لا تخف

cac83288fdf640989a5861c4267f05f9

ماذا تنتظر من جسد خارج للتو من مجابهة السل ؟!

خذلتك رئتاك وأنت مكوم أسفل جسد خبر العراك , تلاحقت أنفاسك وسال خيط رفيع من الدم إثر لكمة وجهت إلى أنفك الدقيق , اختلطت في أذنيك أنفاس غريمك العطنة الحارة , وأصداء الجمهور الذي يشاهد عراككما بذات حماس مشاهدة مباريات ال” WWE ” على التلفاز , وصوت سرينة تقترب. لا تعلم إذا ما كانت سرينة عربة شرطة أم إسعاف , تتمناها عربة شرطة لتنفض هذه المعركة التي اكتفيت فيها بدور كيس الملاكمة , رئتاك تضيقان وتفتح فمك على اتساعه لا لتصرخ بل لتعب الهواء , لكمة قوية تصيب فكك السفلي فتعض لسانك رغمًا عنك.

وأخيراً تلجأ إلى سلاحك السري , مضمون الفعالية وبراعتك في استخدامه تضاهي براعة ضفدع حوصر بخطر مدلهم , تشهق شهقة جعلتها عالية , تتيبس في وضع السكون وتخرج لسانك ككرفتة قصيرة خارج فمك , تغلق عينيك وتفتح أذنيك على اتساعهما , وكما توقعت , تصبح اللكمات أقل قوة ومتباعدة كقطرات ماء تتساقط من حنفية تغلق على مهل , يهزك غريمك وأصوات الجمهور الصغير تصير أكثر قرباً , يتلمسونك وأحدهم يسحب الجاثوم الجاثم على صدرك.

رئتاك المتصدئتين بسل قديم تعاودان الانقباض والانبساط وقلبك الهزيل كبنيتك يخفق في سعادة , انتهت المعركة يا صاح , انعم بالسلام إلى حين.

تفتح عينيك فتواجهك سماء محمرة بشفق المغيب أو ربما خجلاً لأنها لم تمد يد العون لك !, تلملم أطرافك عليك فينساب نهر من الألم ليصب في رأسك صداعاً, تنهض متقرفصاً كراهب تبتي , تمط ظهرك فيصدر طقطقة خافتة , تنفض ملابسك المعفرة بالتراب, يجتازك شاب وفتاة يمسكان بأيدي بعضهما بحميمية, تنظر إليك الفتاة وملامحها تخفيها الشمس الغاربة خلفها وتقول شيئاً لصاحبها , يوجه إليك الشاب نظرة مزدرية وهو يشد يدها نحوه , تعاود الإلتفات إليك فتمنحها ابتسامة واهنة وأنت تمسح الدم المتخثر فوق شفتيك وتود لو تقول للشاب أنك لست مخدراً بالسلسيون , تنهض باحثاً عن فردة حذائك , تنتعلها , تلملم دلو الغسيل , الصابون السائل , فرشاة دعك الإطارات , لكنك لا تجد المنشفة ونقودك سرقت أيضاً , تحتقن عيناك بدمع تكافح للجمه , ترفع بنطالك وتحمل أمتعتك وتسير مترنحاً غرباً تلاحق الشمس.

عند الجسر الرابض بين مدينتي بحري والخرطوم والذي تسميه ” كوبري الحديد ” يلتقيك “حسن بوب”  بوجه متجهم , يربت على كتفك ثم يسألك عن تفاصيل ما جرى , يتهدج صوتك وأنت تروي له مضايقات “سوبا” المتكررة وأخيراً عن عراكه معك قبل قليل لأنه وجدك تغسل سيارة في منطقة نفوذه , يطلق حسن سيلاً من السباب ويعدك بتأديبه حالما تقع عيناه عليه , تعلم أنه سيفعل ولاحقاً سترى سوبا يضع ذيله بين رجليه كلما قابلك.

” تعال لأداوي جراحك “

يسحبك حسن ويهرول خطوك خلف خطواته الواسعة , تجتازان الزرع النامي تحت الجسر وفوقكما تتراقص العوارض الحديدية متناغمة مع مرور السيارات فوقها , تتساءل لبرهة : ” متى ستسقط ؟! “

يعالج حسن قفل باب غرفته الخشبية على ضفاف النيل , تلج خلفه ويتركك في وسط الغرفة , سرير منخفض يكاد يلامس الأرضية الرملية , ملابس مبعثرة في كل مكان , دولاب بضلفة واحدة متداعية عليها صور فتيات بيضاوات كالحليب , ومرآة صقيلة وضخمة تشاهد نفسك على سطحها بوجه متورم ويد يسرى تحمل الدلو , لوهلة تصدق الخدعة فتتأكد أن يدك اليمنى هي القابضة على الحمل… تفتر شفتيك عن ابتسامة متعبة فلطالما خدعت.

يشعل حسن تلفازاً حديثاً لا يناسب بؤس المكان, تتسع عيناك مع الرقص الهندي بموسيقاه المبهجة والألوان المرحة, تجلس على طرف السرير ويعود حسن بماء وقطعة قماش, يدعك برفق وجهك وفتحتي أنفك بدمائهما المتخثرة وهو يتأسف لك ويتوعد الجاثوم بمصير أسود, تشرب ماءً بارداً لا تدري من أين أتى به, ينقدك بعض الجنيهات عوضاً عن ما سرق منك, تبتهج نافضاً عنك ألم وحزن ما حدث, وداخلك تتضخم صورة “بوب” الطيب وتهش عن ذاكرتك ما علق بها من أحاديث زملاء العمل, عن شره وقبضته الفولاذية وإدارته لأعمال التسول وغسل السيارات على طول شارع النيل. يلتصق بك واضعاً رأسك على صدره وهو يمسد شعرك وأعلى ظهرك, ”  لن يمسك أحد بسوء يا صغيري, لا تخف ” , وأغمضت عينيك…

” لا تخف “

قذفتك الكلمة إلى ماض تتجنب ذكراه, كلب ضخم ينبح في نهاية الشارع, وهو يحتويك بين ذراعيه ويهمس بها, والدك الذي كان حنوناً قبل أن يهرب في صحبة زجاجة خمر إلى المجهول تاركاً إياك ووالدتك, التي ابيضت عيناها من الحزن وتكالب رجال الحي عليها وقنعت بدور يعقوب مترقبة قميص يوسف الذي لن يأت أبداً.

” لا تخف “

موسيقى الهنود تحولت إلى أزيز رصاص و عويل, وبطل لم يعلم بعد بمقتل ليلاه, وصافرة قطار تعلن بداية عبوره الجسر, واصطكاك عوارضه مستبقة ولوجه كإرتجافة عذراء في ليلتها    الأولى في مواجهة زوج مستثار .

” لا تخف “

وتستيقظ مع انحدار يد حسن إلى نهاية ظهرك معابثة بنطالك المتهدل كمدينة بدون حرس… تثب ملتاعاً, لا ترى إلا الدلو ولا تسمع صرخات حسن المتوسلة خلفك, تعدو مثل قلبك وأسرع من القطار البطيء فوقك, ومع صافرته الأخيرة تهجس لنفسك :” ليس كل ما يشاع دخاناً “.

تقطع فناء داركم الذي لا سور لها, تحفظ عن ظهر قلب ما ستستقبلك به والدتك, وحالما تدفع باب الغرفة الوحيدة تهمس لنفسك محاكياً صوتها :” أين كنت , تتركني وحيدة يا ابن أبيك وأنا العمياء , تمرح خارجاً وأنا أقضم أظافري خوفاً عليك “

وكعادتها لم تخذلك.

ماذا تنتظر من جسد خارج للتو من مجابهة السل ؟!

خذلتك رئتاك وساقا عصا الأرز الصينية وأنت تعدو بفردة حذاء واحدة وقطع النقد المعدنية تتقافز هازئة من جيب قميصك, والشرطي اللعين يطاردك كأنك منتهى أحلامه, تطفر الدموع منك وأنت تسقط أرضاً فيلهج قلبك بالاعتذار لك وشمس الظهيرة تتوارى خجلاً خلف سحابة وحيدة, يقتلعك الرجل كجذع بلا جذور وتهبط صفعتين أو ثلاث على قفاك, وتبدو لك الدنيا غائمة وجبانة, يجرك من قميصك فيفر زران من قبضته, وبنطالك _ككل الجالسين في هناءة يحتسون الشاي ويتسامرون مع الفتيات_ يسخر منك ويتهدل في خزي. يحشرونك مع كل الخطاة الذين جمعوا من شارع النيل لارتكابهم إثم غسل السيارات, تنشج كأي طفل في مثل عمرك, ويغلق الباب دونكم, ومن خلف القضبان يظهر حسن, يصافح شرطياً بالأحضان, ينتزع سيجاراً من خلف أذنه ويمده له, يتنحيان جانباً ومن مكانك تلمح حسناً يحشر شيئاً ما في يد الشرطي, فيعود وهو ينفث السيجار ويفتح الباب فيمنحكم النيل نسمة باردة تعارك العرق على جباهكم, يلتفت لحسن فيشير إليك, يشدك الشرطي بقسوة وينزلك كمن يزيل قذارة, يتدافع الباقون على الباب ويتصايحون باسم المخلص فتنتهرهم اللكمات والركلات, أما أنت فتندفع دون أن تخفي مسرتك وتوقفك أحضان حسن وصوت والدك : ” لا تخف “.

تتجهان غرباً نحو الجسر, وراحته تمسد راحتك, تعلم ما ينتظرك هنالك بغرفته, تعلم أن عليك دفع الثمن, لا تأبه, ولم تعد تخاف.

عن محمد حسن النحات

mm
قاص من السودان