الرئيسية / احدث التدوينات / ماركيز في منزل ياسوناري: كتابة إلى الذات .. تذمر عاجز وأمنيات أخيرة

ماركيز في منزل ياسوناري: كتابة إلى الذات .. تذمر عاجز وأمنيات أخيرة

الفاتح

      عندما وقع غابريل ماركيز في غرام “بيت الجميلات النائمات” للياباني ياسوناري كاواباتا حكى لنا بعدها مراراً وإِفخاراً قصة الجميلة التي كانت نائمة بجانبه طوال زمن رحلة الطائرة التي ما أن حطت وباشر هو في اجراءات المطار حتى قدم نفسه للموظف المسئول على أنه كاتب ياباني! ولم يكن هذا كل شيء، فبعد حوالي ثلاثين عاماً قدم لنا روايته: “ذاكرة غانياتي الحزينات” باقتباس من نفس بيت الجميلات النائمات: “ما كان يجب عليك أن تفعل شيئاً منافياً للذوق، حذرت العجوز ايغوشي سيدة الخان. ما كان يجب عليك أن تضع اصبعك في فم المرأة النائمة، أو تفعل شيئاً مشابهاً.” قبل أن نرى بعدها أن العمل كله كان بإلهام من رواية الياباني. وللحظة يبدو أن آخر أعمال الماركيز ليست إلا محاولة استنساخ رديئة وغير موفقة، لدرجة أن بعض الأصوات قالت بأن الوقت ربما حان كي يحظى عميد الواقعية السحرية بتقاعد نهائي. إنها محنة الإبداع على العموم، و أمام المقايسات: إنها محنة التقييم اللحظي المحسو بغَرْفات تنتزع من مجرى الزمن الممتد بلا نهاية بالتأتأة الظامئة الظانة، وأن النهر يظل هو النهر.  ولكون هذا العمل هو الأخير كما نعرف، وكما عرف غابريل نفسه وقتها، فستبقى قراءته بعيداً عن هذا السياق تحاملاً كاملاً دسم السذاجة بهكذا تراتيبية تنتهي بأن ماركيز بعد عقود من الكتابة للجمهور قرر أن يكتب لنفسه، لتأخذ مكانها وسط التساؤلات السخيفة عن هوية من نخاطبهم بالكتابة، السؤال الذي يصل إلى أقصى نقطة بنهاية العمر، ربما، ويصبح كتلة مماثلة لكرة الثلج التي كانت تواصل الدحرجة منذ أول منحدرات وعي الكاتب بالكتابة.

     إنها غاية الخيميائي الذي ظل يطاردها في الأقاصي البعيدة بينما كانت وما تزال عند قدميه، إنها شيخوخة الأنا المتأنية المتنائية، والنهاية المتوهمة لمحيط الدائرة الذي أنهك الذات بالبحث. فبعد عقود من الكتابة لأناس لا يعرفهم ينتهي الكاتب إلى أن تكون نفسه والتي يمكن أن يكتشف أنه لا يعرفها- أيضاً، هي جمهوره الأوحد. وهذا ما لا يهم أكثر من أن ماركيز منطقياً كان على دراية تامة بالفروقات ما بين التناص، الاقتباس، الاستلهام، والكتابة تحت تأثير، لذا فان مكاسب النسخ السهلة لا يمكن بحال من الأحوال أن تغوي خالق موكندو بعزلة المئة عام، لتصبح الذاكرة الحزينة مجرد محاولة تخيل الماركيز لنفسه لو لم يكن كل هذا الذي كان، قد كان – بمعنى لو لم يكن غابريل غابريل الذي نعرفه فسيكون غابريل هو غابريل الصحفي المجهول الذي لن نعرفه إلا بين صفحتي كتاب، فبطل الغانيات هو المغمور الذي لم ينل حظه من الشهرة، والذي بلغ التسعين على سرير خال ومنزل خاو إلا من الذكريات – وقتها كان ماركيز بلغ السابعة والسبعين. إنها إذن محاولته في قراءة مغايرة للأقدار أكثر من كونها قفلة ختامية أخيرة يختم بها سنين العزف الساحر المنوع، إنها كتابة أقرب للشرح والوصف والتمني، كتابة كقراءة تجريبية لورق العرافات أو رمي الودعات على الرمال الباردة بينما بخور برائحة طيبة يتصاعد من جنبات المكان، كتابة المراد عبرها استباق الزمن في خيال فردي متسامح مع أي فكرة قد تكونه. فما شخصية الصحفي في ذاكرة غانياتي الحزينات إلا رغبة ماركيز في أن يقول مازحاً – أو جاداً لن نستطيع الجزم: انظروا هذا هو أنا، لو لم أكن أنا طبعاً!

     وهو إذ يفعل، فانه لا يشير بعدم إشارته إلى اسم الصحفي هنا إلا باتجاه ذاته، فاتحاً المجال لحتمية الأسماء، كما لفت النظر اليها غوغول في المعطف أو الأنف لا أذكر، متفقين على فكرة استحالة أن نكون بأسماء غير اسماءنا هذه، أو على الأقل إمكانية اقتناعنا بغيرها. هنا يمكننا تخيل الليالي الطويلة التي قضاها غارسيا في التنقيب عن اسماء قد تكون له، مستعينا بمخزون الذكريات الأم/ أبوي عن ملابسات تسميته بهذا الاسم دون غيره، ومن ثم الاقتناع أخيراً بأن لا اسم يصلح له كما يصلح اسمه الآن، خاصة عندما تلمع في ذهنه فكرة أن البقية من الاسماء التي اختبرها والتي كان قد سمعها (اقصد استحسان وقعها على نفسه من عدمه) في حياته لم يسمعها إلا بآذان اسمه الحالي هذا. ليكون الاسم هو القالب المستسهل الذي تنصب فيه الذات لتتشكل كيفما تشاء، طالما ستبقى ضمن حدوده الصارمة الغير مرئية. وما تجاهله لرغبة الكائن الحبري في أن يكون له اسم إلا لأن ماركيز كان يردد بجدية في كل سطر من السطور بأن هذا الصحفي المغمور هو أنا، أنا متأكد من ذلك لدرجة أنني لست مضطراً لكتابة اسمي هنا وهناك.

     ثم يأتي الأسلوب الذي اختاره ماركيز، وتأكيده في أكثر من مناسبة على لسان الصحفي بأنه يقوم بكتابة اعترافاته، ثم علمه الأكيد بأن السير الذاتية تفضح رغبة الكاتب في محاولاته تلك احياناً في الايحاء بأن هذه القصة لا تحكيني، قبل أن تُثبت شبهة التمنى تلك بصورة الشفاه المدماة خفيفاً من كثرة العض عليها، لكن من يأبه؟ يقول العجوز ثم يتبع تساؤله للهواء بشتيمة قشتالية قاسية، قبل أن يعود إلى أفكاره، وإلى رغباته الاخيرة، وليتحدث عن نفسه كما يتمناها الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، معدداً الكتب التي يقرؤها والموسيقى التي يفضل سماعها – لدرجة يُظن معها أنه هاوي يستعرض ذوقه الموسيقى وخشب التك الذي صنعت منه رفوف المكتبة، مع تعداد الكتب التي يملكها – أو يتمنى أنه يملكها. وكآدم الذي ينوح على الفردوس الذي اضاعه بقضمة، لا ينسى غابريل وصف الفردوس الذي ضاع بسبب أنه هو “هو” : “البيت الواسع والمضيء بأقواس من المصيص وارضية الموزاييك الشطرنجي الفلورنسي، الأبواب الزجاجية الأربعة، وشرفة تطل على كل من الحديقة العامة، والكاتدرائية وتمثال كولومبوس، ثم تمتد بأصابع الرؤية التي تشب حتى افق نهر ماجدالينا الواسع وصولاً للمصب. كل ذلك والشمس تتنقل من نافذة إلى أخرى طوال اليوم، بينما ماركيز يجرجر جسده والأرجوحة ليعلقهما في أقرب ظل قبل أن يغط في قيلولة غارقة في نعاس وعرق إجهاد مقطوعة طويلة لشوبان.”

     لا إمكانية – اعتقد، في متناول التحقيق لحرية كان في الامكان تحققها أكثر من ذلك – اللهم إلا الموت طبعاً، ومن ثم يبقى انتظار الموت اقرب في المتناول، خصوصاً عندما يكون انتظاره بطريقة تليق أكثر بالحياة لا بالموت، حتى يصبح سعياً وغاية في حد ذاتها، وتكريساً للاحتفاء بهذه الحياة المشرفة على النهاية، كأن الانسان لا يعمل طوال حياته إلا على تهيئة نفسه للموت، من بعد تهيئة السرير المعلق في الظل والمقطوعات الكلاسيكية. لتأتي في النهاية صورة الكولومبي المتمناة والأخيرة: في بيت كولونيالي فائح بالحر والعزلة بثقل سنوات تسعين، بلا زوجة، أو أبناء، أو مسئوليات عمل، صورة مثلها مثل برزخ ملائم تماماً لانتظار الرحلة الأخيرة، صورة لا تتبدى إلا كمصافحة أخيرة سيشدد بها على يد الحياة المعرورقة.

     وهكذا يبدو الأمر وكأنه أمنية موت، رغم الأمل اللا محدود الذي يطرحه ماركيز في الرواية وأن الحياة يمكن أن تكون ملأى بالمتع، وما تزال عذراء حتى لرجل في التسعين “بداية حياة جديدة يكون فيها معظم البشر قد ماتوا” لكن هذا الأمل ليس إلا غلالة خفيفة يلتحفها يأس متقاسي بصلابة الحياة نفسها، ومن ثم لن يستطيع أمام الركاكة الفصيحة شيئاً، خصوصاً لو تحالفت ضده محاولة ماركيز النيئة في اضاءة الشيخوخة في الرواية بعذرية طفلة نائمة، والتي ربما سطعت منذ ذلك اليوم الذي قرأ فيه رواية الياباني كاواباتا، لتصبح المحصلة في النهاية خصماً على العمل، بتركه عاري المصب أمام أعين المنبع المتلصصة الكسلى، بنفس قصير ومتعجل، وهشاشة حبكات لم يكن يبررها إلا بما قد يفكر به تسعيني عازب فر مرة من قفص الزوجية “فعلياً” إلى فضاءات نسوة لم يبادلهن الحب، وإلى الأبد، نسوة لم يضممنه يوماً إلا بما بين أفخاذهن، إنه حتى يعترف بحزن – ربما، عندما يقول “لم أذهب أبداً إلى فراش أية امرأة، إلا ودفعت لها مالا” لينتهي به الأمر في النهاية وحيداً تماماً، يعاني ألم المفاصل وحرقة دائمة في مؤخرة هرمة يقع بها في حب طفلة نائمة (أيُّ امل ياخ!)

     وعلى الجانب الأول تنتفي الهشاشة من بيت الجميلات النائمات، فالياباني موسوم بدقة هندست السرد بجمالية: اوه، اللعنة، ربما هذا قد حدث فعلاً. بينما ماركيز اختلط عليه الواقع الساحر بسحر الواقع فسقط البيت، ولم يتبق منه إلا ذاكرة معتلة يظل عالقاً بها الشبه الشديد في التفاصيل (ماركيز قرأ الياباني أكثر من مرة لدرجة تمكنه من تجنب الاشتباه، ولكن نجده يصر على هذا الشبه. إنه كزوج ظل يبتسم لزوجته حتى بعدما خطر على باله الشبه الكبير بين ابنه وجاره) ليأتي عمله الأخير ليس كصنعة أو ومضة ساحرة مواصلة في الإبداع الماركيزي، ولكن كإبداء اعجاب، كوله وكغرام يدفع العاشق إلى التهور وارتكاب الحماقات، كلص يدخل من فوق الحائط لكنه يقرر الخروج عبر الحديقة، فيلقى عليه القبض متلبساً بالتلصص في حديقة البيت الكئيبة عند الشروق، أو عند الأصيل، أو حتى تحت جنح الليل، لكنه، ولإشراكنا في دهشته الخاصة هذه يغامر بأخذنا إلى نزهة قصيرة عبر الممر، يقوم بتنزيهنا داخل بيت هو نفسه تسلق حائطه متلصصاً، إنه معجب، معجب فقط لدرجة أنه يريد لفت انتباهنا إلى هذا الشيء المثير لعجبه. قبل أن يحدث ما لم يكن يهمه قط كعاشق فقد عقلانيته، يحدث في هذه النقطة، وفي ممر الحصى ذلك بالتحديد حيث نفاجئ بالشبه الشديد، ليس في البيت فقط ولكن حتى في الديكور وترتيب الأثاث الداخلي لدرجة أن بمقدورنا التفكير بأن الله نفسه كانت له قصة في يوم واحد، بينما لم تكن بقية الايام – إلى يومنا هذا، سوى محاولات يائسة منا للحكي.

     حادثة موت أحد النزلاء مثلاً، رغم التغييرات التي طرأت عليها ولفت الانتباه الذي سلطه ماركيز لصالح السياسي والاجتماعي إلا أنه يكتبها كما في القصة الملهِمة، لنفس السبب الذي يجعله يكتب تفاصيل أخرى، لأنها جميعا أعمدة من أعمدة المنزل التي لا يمكن للسقف المثير للعجب الاستغناء عنها حتى لو في “ذاكرة”. إنها ككل مصادر الإعجاب التي يتغذى منها المعجب اللاتيني، تماماً كما تغذى من قبل بحكيه عن الخلط الذي يحدث بين كثير من القراء في أنه – أي ماركيز -، كاتب ياباني آخر، والذي أعتقد أنه ما كان له أن يحدث إلا لما يكنه ماركيز نفسه للأدب الياباني، والذي لا يظهر إلا في هذا الخلط المتوهم، فهو لا يظهر على الورق إلى درجة تنمحي فيها الحدود بين أدبين عملاقين ضاربين في التقليدية. كيف ونحن نعلم أن ماركيز الشغوف بالحوارات المتداخلة وإرغام القارئ على التركيز في من يقول ماذا، مليئ بخبث الحكي الذي يكفي بينة وتفتيتا لهذا الوهم، هذا إن وضعنا جانباً التباين الذي يمكن أن يعزى لكل شيء، بدءاً من جغرافية البلدين، إلى الآراء السياسية للكاتبين، ومن ثم الفرق الجوهري كشعبين بذواكر واحلام مختلفة، فاللاتينيين يفيضون بالأسى ومرارات الماضي، لا يحكون القصة إلا كما يبكونها، وكاواباتا يكتب كأمطار تسقط من الأرض باتجاه السماء، إنه يتحدى العادي والمتوقع الواقعي، بينما سحر ماركيز في حكيه يجبرك ليس على الوقوع في حب القصة فقط، ولكن الوقوع في حب القاص نفسه، ماركيز مجرى النهر الذي لا بد له أن يستقر في الأخير بمصب ما، وتلميع المرآة للوجه الذي تعكسه، ماركيز برق يتباطأ، أما كاواباتا فغيمات تتشكل بنوايا المطر. اللاتينيين موسوسين بثكل كل ما كان يوماً ما، ومهووسين باستحضار الماضي ووضعه على طاولة الكتابة ومن ثم اعمال التصحيح (غلو في ايضاح جمالية التفاصيل) في بدنه.

      اقول أن ماركيز ربما لم ينأ بنفسه عن أي محاولة للتناسخ مع كاواباتا في منزل الجميلات النائمات. وذلك فقط لأن ذاكرة غانياتي الحزينات هي تمجيد لعمل أحبه أكثر مما نظن، لدرجة جعلته يجرب تخييله لنفسه في قصة كاواباتا، كمستوى أعلى من شعائر الإيمان، فلا طقس يفوق تقديس القصة أكثر من حشرنا فيها، لا حشرها فينا. كل هذا لا يمكننا بالطبع القطع به، على الأقل ليس بنفس الدقة التي نقول بها أن للكولومبي حس دعابة قاتل، فعندما وجه آلن جوفرو إلى ماركيز دعوة الاجتماع بكتاب يابانيين كان من بينهم كاواباتا نفسه، أجاب الكولومبي بأنه سيسر لهذا اللقاء بدون أدنى شك، وأنه في طريقه إليهم شرط ألا ينتحروا، هه! وقد حدث اللقاء كما كان مقدراً له. هذا صحيح تماماً كصحة ما حدث لاحقاً، وأن ياسوناري أكتفى من انتظارٍ ما – محققاً دعابة ماركيز، لينتهي إلى الانتحار باقراً بطنه بسيف!

عن الفاتح طه

mm
قاص من السودان