لا منطق له ولا معيار، سعة به لا تتغير ولا يتواردها الاطراد، ثمة أشياء تغلف قالب اللغة بلا تحديد وهي ما يبحث عنها الكاتب الذي ينتهج البناء الفلسفي.

     باللغة الصحيحة يتم المعنى كمالاً، يتصوف الجاهل بها وينتشي فيغدو متهيجاً، اللغة هي محراب المسافرين في الكلام، مغارة الباحثين بلعنة المنطق الخفي بها، وفلسفتها هي طريق الخلاص لهم من ركام اللفظ و”دميرة” النقاش التي لا تنتهي، تفتك الفلسفة بمنطق الألفاظ فلا تعلو عليها، وبعض التلفظ بالمعاني التي لا يوجد لها تفسير صحيح باللغة يؤدي إلى تفكيك نسق منطق اللغة المستخدم، وعلمي أن اللغة الراتبة لا تعاني من فلسفة منطقها، بقدر ما هي تعتمد عليه، إلا أن استيعاب المعنى بها لا يمكن إلا على توضيح نهج أغلفتها التركيبية البحتة.

      ففتجنشتاين يميل لفك طلاسم التحليل، وهو يرى أن اللفظ يدل على شيء، والفكر هو تلك القضية التي تحمل معنى فيها، وبها يمكن تصوير نقاط التحليل الجائز عنها، وإن اللغة هي مجموع القضايا السائدة، واللغة الجارية هي جزء من الكيان العضوي البشري، كما أنها لا تقل تعقيداً عنه.

     من هذه اللغة الجارية يستحيل على الإنسان أن يصل إلى منطق اللغة مباشرة. قناعتي أن معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمور حياتية فلسفية خالصة هي ليست بالضرورة غير صحيحة أو كاذبة، وإنما يختلف منطق فلسفتها عن حقيقة العالم من حولها.

     وظيفة اللغة كما يراها فيلسوفنا فتجنشتاين هي تصوير ما يمكن تصويره، أو هي كوصف صادق ومتكامل وشديد الدقة ومحاط بالأمان العالي لكل العلاقات التي تتواجد بهذا العالم، وهو هنا يقول تحديداً “اللغة هي التصوير والوصف والعالم هو مجموعة وقائع لا أشياء“.

     الغريب في الكلمات غالباً لا وراء له سوى أمامه، كما صح القول أن وراء كل نمط كتابي باللغة الساردة ثمة مخارج ومداخل، الفلسفة هي محاولة شرح الحياة ومنظور الشارح لها مختلف ومغاير، وبلا أدوات محددة سوى الثراء المتجدد في اللغة ومفرداتها، يصبح الشارح لهذه الحياة لكأنه مالك لكل لغة بها وعالم بخفاياها، وكل تعليق بلغة ما لوحده، هو قالب لغوي مختلف بما يمتلك من فلسفة لا نطاق لها سوى ما تم استخدامه منها بذلك التعليق.

     حين تقول – لم أظل على مقعديّ – فأنتَ تقصد حتماً عدم التحرك منه أي أنكَ لم تنهض منه، بمعنى أنك لا زلت جالساً عليه، أما حين تقول – بارحت مقعدي – فأنت اما تعني انك قد نهضت عنه، أو انكَ قد غادرت مكان جلوسك على المقعد، وهي كما يشاع – فلسفة المنطق والشرح في اللغة السائدة، وهو اثبات لمقولة الفيلسوف أن المعنى يكمن في الاستعمال.

   ثورة فتجنشتاين في ربط منطق اللغة بالفلسفة الحقة، هي دلالة على نضج كتابته وحقيقة مشروعه الفلسفي في القرن الماضي، كما وأنها دلالة أخرى على توافقية حربه المستمرة في الاعلان عن الفلسفة كوجه آخر لصيق باللغة المستخدمة، فقد يختلفان في المنطق والتركيب السائد، لكن الفلسفة هنا تحاول فقط مقاربة المعنى الداخلي لكل لغة بعيداً عن خيالها، وهو المنطق الحقيقي لفلسفة فتجنشتاين.

    لكن يبقى السؤال: هل تسعى الفلسفة خلف اللغة؟ أم وراء الرغبة البحتة في استخدام منطق اللغة؟

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان