الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : مأزقية الذات في رواية “سيدهارتا” لهيرمان هسه

قراءات : مأزقية الذات في رواية “سيدهارتا” لهيرمان هسه

7.

بقلم: الجزولي إبراهيم

يحصل أن تأسرنا رواية أو كتاب ويعشش في مخيلتنا ويأبى أن ينفك ، ويغدو الأمر وكأنه تسرب للنص إلى أقصى أقاصي الداخل .

ما أود أن أتشاركه معكم هي رواية سيدهارته للألماني هيرمان هسه ، وهي رواية فلسفية في الصميم ضاربةً عميقًا في الفكر والروح ، كتبت الرواية عام 1922م أي في عصر العنف والصخب والحرب والأهوال في الغرب وهو أيضًا عصر الانجازات العلمية والتقنية التي نمطت الحياة الغربية وحولتها إلى سلسلة خوارزميات ، تأثر كاتبنا كثيرًا بهذه الأنماط الحياتية حيث حاول الانتحار في صباه ثم سافر إلى الهند ينشد الخلاص من الرهق الذي أصاب عقله ووجدانه فأنتج روايتين عظيمتين روسهالده و سيدهارته التي سنتناولها .

تعمل الرواية على تفكيك لغز الذات الإنسانية و محاولة سبر أغوارها كما تشير إلى التعمق في الحياة ونشدان السلام النفسي ، فسيدهارتا ترعرع في جو يملؤه الحنان وتغمره المحبة من كل جوانبه كما تشع فيه مسحة صوفية فهو ينتمي إلى جماعة البراهمة ووالده من عظماء الوعاظ ، إلا أن حيويته الذهنية وعقليته التواقة إلى الإنعتاق حرضته على الخروج من كنف البيت والمجتمع بكل مغرياته قاصدًا طريق الذات الوعر .

هناك بعدين في هذه الرحلة بعد زمكاني يتنقل فيه سيدهارتا من منطقة إلى أخرى يبحث عن سبيل للتحرر من عبئ الذات وهناك البعد العرفاني الروحاني حيث صعود الذات إلى مراحل شبه خلاصية ومن ثم النكوص والتقهقر .

بدأ سيدهارتا رحلته بالسامانا وهم جماعة من الزهاد هائمين منقطعين عن الدنيا في سبيل الإفلات من الذات والوصول إلى النرفانا سلاحهم الصيام والصبر والتأمل ، أتقن سيدهارتا هذه الأشياء وافلت من ذاته كثيرًا إلا انه يعود ذاتًا في كل مرة ويعود إليه العذاب والأرق والضياع من طريق الوصول ، فتيقن أن التعاليم والطقوس والعبادة لن ترسو به في اللاذات وعند مغادرته تغلب على زعيم السامانا عندما أحس انه يرفض طلبه في الرحيل مما أدهش صديقه ورفيق دربه جيوفندا ( وقف على مقربة من الساماني وقد ركز ذهنه ، ونظر في عيني الشيخ العجوز وقيده بنظراته واخمد مقاومته وأسكته وتغلب على إرادته وأمره صامتًا أن يفعل ما يشاء منه ) ص 39 .

انشغل البحث الفلسفي كثيرًا بقضايا الذات والنفس البشرية ، وعلوم أخرى أيضًا أبدت اهتمامًا بهذا الموضوع الجوهري حتى الفن الروائي مما يدل على عظمة ونبل هذه الذات ، ولن أكون مبالغًا إن قلت إن الاكتشافات والمعرفة الإنسانية الهائلة والعلوم العظيمة التي ابتدعها البشر سببها محاولة الإنسان اكتشاف ذاته وهو الهاجس الحقيقي الذي يدعونا إلى الفعل ، يقول المسيح ” ماذا يكسب الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه ” .

سيدهارتا يلتقي جوتاما (بوذا) المستنير المتيقظ الذي سمع عنه الكثير المثير ، وتعاليم بوذا هي ليست تدين بالمعنى الحرفي للكلمة بل هي فلسفة للحياة والتصوف من أشهر مفهوماتها – كارما وهو مفهوم منحوت من قانون المعاوضة البشري الطبيعي الذي يقول إن كل إنسان سيكافئ بمثل ما فعل ، أي ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻜﺎﺋﻦ ﺍﻟﺤﻲ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﻗﺐ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻨﻬﺎ ، بما أنها ناتجة عن الإرادة والوعي ومن ثم تنال الجزاء ، والكارما تعمل بمبدأ العدالة الشاملة أي ليس للفاعل ﺃﻥ ﻳﻨﺎﻝ ﺟﺰﺍﺀ ﻻ ﻳﺴﺘﺤﻘﻪ .

ومن المفاهيم البوذية أيضًا النيرفانا : وهي الخلاص الكامل والتيقظ والوصول وهي حالة عجائبية من الوعي لا يمكن فهمها ، يحصل بعد أن يصلها الكائن يصبح متيقظًا ويقوم بتبديد كل الكارما لديه حتى يبلغ عند مماته النيرفانا الكاملة .

استحوذت هذه التعاليم على لب سيدهارتا كما افتتن ببوذا الكامل الذي بلغ النيرفانا ( وسيدهارتا لم يبجل في حياته كلها رجلًا مثل هذا التبجيل ، ولم يحب رجلًا مثل هذا الحب ) ص44 . ولكن وسوسة الذات علا صوتها فلم يلقى الطمأنينة والسلام حتى عند بوذا ، وهنا افترق أيضاً عن صديق كل الأيام جيوفندا الذي قاسمه هذياناته وفرحه وشكوكه ، يقول أبيقور: “من بين جميع الأشياء التي تمنحها الحكمة لتساعد المرء على عيش حياة كاملة مليئة بالسعادة، يعتبر امتلاك الأصدقاء أعظمها على الإطلاق “

الزمن هنا لم يشر كثيرًا إلى الوقت الفلكي نسبة لطبيعة الرواية الفلسفية العرفانية فهو مرتبط دائمًا بحالة سيدهارتا الروحية ، رغم التشويش والذكريات والتفكير والانشغال بالمستقبل نجد الكاتب يتمكن من اقتناص اللحظة والحاضر وكل هذا في منظومة صوفية داخلية وليس الزمن الفيزيقي وتجربة الحضور هذه يسميها الأستاذ محمود محمد طه اتحاد عين البصر والبصيرة ، استخدم الكاتب تقنية الراوي العليم ببراعة فائقة فلم يمارس هذا الراوي السيطرة المطلقة على السرد فتخللته بعض الأصوات ، ودهاء وموهبة هيرمان هسة تكمن في نقطة انه لم يترك سيدهارتا يروي قصته بنفسه مما يوقعه في فخاخ البطولة الخارقة التي أصبحت من الأنماط غير المستساغة في حقبة الحداثة الإبداعية . كما نجده يغرق في تفصيل بعض الأحداث التي ترتبط بدواخل سيدهارتا وشعوراته والأشياء الخارجية التي لها علاقة بحدوث الحالة مما يجعل القارئ مشدودًا متقمصًا الموقف يسمى هذا بتقنية المشهد .

يختبر سيدهارتا نمطًا مختلفًا كليًا عن ما ألفه فهو الذي أفنى جل عمره الذي عاشه في التعبد والصيام والتأمل وإهلاك الجسد واحتقار الملذات وإخماد الشهوات لقد كان ناسكًا يبتغي شيئًا واحدًا ( لم يكن ليسدهارتا غير هدف واحد : أن يظل خاليًا .. خاليًا من العطش والشهوة والأحلام والمتعة والآلام أن يقضي بالموت على الذات ألا يعود ذاتًا ) ص 27 . فلم يتحقق هذا فانخرط في حياة الجسد والشهوات والنزوات ممنيًا نفسه بنزع فتيل التأزم الروحي والعقلي الذي ينتابه فالتقى بالغانية كمالا فتعرف معها على حلاوة الحب كما تيقن أن للحياة عدة أوجه وان بإمكان غانية نزقة أن توصلك إلى الحقيقة والسلام ، كما اعتلى أيضًا صهوة المال والبذخ والخمر والحياة الفاخرة بعد أن ساعده التاجر كاما سوامي واخذ بيده فأصبح من التجار الكبار ، وتجربة المدينة أضافت له الكثير فعرف كيف يخترق هذا المجتمع كما تعلم فنون التجارة والربح والخسارة ولكنه كان لا يكترث كثيرًا في تعاملاته المالية ويتعامل بعقلية الصوفي الزاهد ، استمتع بمقامراته كثيرًا وأحس بمتعة التحول هذه ، لكنه يرى أن المدينة أفقدته أسلحته العظيمة الصوم ، والصبر ، والتأمل وأثقلت روحه وبدنه وضللته عن طريقه فترك كل ما يملك وغادر على أمل أن تغادره ذاته ، يقول سورين كيركاجورد ” المسألة ﻫﻲ ﺍﻟﻌﺜﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ الصحيحة ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻲ ، ﻟﻠﻌﺜﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺃﻋﻴﺶ ﻭﺃﻣﻮﺕ ﻟﻬﺎ ” .

بعد أن غادر المدينة سخر من تماسكها التافه المصطنع واقشعر من نزعتها التصالحية الكذوبة مع الذات وأحس بخواء وضجر غريبين وانتابته حالة عدمية حادة وكان الغثيان والموت يحاصرانه وتمنى من صميم قلبه أن يختفي ويتحول إلى لا شي ، فنام بالقرب من ضفاف النهر فسمع صوت ينحدر من أقصى زوايا النفس وصحا على هذا الصوت وهو “اوم” تعني الواحد الكامل في الصلوات البرهمية فأحس بقشعريرة تسري فيه فرجعت إليه الحياة .

سيدهارتا يلتقي بالملاح فاذوديقا وهي من أغنى مراحل الرواية وأعمقها ، الملاح صديق النهر الذي يجيد شيئين لا ثالث لهما الإنصات والإيمان ، ومعه هدأت نفس سيدهارتا وتبددت مخاوفه واقترب من النهر وعرفه على حقيقته ، وعلم أن صوت الماء هو صوت الحياة وجريان النهر الدائم يجسد الصيرورة الحياتية واتصالها ، كما تيقن أن الحقيقة والسلام والامتلاء بالحياة يكمن في أماكن وأشخاص لم نتوقعهم أبداً ، وهنا حلت اللحظة المجيدة الفاصلة حيث كف عن السعي وراء ذاته الحائرة المتعطشة ، هبطت عليه قناعة خلاصية ، فقط عليك أن تظهر فهمك المحب إلى جميع الأشياء لان الحب أعظم شيء في العالم ، والعالم وأنت كاملان في أي لحظة ، وان التجريب والبحث عن السلام والحكمة لا يوجد فقط في التعاليم الدينية أو العزلة أو التأمل بل عليك اختبار الحياة بكل طبيعتها وتلاوينها ، سيدهارتا تعني الرجل الذي بلغ هدفه في اللغة السنسكريتية وفعلًا وجد الخلاص وأمسى في انسجام مع تيار الأحداث والتعود وتيار الحياة .

تمتاز الرواية بالاتصال والديمومة والحركة المستمرة وتمكن الكاتب من السيطرة الكاملة على الأحداث واتى بخليط من التعقيد والبساطة ، الهدف الأسمى من الرواية هو اختبار الجانب الروحاني الصوفي بتفاصيله الدقيقة وتشذيبه وهيكلته وإعادته إلى بؤرة الاهتمام ، كما تضمنت الصراع بين الفرد والمؤسسة حيث لم تعد الأطر والمؤسسات هي التي تقرر المصير الذاتي ، لغة السرد كانت أكثر شاعرية والأسلوب به سلاسة رغم أن موضوع التساؤل هو الذات والكينونة بكل لغزها وتعقدها وأنها تحتاج إلى لغة الفكر والفلسفة الجافة فهرمان هسة بعقليته الفذة استطاع أن يطوع اللغة ، فالرواية تحفة وسطوة فنية لا تخطئها عين .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة