الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: نظرة على الأدب الساخر: قراءة في كتاب اللي حصل واللي اتقال .. في أخبار الطوارئ والاستقبال

قراءات: نظرة على الأدب الساخر: قراءة في كتاب اللي حصل واللي اتقال .. في أخبار الطوارئ والاستقبال

عبير1

      الأدب الساخر من أصعب أنواع الأدب، ويستمد أهميته من تلك القضية التي يتبناها الكاتب، ورسالته التي يريد إيصالها إلى القارئ. الأدب الساخر لا يعني الضحك من أجل الضحك، بل هو كوميديا سوداء تعكس أوجاع الإنسان بقلم ساخر يرسم بسمة على الوجه ويضع خنجراً في القلب. هو الأدب القائم على المفارقة في سير الحدث ليأتي بشكل غير متوقع مثير للضحك ومحفَز للتفكير. هو أدب الوجع والألم والذكاء ليكون للسخرية صدى ورنين في أذن المتابع، وصورة تتعلق بها عينه وتختزنها، السخرية التي تحمل في طياتها عمق المعنى وتكشف عن بعداً ثالثاً لما وراء الأحداث، وما بين السطور وفي ظلال الكلمات. إن الكتابة الساخرة هي تمرد على الواقع، هي ثورة فكرية ضد البديهيات التقليدية، تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه، ولكن بأسلوب مختلف عن الكتابة العادية.

     علماء النفس يعرفون السخرية بأنها سلاح ذاتي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون المطبق، فالسخرية رغم صخبها الضاحك إلا أنها مثل سدّ منيع يخفي خلفه نهر هادر من الدموع، أو لنعتبرها مانعة الصواعق ضد الانهيار النفسي. أثبتت دراسة حديثة أجريت في جامعة كولومبيا 2015 أن التهكم والسخرية يحفزا التفكير الإبداعي لدى من يقوم بالتهكم ومن يستمع له، كما أن السخرية تحفزّ التفكير التجريدي لدى المستمعين.

     أرجع الفريد أدلر السخرية – كانفعال مركب – إلى الغرائز البسيطة التي تتركب منها، فعرفها على أنها: “خليط من انفعالين هما الغضب والاشمئزاز: فنحن إذ تثور فينا غريزة النفور نشمئز، فإذا عدا الشيء الذي أثار اشمئزازنا على صفاء عيشنا، من أية ناحية من النواحي، بعثت فينا غريزة المقاتلة والانفعال المقترن بها، وهو الغضب، فدفعا بنا إلى السخرية مما بعث اشمئزازنا أو ممن أثاره في نفوسنا. ولا يخلو هذا من عنصر الزهو، لأننا ننزع إلى الرضا عن أنفسنا والاسترواح إلى شعورنا، عقب مطاوعة السخرية والانسياق معها.

     تاريخ الأدب الساخر يذكر لنا أبولينوس أبو الساخرين وأول من استخدم الأدب الساخر لانتقاد الإمبراطورية الرومانية عبر عمل أدبي. ومن بعده هناك قائمة عامرة بأدباء وشعراء ساخرين من مختلف الثقافات والشعوب، أقلامهم أشد قوة من أسلحة الظلم، لأن آلامهم ليست إلا آلام الجموع. من هذه الأسماء: الجاحظ، أبو العتاهية، العبقري برنارد شو، الرائع مارك توين، أحمد رجب، محمود السعدني، أحمد فؤاد نجم، أحمد مطر، الشاعر السوري محمد الماغوط، الساحر جلال عامر، جعفر عباس أشهر الأدباء الساخرين بالسودان، لوريو أشهر الأدباء الألمان الساخرين، الروسي ميخائيل بولكاجوف، خالد الخميسي، عمرو طاهر وغيرهم. واليوم أقدم لكم اسماً جديداً، ينضم لهذا العالم، يحمل معه من خلال كلماته آلاماً وأحلاماً وأفكاراً ورؤى لكل من يتكلم عنهم وبلسانهم. إنه محمد حجاب.

     في بداية المقال أشرت إلى الأدب الساخر الذي يضع خنجراً بالقلب لكن ليس كأداة للقتل، بل لنكز القلب ووكزه وربما وخزه، لهزهزته وتذكرته. ربما اللافت هنا أن الأدب الذي يوجع القلب بقلم طبيب القلب. طبيب القلب الشاب دكتور محمد يحي حجاب، أو الكاتب محمد حجاب. وكتابه الأول: اللي حصل واللي اتقال في أخبار الطوارئ والاستقبال. الكتاب من أحدث إصدارات دار أكتب، صدر منتصف فبراير الماضي، وينتمي لتصنيف الأدب الساخر، ومكتوب بالعامية المصرية.

     حكايتي مع اللي حصل واللي اتقال في أخبار الطوارئ والاستقبال تستحق أن تُروى، بدايتها كانت أثناء مراحل المراجعة والتنسيق للكتاب قبل الطبع، واكتملت مع صدور الكتاب واللقاء مع محمد حجاب والتعرف إليه والحديث معه. منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها القراءة لحجاب، وجدت نفسي تحت تأثير مزيج عجيب من المشاعر المتراكبة، بين الضحك والدموع، بين الإحساس بالسعادة، والوجع من الألم. وسؤال يقفز من فقرة لأخرى ومن مشهد لآخر بين فصول الكتاب الستة “اللي عَلِمّتْ عليّا زي الدنيا ما عَلِمّتْ عليّا” – اقتباس بتصرّف من أحد عناوين الفصول- أما السؤال فكان: ما كل هذا الألم الذي تنضح به الضحكات؟! هذا الألم رأيته في عينيّ حجاب منذ اللحظة الأولى التي التقينا بها، واستشعرته بمجمل حوارنا، محمد حجاب، يُعبّر عن جيله وبلسان أبنائه، لا الأطباء الشباب فقط، بل الشباب بشكل عام، أياً كانت المهنة التي اختاروها لأنفسهم. ويُعبّر بالمجمل عن حالة مجتمع بأكمله، صورة كاملة، أشعة تكشف في ضوء المواقف التي تصفها الكلمات مكمن الداء لتكون كالدواء.

     عشرات المواقف التي استحضرتها من خلال القراءة كمشاهد حيّة نابضة، فالقارئ للكتاب سيجد نفسه فعلياً مُتصوراً للمشاهد ومتابعاً للأحداث كما لو كان بطلها هو نفسه، أو كما لو كان مراقباً لتفاصيل المشهد وجزء منها. بأريحية شديدة أقول كقارئة جيدة – كما أحسبني- أو كقارئة مجتهدة تسعى حثيثاً مُستخدمة لوعيها الخاص كي تفهم ما تقرأ ظاهراً وباطناً: “قرأت لمحمد حجاب، وسأقرأ له دائماً، لأن القراءة له ممتعة وموجعة وثريّة بما تمنحه لي من أفكار وبما تجعلني عليه من حالة انفعالية أحب أن أكون عليها. وككاتبة وناقدة اعتادت أن تنظر للعمل محل الدراسة كمحتوى كامل التفاصيل يحمل بين طياته الفكرة والمعلومة والحالة، يطرح الرؤية الخاصة بكاتبه ويعكس من خلالها رؤى أخرى لأفراد المجتمع الذين يخاطبهم ويتكلم بلسانهم ويحكي عنهم وعن عالمهم، أقول: “إن حجاب، بحماس متقد مشوب بألم التجربة، ووجع الخبرات المتراكمة، وحسّ الإنسان الذي يهتم، وحذاقة الطبيب الذي تعلّق بحلمه منذ سنوات المراهقة وأثناء تشكّل شخصيته، هذا الحلم كان ببساطة أن يكون طبيباً للقلب، وقد كان، أصبح حجاب طبيباً للقلب، لا أعني فقط القلب الإنساني، بل قلب المجتمع نفسه الذي حاول حجاب تطبيبه بعد أن وضع يده على هذا القلب ملامساً لموطن الألم، محاولاً إنعاشه، باعثاً فيه تياراً من القوة، تلك القوة النابعة من المواجهة، بضحكة تنتزع معها بعض الألم، وتمتزج به وتتمازج معه.

     قوة الكتاب تكمن في قوة كاتبه في التعبير عن أفكاره، وعرضها بالشكل الذي يتناسب مع الحسّ الساخر الذي يعادل مقدار وجع الواقع، أو كما قال محمد حجاب في بداية الكتاب، أن الواقع أصبح منافساً للخيال، وهذه حقيقة ربما نلاحظها جميعاً في حيواتنا اليومية على مدار الساعات التي نقضيها بين العمل والحياة الشخصية في المنزل والشارع ومع الأصدقاء والجيران، وفقاً لبيئاتنا وحسب تنوعها، ووفق ظروفنا وأحوالنا المعيشية، وطبيعة أعمالنا أو المهنة التي نمارسها. فالطبيب يلامس الحياة اليومية لعشرات الأشخاص، وربما المئات في اليوم الواحد، خاصة إذا كان بقسم الطوارئ والاستقبال، وأثناء التكليف، وفي فترة النيابة، الطبيب يرى الداخل بعمق، يشعر بالألم عند قيامه بتشخيص المرض ووصف العلاج. الطبيب إنسان منغمر بين الصحة والمرض، بين الداء والدواء، بين الحياة والموت، بين البشر.

     قلب الشيء هو عمقه، وهذا هو تخصص حجاب كطبيب، أخصائي قلب، يحاول شفاء القلوب، ويحاول بالوقت ذاته سبر أغوار المجتمع للوصول إلى الداء، وهو هنا يفعل هذا بمزيج من سخرية محببة صادمة لاذعة ممتعة وموجعة، لا تملك وأنت تقرأ إلا أن تقول: “عيني عليك يا ابني” -مقتبس من الكتاب- مشاهد مختلفة وعناوين مضحكة ومعبرة عن المشهد، وخاتمة لكل مشهد أو حكاية، في حدّ ذاتها هي ملخص للحكاية.

     يحكي لنا حجاب مشواره مع الطب والقلب منذ أن كان طالباً بالمدرسة يسعى كي يكون طبيباً، يسعى لتحقيق ال خمسة عين، وهي أحلام الطبيب كل حلم منها يبدأ بحرف العين، جرت العادة على وصف عالم الأطباء بها في مصر: عيادة، عربية، عروسة، عزبة، عمارة، و… عيني عليك يا ابني، فل تنل من العين إلا عين واحدة يصعب عليها حالك.

     هل يصعب علينا فعلاً حال الأطباء الشبان كمحمد حجاب! أم يصعب علينا حال كل شاب في أي تخصص آخر غير الطب؟! أم يصعب علينا حال مجتمعنا كله، ويصعب علينا حالنا أنفسنا؟! هذه هي الأسئلة التي راودتني بشدة وأنا أقرأ الكتاب، لم أكن أقرأ أفكار طبيب فقط، ولا شاب مصري فقط، بل وجدت صدى لأحوال كل شاب في كل بقعة من بقاع منطقتنا المنكودة المنكوبة بواقع قبيح مؤلم لا يكف عن إيلامنا، وإيذاءنا دون أدنى رحمة أو شفقة، هذا الواقع الذي يسخر منا بما يصنعه بنا لا يدرك أن لدينا ذخراً لا ينضب من سخرية موجعة ولكنها لا تكتفي بالوجع بل تضعنا أمام أنفسنا في مواجهة مع الواقع ومعركة لا تنتهي، ولن تنتهي، بغض النظر عن النتائج، بغض النظر عن الانتصار فالمقاومة انتصار، والمواجهة انتصار، والضحكة انتصار، بل وسلاح يمنح صاحبها قوة الاستمرار والصمود، فقط لأنه لن يستطيع الاستسلام أو التسليم بهزيمة لا يمكنه القبول بها.

     اللي حصل واللي اتقال في أخبار الطوارئ والاستقبال؛ بداية قوية لكاتب قوي، ودعم قوي لقارئ يستمد قوته من الكلمات التي تخرج من القلب لتجد لها مكاناً في القلب. اللي حصل واللي اتقال، كتاب يناقش قضايا عميقة ويطرحها بأسلوب شيّق وبعرض مبهر ممتع، يجعلك لا تترك الكتاب قبل أن تنهيه، ولا تتوقف عن الضحك بين سطوره ومشاهده، وتغلق الكتاب تضعه جانبك، ربما تتذكر نظرة وايماءة كانتا ارتسمت على وجه القدير المخضرم نجيب الريحاني، ربما هي من وجهة نظري عنوان لقدرة الإنسان على مجابهة أسوأ كوابيس الواقع وشروره بابتسامة حزينة باكية. – علّه يدرك أن كل ما أصابنا به لم يأخذ من أرواحنا إلا قدر تلك الابتسامة الساخرة التي تنطق، وماذا بعد؟! أو بالعامية المصرية آخرتها معاك إيه؟!-

     أخيراً، وددت لو كنت أستطيع عرض كل مشهد وتفاصيله، لكنني أدرك أنني لو فعلتها سأفقدكم متعة الاستمتاع باللي حصل واللي اتقال… لذلك أدعوكم لقراءة الكتاب وسماع صوت كاتبه، محمد حجاب، صوت يجب أن يُسمع، وصورة يجب أن تُختزن في الذاكرة، واسم سيبقى عالقاً بالأذهان بما يكتب وبما يبوح. وعليه ألا يكفّ عن الكتابة، وألا يتوقف عن سخريته الموجعة، التي تخفي خلفها نهراً من الدموع، هي دموع جيل بأكمله. مات حلمه، أو سُرِقْ. هكذا تبدو الحقيقة للناظر إليها. ربما. لكنني ورغم كل شيء على يقين، بأن الحلم لم يمُت، إنما شُبِّه لهم (سارقوا الأحلام) فالحلم يبقى خالداً بكلمات صاحبه، الحلم أبداً لا يموت. والدليل ستجدونه في اللي حصل واللي اتقال في أخبار الطوارئ والاستقبال.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .