الرئيسية / احدث التدوينات / قصص مناهضة الإستعلاء حول العالم (5): من ذاكرة الإرهاب الديني

قصص مناهضة الإستعلاء حول العالم (5): من ذاكرة الإرهاب الديني

رهام

بقلم: رهام حبيب الله

 

      تشير البحوث إلى أنها مأهوله بأسلاف البشر منذ 1.2مليون عاماً، وتوحي الأدلة الأثرية أنها كانت أحد الملاجئ الكبرى التي ساهمت في إعادة إستيطان الإنسان بعد نهاية العصر الجليدي الأخير، أما اليوم فهي دولة ديمقراطية ذات حكومة برلمانية في ظل نظام ملكي دستوري، الدولة ذات التباين العرقي والتي ستكون نموذجي لهذا المقال هي إسبانيا أول أسم يتبادر للذهن حين يكون الحديث عن حريات التدين.

إسبانيا:

      تعتبر ثاني أكبر بلد في الاتحاد الأوربي من حيث المساحة، لكن هذه المساحة متوزعه؛ حيث يطلق لفظ إسبانيا على الدولة التي تقع جنوب غرب أوروبا في شبه الجزيرة الإيبيرية، لكنها تضم أيضاً جزر البليار في البحر الأبيض المتوسط، وجزر الكناري في المحيط الأطلسي قبالة الساحل الأفريقي، واثنتين من مدن الحكم الذاتي في شمال أفريقيا، وبلدية صغيرة داخل الأراضي الفرنسية. بالإضافة لهذا التنوع الجغرافي فقد عرفت أيضاً تنوعاً عرقياً كبيراً؛ فتاريخياً شهدت المنطقة إنشاء العديد من الامبراطوريات والمستعمرات، بدءاً من المستعمرات التجارية التي أنشأها البحارة الأغريق على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط حوالي 500 – 300 قبل الميلاد، ثم القرطاجيون، ثم الرومان منذ 210 – 250 قبل الميلاد الذين إمتدت سيطرتهم لستة قرون تقريباً، ثم تلاهم الغوط الغربيون حتى سقطت شبه الجزيرة في القرن الثامن الميلادي بيد جيوش المسلمين كجزء من توسع الخلافة الإسلامية الأموية، لذلك من يطلقون على نفسهم اليوم السكان الأصليين هم خليط عميق الجذور من أعراق مختلفة، ويضاف لهم اليوم شريحة كبيرة من المهاجرين من أصول شرق أوسطية، وهندية، وصينة، وفلبينية – الفلبين التي كانت مستعمرة أسبانية – وبريطانية (وصلت أعدادهم في 2006 إلى 760 ألف)، والمانية، وغجرية (حوالي 700الف)، إضافة إلى 900 ألف روماني، و780 ألف مغربي، و410 ألف اكوادوري، و240 ألف كولومبي وغيرهم، حيث قدرت الإحصاءات للحكومة الأسبانيه أنه في عام 2001 كان يقيم في البلاد أكثر من 5.2 مليون أجنبي، في العام 2008 بلغ تعداد السكان 46 مليون نسمة يشكل الأسبان 88% منهم، بينما يشكل المهاجرين 12% (ضمن الأتحاد الأوروبي تمتلك أسبانيا ثاني أكبر معدل هجرات، يتوقع أن الأعداد تضاعفت جداً بعد الهجرات الأخيرة التي تشهدها المنطقة). هذين العاملين مضافاً أليهما موقع إسبانيا ومسامية حدودها جعل منها دولة ذات ثراء وتنوع عرقي غير مسبوق. أعترف الدستور الاسباني لعام 1987 في مادته الثانية بالقوميات، حيث تعد أكبر الهويات الاقليمية التقليدية هي الباسك، وكتالونيا، وقشتاله. رغم ذلك فالهوية المشتركة بين المستويات المحلية أو المجتمعات ذاتيه الحكم والصعيد الوطني الإسباني تجعل مسألة الهوية الأسبانيه معقدة وبعيدة كل البعد عن الأجماع.

ماضي مظلم:

      تقول الوثائق بأن المسلمين حين غزو شبه الجزيرة عاملوا المسيحيين واليهود معاملة أهل الذمة، ولم يجبر أحداً على ترك دينه لكن تزايد أعتناق الأسلام حتى شكل المسلمون من أصول أيبيريه غالبية سكان الأندلس بنهاية القرن العاشر (أطلق عليهم الموريسكيون ). تفاعلت الثقافة الأسلامية مع الثقافة اللاتينية لشبة الجزيرة بطرق معقدة مما منح المنطقة ثقافة مميزة، فكانت قرطبة عاصمة الخلافة هي المدينة الأكبر والأغني والأكثر تطوراً في أوروبا الغربية. لكن تحولت الدولة لاحقاً إلى حزم طائفية وضعفت شوكتها، لا يهمنا الآن تحليل أسباب سقوط المملكة الإسلامية، ولكن نكتفي بالقول أن القادمين الجدد بذاتهم كانوا متنوعين عرقياً، فجنود الجيش الإسلامي الأمازيغ القادمين من شمال أفريقيا إصطدموا من القيادات الأسلامية القادمة من عاصمة الخلافة مما خلق توتراً إجتماعياً واضحاً.

     في سنة 1491 تم توقيع معاهدة الاستسلام بين ملك الكاثوليك، وأبو عبد الله آخر أمراء مملكة غرناطة في المعاهدة المعروفة بأسم “سانتا في” التي كانت تنص على إستسلام غرناطة للمسيحيين مع ضمان حق المهزومين في حرية العبادة والمعتقد، لكن هذا لم يحدث فقد كانت نية الملك تعديل الكفة الديموغرافية في المنطقة. في البداية شجع نظام الحكم الجديد على تهجير المسلمين إلى شمال افريقيا، لكن التهجير لم يكن بقرارات ملكية، بل إتخذ شكل المضايقات التي تزامنت مع فتوى أحد شيوخ المسلمين التي تفيد أن من يقبلون المكوث في بلاد الكفار يعدون مثل الذميين في بلاد المسلمين ،ثم تزايدت الوتيره شيئاً فشيئاً ،حتى صدر مرسوم عام 1499 يقضي بإجبار جميع مسلمي إسبانيا على إعتناق المسيحية وإلا تعرضوا للطرد، ثم أقدمت السلطات عام 1500على إحراق كمية هائلة من الكتب الإسلامية في ساحة البيازين بغرناطة مما أحدث أنتفاضة بين المسلمين أثارت مخاوف السلطات، فأصدرت في العام 1502 مرسوماً ثانياً يلغي جميع أشكال التسامح مع المسلمين في المملكة. بعد ذلك إمتدات حملات من التنصير الإجباري بواسطة الترهيب والتعذيب بطرق وحشيه قدر لها أن تُخلد في التاريخ الإنساني، فبلغ عدد المورسكيين الذين تحولوا للمسيحية حوالي مليون شخص، وظهرت محاكم التفتيش التي تولت مهمة مراقبة المنتقلين حديثاً للمسيحية، وتحدد أي سلوك يدلل على أتصالهم سراً بدينهم السابق، فأعدمت حرقاً ما لا يقل عن أربعين ألف من المنصرين الجدد، في واحدة من أكبر حالات التطهير العرقي التي عرفتها القارة الأوروبية.

     الجدير بالذكر أن أعداد المسلمين الذين طردوا في تلك الفترة قدروا بالملايين، بينما بلغ عدد اليهود 300 شخص، ولكن وفيما أسمته الحكومة الأسبانية “بتصحيح خطأ تاريخي” صوتت مؤخراً على قرار يمنح الجنسيه لأحفاد اليهود “السفارديم” الذين طردوا عام 1492 دون الحاجة للتخلي عن جنسيتهم الحالية، في حين لم يذكر هذا “التصحيح” شيئاً عن المسلمين الموريسكيين. بينما يرى البعض أن هذه محاولة لجذب رؤوس الأموال، خصوصاً أن أحفاد السفارديم اليوم مواطنون في دول رأسمالية متقدمة، يرى آخرون أنه تمييز مجحف وغير مبرر بحق ملايين المسلمين الذين شردوا عن ديارهم.

     اليوم في الدولة التي شهدت تاريخاً مظلماً بسبب الدين توضح الأحصائيات اليوم أن المسلمين يشكلون 2.3% أي ثاني أكبر ديانة بعد الكاثوليكية، اليهود 0.14 %، فيما اجتاحت العلمانية البلاد بعد تزايد الهجرات في العهود الأخيرة.

أقليم كاتلونيا:

     واحدة من أهم إشكالات الهوية الإسبانية وأفتقارها للتوحد هو الأزمة الحالية في أقليم كاتلونيا، وهو منطقة تقع في أقصى شمال شرق شبه الجزيرة الإيبيرية، تبلغ مساحتها 32.106 كم2، 19% من سكانها – البالغ عددهم أكثر من 7 مليون – من المهاجرين، وضعها الدستوري متنازع عليه بين مملكة إسبانيا التي تعتبرها منطقة ذات حكم ذاتي داخل حدودها وحكومة كاتلونيا التي تعتبرها جمهورية مستقلة أعلن إستقلالها عن إسبانيا من جانب واحد في 27 أكتوبر 2017.

     تمتع إقليم كتالونيا بالحكم الذاتي من عام 1932 وحتى 1939 بنهاية الحرب الأهلية الإسبانية، وجاء حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو على كتالونيا بكل سوء فأعدم الآلاف من الكتالونيين منهم رموز وقادة سياسيين كانوا يدافعون عن استقلال الإقليم، كما قام الجنرال بمنع تعليم اللغة الكتالانية في المدارس، ليستعيد الإقليم حكمه الذاتي بعد وفاة فرانكو عام 1975 ويعمل منذ هذا التاريخ على تعميق الفجوة بينه وبين حكومة إسبانيا المركزية بمدريد. بدأ الإنذار بتصويت 88% من مواطني كتالونيا على إقرار نظام خاص بالإقليم سنة 1979، ثم خطوتان هامتان في 2003 و2006 عندما صادق البرلمان المحلي على نظام أساسي جديد يقر بسيادة الإقليم، وهو ما أشعل الخلاف بين الطرفين. واليوم الأقليم يتحدث بلغة خاصة به وثقافة مغايرة عن بقية مناطق إسبانيا، لكن حكومة مدريد ترفض استقلاله عنها.

     – رغم أن تاريخ إسبانيا الأسود حافل بالمجازر التي تسبب بها الدين إلا أن الإحصاءات تؤكد أن أغلب الأسبان اليوم ملحدين أو لا أدريين، وكادت الكنائس تغلق أبوابها لولا المهاجرين اللاتينين، لكن على الرغم من ذلك لا يزال يستخدم الخطاب الديني خصوصاً بعد حالات الأرهاب الأخيرة التي حدثت في أوروبا، لتسيطر عبارات مثل “هؤلاء هم أحفاد الغزاة المسلمين” على الساحة العامة كلما أستجد أمر، لينعكس ذلك في تضييق وأعتداءات متكررة في حق المسلمين الأسبان.

     – لم تكن أسبانيا منذ فجر تكونيها قومية واحدة، وما يحدث في إقليم كاتلونيا لن يكون الأخير من نوعه، طالما تسيطر على معظم الأقاليم النزعة الأنفصالية والأحساس بعدم الأنتماء لكيان واحد.

     – كنت – اهتداءاً باسم المقال – سأورد قصص المقاومة والمناهضة التاريخية التي قام بها الموريكسيون في محاولاتهم للحفاظ على حقهم في التدين رغم كل الضغط الذي يمرس عليهم، لكنني لم أجد مصادر يمكنني الوثوق بها خصوصاً بعد النزعة الأخيرة للمؤرخين الذين يحاولون التقليل من بشاعة محاكم التفتيش، أو وصفها بالمبالغ فيها، وأنها لا تعدو كونها اختلاق من أفراد سابقين حرصوا على تشويه صورة الأنظمة الكنسية بغرض التحجيم من نفوذها وخلق تيار مناهض للتسلط الديني.

    – أحفاد المسلمين الذين هربوا سابقاً من بطش الملك الكاثوليكي، عادوا اليوم هاربين من بطش الأنظمة العربية، ويطالبون باعتذار عن أخطاء الماضي.

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان