الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: قراءة في كتاب فاعلية الخيال الأدبي

قراءات: قراءة في كتاب فاعلية الخيال الأدبي

خالد

       أعد كتاب فاعلية الخيال الأدبي، لكاتبه العراقي سعيد الغانمي، رحلة مليئة بالمطبات والمنزلقات التي تحتاج إلى دراسة وتنقيب وتأمل، من واقع المصادر العديدة التي يعتمد عليها خلال بناء سياق الكتاب، وعرض نتائجه وخلوصاته التي ترمى لمصب العنوان، وفحص الآليات البلاغية في الأنساق المعرفية, مما يؤول إلى جعلها ذات نسق معرفي، وهي نتيجة مضادة للمقولة التي تقول بأن: “الأدب (الخيال/ البلاغة) مجرد هرطقة لا مكان لها من الوجود”, ويمكن القول بأنها استخدمت منهجية الدراسات العلمية بوضع مشكلة الدراسة، ومن ثم عرض النظرية والغوص في الاستدلالات على أثر النظرية بمنهجية وصفية، وهذا كله بموضوع الأدب وخصوصاً تقنية الخيال المعتمدة على آليات البلاغة (الاستعارة/ الكناية).

      يمكن عد أنه يتناول ثلاثة تخوم معرفية (الأسطورة/ الفلسفة/ العلم) مطب لمن يقرأه من واقع أنه يحتاج إلى الإلمام برئيسيات هذه التخوم لفهم الكتاب, لكن منهجية الخلوصات أو الآراء التي يبديها الكاتب بعد كل نقولاته واقتباساته التي ترمي في موضوع العناوين الجانبية تساعد بصورة كثيرة في حل هذه المعضلة للقارئ, لكن بلا شك سيتطلب جهداً كبيراً في فهم النظرية ذات المثلث الدلالي المحركة للكتاب.

      فالكتاب ينقسم إلى تسع فصول تتحدد أربع أفرع رئيسية وهي (النظرية وأساسها اللغوي، منظومة الخيال الأسطوري، منظومة الخيال الفلسفي، منظومة الخيال العلمي) وهي متناولة على بعدين: بعد أفقي متراكم تاريخي متبادل بين الثلاث منظومات وعلى ضوء النظرية يشتغل فيها الكاتب، وبعد رأسي في ذات المنظومة يستكشف فيها الكاتب الآليات البلاغية التي في نهايتها يؤصل لمفهوم إمكانية أن يكون الأدب مصدراً من مصادر المعرفة عبر آليات البلاغة (الإستعارة والكناية كما في مخطط جاكوبسن).

أولاً: النظرية وأساسها اللغوي:

      يستفيد الكاتب من نظريات كل من (جاكوبسن، دي سوسير، فراي) ويستخرج منها مخططه الثلاثي الذي يعمل فيه الكتاب بأكمله وهو (الكلمة/ التصور/ الشئ) وهي توازي مخطط دي سوسير (اللغة/ اللسان/ الكلام) وتوازي مخطط المطورين لنظرية دي سوسير (الدالة / الدلالة/ المدلول) وهذه المخططات الثلاثية موضحة بشكل جيد في الكتاب مما يساعد على فهمها ومساواة كل مخطط لمنتجها، وهي التي تشتغل ببعد تراكمي أفقي في الخيالات الثلاث آنفاً. أما نظرية جاكوبسون التبادلية فترتكز على ثنائية (الاستعارة/ الكناية) ويستفيد منها الكاتب في البعد الرأسي في ذات المنظومة الخيالية، وكشف الآليات في نصوصهم وطريقة تفكيرهم والارتكاز المعرفي عندهم. ولابد من شرح أن المخططات الثلاثية هي تعتبر كمركز معرفي، أو نظام تحقق لمن يعتمدون عليه، وهو ما سيظهر في كشف المنظومات الخيالية الثلاث.

ثانياً: العهد الأسطوري:

      يعتمد على نظام تحقق معرفي على مبدأ (الكلمة)، حيث أأأان وجود الأشياء تعتمد على تسميتها. ويشرح كاسيرر بصورة واضحة كما ذكر في الكتاب نظام المعرفة في العصر الأسطوري: “إن التفكير الأسطوري يحول الاستعارات فوراً إلى قوى ملموسة، إذ لا توجد في عالم هذا الفكر تسميات مجردة؛ بل تتحول كل كلمة مباشرة إلى شكل أسطوري عيني ملموس، هو إله أو شيطان، وهكذا يمكن لأي انطباع حسي، مهما يكن غامضاً، إذا كانت تثبته اللغة وتحتفظ به، أن يكون نقطة بداية لتصور إله أو دلالة عليه.” ويمثل الكاتب بعدة أمثلة تحقق معنى اعتماد نظرية المعرفة في العهد الأسطوري على مبدأ الكلمة (طقس الملك البديل، فكرة المؤلف، التحول الأدبي من خلال ملحمة جلجامش) وكلها تعتمد في أساسها على أن الكلمة تتحقق سواءاً كانت تنبؤ كما الطقس الملوكي البديل، أو إذا وقعت كما في ملحمة جلجامش، وإن فكرة المؤلف عندهم تعتمد على قدسية الجماعية واختفاء الفردية؛ لأن النص وهو الكلمة مقدس، ولذا هو ملك للجماعة لا الفرد وهو المعبر عنها، ولا ننسى أداة الحكم الأدبية المستخدمة والتي تعبر عن قوة الكلمة من الشيخ إلى تلميذه، وهو نظام تحول في العهد إلى الفلسفي إلى حوارية مع سقراط.

ثالثاً: العهد الفلسفي:

      يعتمد نظامها المعرفي على (التصور) أي أن وجود الأشياء يبدأ من تعقلها في الذهن، ولا بد من الإشارة إلى أن الكاتب قد استخدم – كما نص ذلك في العهد الأسطوري – تفلسفاً في النصوص الأدبية الأسطورية وأخرج منها مفاهيم تأطيرية ك(موت البطل الملحمي، ثقافة مبدأ الإسم… وغيرها)، وفي العصر الفلسفي يستخدم العكس؛ أي فحص المفاهيم الفلسفية بالآليات البلاغية (الاستعارة/ الكناية)، وهو ما يظهر في الثلاثي (سقراط، افلاطون، ارسطو) اللذين اشتغلوا على بنية اللغة وفق أداة العقل، وبالتالي يخاف سقراط من البلاغة (الاستعارة في الحوار). ويطرد أفلاطون الشعراء من مملكته نسبة لانحراف لغتهم، وهو ما يؤكد مفهوم على تأثير الأدب في المتلقي وبالتالي تعتبر كمعرفة، وارسطو حين يؤسس بنية اللغة المنطقية، أو ما يسمى بعلم المنطق. ويشتغل الكاتب هنا على مفهوم انتقال ممرحل من الاعتماد على الكلمة وآثارها من الخرافات الأسطورية والتنبؤات المستقبلية إلى الحوار كأداة لتوليد المعرفة كما عند سقراط، والتفكير المنطقي في علل الأشياء، ولا ينسى الكاتب أن يوازي بين ذات المفاهيم في الأسطورة إلى الفلسفة حيث يطبق مفهوم موت البطل الملحمي على سقراط وما منحه من ترسخ قوي في تاريخ البشرية. ومن ثم يكشف البلاغة في فهم المدينة الافلاطونية رغم طرده الشعراء عبر تعبيرات المثل، الظلال، الكهف، النور لشرح ما يوده افلاطون.

رابعاً: العهد العلمي:

      يعتمد نظامها المعرفي على الشيء، أي تحقق الأشياء يكون مادياً، وهو ارتكاز منظومة العلم، ويشتغل الكاتب عبر فحص آلية الاستعارة بتاريخ العلم ليشرح فاعلية الخيال، وإلحاقها بمسمى العلمي، أي إذا كان المسار في الأسطورة من الواقع إلى الكلمة، فإن الخيال العلمي يأتي من الكلمة إلى الواقع أي هو التحقق النهائي في المخطط الثلاثي في نظريته اللغوية وهو ما يشرحه مبدأ العلل بأن الأشياء تبدأ في تصورها ثم تنتقل إلى الكلمة ثم تتحول إلى الواقع وهو وظيفة العلم.

      فبلا شك يضيف الكتاب عديد من المفاهيم التي يمكن استثمارها بفهم الواقع الذي نعيشه على مستوى السياسة/ المجتمع/ الثقافة. فعلى سبيل المثال ثقافة مبدأ الاسم التي يمكن مقاربتها بوقوع كلمة الشرف في المجتمع, فقول الكلمة ميثاق تتحقق بلفظها, وأيضاً اختفاء فاصل بين الكلمة ومدلولها المادي التي يمكن استثمارها في فهم العقليات السياسية خصوصاً للزعماء/ قادة القبائل/ الزعماء الروحانيين. بحيث يكون الرئيس بمثابة رمز للبلد إلى درجة أن يكون الرئيس هو البلد والبلد هو الرئيس.

      أيضاً ما يمكن استثماره مفهوم الفلسفة الذي يحفز لإعمال فاعلية الخيال، والذي هو ليس تصوراً فقط، إنما هو عالم مغاير لعالم نعيشه, وإعمال التفلسف يكون في اللا طار/ اللا معروف/ اللا مكتشف بحيث يتحقق معنى المعرفة التي هي اكتشاف وتأمل على مستوى تصوري له ارتباط وثيق بالمعنى الروحاني، وازالة الحجب للمستوى الذهني ثم العمل على إنزال هذا التصور لمسار الكلمة/ الألفاظ ثم مسار الشيء /العلم, وهو ما يؤكد على فاعلية التفلسف كمؤسس لكل شيء نراه ونتصوره وهو ما لا يتحقق إلا به, وهذا قول متضمن جزئياً في الكتاب.

     ما يمكن استثماره هو الغرض الرئيسي للكتاب ما يؤكد على فاعلية الكتابة الأدبية في معنى متحقق للمعرفة/ لما يمكن أن يؤثر على تصورات متلقيهم ووصلوها إلى شعورهم الإدراكي/ ونتائج ومتغيرات هذه التأثيرات على مستوى الإنتاج سواء كان فكري/ مادي, للواقع.

     أخيراً يمكن عد الكتاب على أنه قد نحى منحى تنظيري تاريخي، وينقصه المنحى التطبيقي عبر الدراسات التحليلية للنصوص الأدبية، ومدى فاعليتها الخيالية في بناء تصورات معرفية للمتلقي.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان