الرئيسية / احدث التدوينات / في نقد الحركات النسوية

في نقد الحركات النسوية

حسان

     إننا أمام مصطلح يشوبه شيء من التعقيد، وخصوصاً عند تعريفه، لأن هذه الاشكالية في التعريف  بالتحديد نتجت عن القاعدة المعرفية التي ينطلق منها، فكما نعلم أن للتيارات الليبرالية نظرة خاصة مختلفة عن التيارات الأخرى مثل الماركسية والحركات الجديدة بمختلف تياراتها، وحتي  التي تنطلق من منصة دينية كالمؤتمر الشعبي مثلاً، وفتاوي الترابي الشهيرة تلك، لكن دعونا من صاحبة التوجهات الدينية؛ لأنها تظل داخل الاطار الديني، ويظل الصراع (ديني- ديني) وكعلماني صلب؛ لا أرى جدوى من الانخراط في مثل هذه التركيبة من النقاشات والحوارات؛ لأنها تقوم علي نصوص وقواعد دينية تأول، وبالتأكيد لي موقفي الخاص من اشكالية التأويل، ورؤية الحركات الإسلامية تلك، لأن النقاش أو الحوار ينتقل من مسألة حقوق المرأة إلى بنية النصوص وغيرها من الإشكالات التي لا يتيح المجال لذكرها.

      لندخل إلى عمق تعريف المصطلح (Feminism) لهذه الكلمة تعريفات عديدة. يعرِّفُها معجم أوكسفورد بأنها: الاعتراف بأن للمرأة حقوقاً وفُرَصاً مساوية للرجل، وذلك في مختلف مستويات الحياة العلمية والعملية. أما النَّسَوية الكندية الشهيرة، لويز توبان، فتعرفه تعريفاً بعيداً كل البعد عن التعريف القاموسي، فالنسوية عندها: هي انتزاع وعي فردي بدايةً ثم جمعي، متبوع بثورة ضد موازين القوى الجنسية، والتهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية محددة.

     وقد تطورت الفكرة – وكذلك الحركة – النسوية منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتَّى الآن تطوراً كبيراً، وتطورت مدارسها فأصبحت لها عدة مدارس. والنسوية ليست فلسفة فقط، أو إيديولوجيا، بل إنها تتعدَّى ذلك للممارسة السياسية ثم الاجتماعية ثمَّ وأكثر من هذا الممارسة الشخصية والذاتية، حيث تعبر النسوية عن مجموعة من الأفكار والمبادئ تتبناها النساء حتى في تعاملهن مع أزواجهنّ.

     إذن إننا أمام مصطلح جديد وكلي يختلف تماماً عن ذلك الذي نطلق عليه حقوق المرأة، فالمراحل التاريخية للمطالبة بحقوق المرأة مرت بمتغيرات عدة، فالخطاب الاشتراكي مثلاً وجه صوت المطالبة بحقوق التصويت والشراكة مع الرجل وغيرها من حيثيات هذا الخطاب. تظهر الحركّة النسوية في القرن العشرين بصورة مختلفة حيث دخلت معها حقوق العمل والتملك وغيرها، ليأتي فكر ما بعد الحداثة برؤية مختلفة كلياً. تعتبر الفكرة التي يقوم على أساسها هذا الاتجاه أنه لا يوجد تعريف مطلق للجندر، سواء من الناحية البيولوجية أو الاجتماعية، فالرؤية الثنائية للجندر (ذكر وأنثى) تعتبر في حد ذاتها تضييقاً على المرأة. تقول الباحثة الأميركية السالكة لهذا الاتجاه، جوديث بتلر، إن تصنيف “المرأة” قابل للتشكيك، لأنه ينضوي تحته أمور أخرى مثل الطبقة والعرق والجنسانية وجوانب أخرى فردية، التي يمكن من خلالها تعريف كل امرأة بشكل مستقل، لهذا تعتبر كلمة “المرأة” كلمة “أدائية” أي التظاهر أو أداء سلوك أنثوي، ولهذا تعتقد نسويات ما بعد الحداثة أنه لا يوجد أساس واحد لتبعية المرأة، وأن هناك طريقة واحدة للتعامل مع هذه الأمور.

     إذن نلاحظ الانتقال في فكره المطالبة بحقوق المرأة، فالتغيرات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية القت بظلالها علي شكلية المطالبة والقواعد التي تقوم عليها، ففي مجتمع كمجتمعنا هذا ارتبط هذا النوع من الحركات بالتيارات الماركسية، ففترة مقاومة المستعمر ونيل الاستقلال ظهرت هذه الحركة الحقوقية فعملت علي اقامة النقابات النسوية ومنظمات المجتمع المدني، لتقبع هذه النشاطات في اطر ذات طبيعية شيوعية تنظر إلى المسألة بانها صراع طبقي، متناسية طبيعة المجتمع الذي يعج بالتعددية الثقافية والتي بدورها تحتاج إلى تفكير مختلف عن العقلية الماركسية، لنوجد لها حلول جذرية تساعد في اخراج الفرد كفرد في ذاته، والمرأة كذات منفصلّة عن الرجل في حل مشكلاتها، وتتلخص اشكاليات التيار النسوي في السودان، وتظهر جلياً في عدم استقلالية الحركة النسوية السودانية عن الأحزاب، أو النظام الحاكم، تحكم في علاقاتها الخارجية بالحركة النسوية العالمية، فبينما ارتبط الاتحاد النسائي بعلاقة وثيقة بالحركة النسوية في المعسكر الشرقي (سابقاً)، والتي لم تكن تولى خصوصية وضع النساء العناية الكافة في إطار مرجعيتها الفكرية، ويعلو فيها صوت القائل بان الصراع الطبقي هو جوهر الصراع، ولا تلقي بالاً لصراع نساء الطبقات غير العمالية مع مفاهيم وقيم طبقتهن الذكورية، وظلت علاقتها بالحركة النسوية في الغرب (اللبرالي) ضعيفة وتكاد تكون معدومة، مما قلل من فرص الاستفادة من خبراتها وأساليب عملها والتأثر بها. وارتبطت الجبهة النسائية ومن ورثها من منظمات نسوية (الاتحاد العام للمرأة السودانية وغيره) بما عرف بالحركة النسوية الإسلامية، والتي ظلت أيضاً منعزلة عن الغرب والشرق معاً باعتبارهما متآمرين على الإسلام ومخططين لتدميره، فقد تم رفض المشاركة في العديد من المؤتمرات الدولية الخاصة بالنساء (مؤتمر القاهرة للسكان مثلاً)، بل تم تأييد موقف الحكومة الرافض للتوقيع على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة تحت هذه الذرائع.

     لم يتمكن الاتحاد النسائي أو الجبهة النسائية ومن ورثها ـ باعتبارهما الفصيلان الرئيسيان في الحركة النسوية السودانية ـ من جمع قاعدة عريضة من السودانيات تحت رايتهما، وبالتالي كان تأثيرهما على واقع النساء السودانيات محدوداً، ويعود ذلك بالدرجة الرئيسية إلى عدم استقلاليتهما وارتباطهما في أذهان الشارع السوداني بأحزاب سياسية معروفة، فالاتحاد النسائي إن أكد باستمرار على أن عضويته تتألف من شيوعيات ومستقلات، إلا أنه ظل محسوباً على الحزب الشيوعي السوداني، والأمر ذاته ينطبق على الجبهة النسائية ومن ورثها من منظمات نسوية، فتعتبر ذراع لحركة الإسلاميين السودانيين. وقد تأثر البناء التنظيمي لهذين الفصيلين وبشكل كبير ببناء الأحزاب العقائدية وصرامة المحاسبة التنظيمية فيها، مما نفر العديد من العضوات المنتسبات لها من الاستمرار. أحجمت كثير من السودانيات الشابات عن الانخراط في هاتين المنظمتين بسبب اعتقادهما بتكلسهما وثباتها وعجزهما عن التجديد في فهم وطرح القضايا.

     إذن إننا نحتاج إلى حركة تنفصل عن أي اتجاه ذو طابع أيدلوجي لتتحرك بشكل حر لا يتم توجيهه، وتظل مثل هذه الاشكالات مدرجة تحت غياب الديمقراطية التي على عاتقها بناء المجتمع و الدولة.

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان