الرئيسية / احدث التدوينات / مع فولفانغ ايستر ومفهومية الاستجابة الجمالية: الطيب صالح نموذجاً

مع فولفانغ ايستر ومفهومية الاستجابة الجمالية: الطيب صالح نموذجاً

هيثم

      وضع فولفانغ ايستر مفهومه في الاستجابة الجمالية والذي يقوم على نظرية التواصل الأدبي ما بين النص والقارئ، من خلال ما يثيره النص من مجموع الانفعالات التي ترقى بالمتخيل إلى الاندماج في الشخصيات والأمكنة والأزمنة، وبالتالي فإن هذا القارئ هو الشريك في هذا الخلق، وهو في الوقت نفسه المعبر عن جوهر التفاعل ما بين البيئة (بيئة العمل الأدبي) وبيئة متلقي هذا العمل، وهنا أقول: التراث وتوظيفه تطور للرواية العربية، أبعدها عن دائرة التقليد للروايات الغربية، بإتجاه نوعية البنية التراثية نصية كانت أم فكرية، ونوعية التراث نفسه المستفاد منه في طقس الرواية (عقدياً أم سلطوياً أم قومياً). هذا التكوين، رواية في شأن نص وشخصيات، نص للإنسانية، شخصيات تفتح اتجاهين من الهدوء والصخب، نقرأ التاريخ والناس، المرئي وغير المرئي، كل شخصية تشكل رواية لوحدها، في حركتها قراءة لملمح المجتمع.

     روايات الطيب صالح، حياة تحتاج لتكوين مثل هذا، يصنع مسرحاً برؤية (الحياة)، منطلقاً لمسرحاً إنسانياً لصياغة فن الاستغراق في طِيب الطيب صالح. كل رواياته فيها (المسرح موثوقاً به، يمكن أن يكون المسرح طيباً وصالحاً، نحتاج لمسرح يقول لنا إن الحياة التي نسجها الطيب صالح في كل رواياته هي في أصلها عرض مسرحي حقيقي، المسرح والرواية (متواثقان عند الطيب صالح)، يرسم الحياة ليجعل المتخيل حركة في خشبة مسرح، الرواية عندما تكون مسرحاً متحركاً تمنح المتخيلات (الضوء الحقيقي)، وليس كل الروائيين يستطيعون هذا الفعل الفاعل في الحياة الروائية.

      الرواية عند الطيب صالح (حياة). ومن جوهر هذا التفاعل تحدث ردود الأفعال حيث يتطلب لدراسة هذه الردود تحويل الأشياء إلى أمور تدركها الحواس، أي إطلاق قدرات التخيل في رسم وصياغة وإبداع ما تم التقاطه من النص، وربما إعادة تشكيله من جديد بوجود المؤثرات النفسية والاجتماعية التي تشكلت أصلاً ـ وما طرأ عليها من تغيير، وما سيرافق هذا التغيير من توترات.

     نجح الطيب صالح في ترسيم حواس القراء على طريقة صياغة كون تمثلي بها ولها، ولذلك فكل من يقرأ له يحس بتفاعلية نصوصه مع حلم وماضي له استدعاء صوت الآخر في تماثليات خيالية قيمية أدبية عالية، قليل من الروائيين يعرفون الطريق لذلك، لكن الطيب صالح عرف ذلك وكانت طريقته (صوتي أنا) بلغة القاريء، بعض تمثُل صوت الأغلبية يعطي مؤشرات عن حركة حياة في نصوصه.

     وقال: “إن التوترات في النص (إغراءات)، وهذه الإغراءات ذات محدودية المصادفة، وقابلة للتحلل إذا لم يحسن استقبالها والإفادة منها في وقتها الملائم، لأنها – أي هذه الإغراءات – (مزاجية) وتظهر بشكل آخر حين يفسر المعنى بأكثر من معناه، وضمن هذا الوصف تكون مسؤولية القارئ لاستدراج معناه ثم القبض عليه.”

     وقلت أنا: يتجلى في نصوص الطيب صالح بُعد جمالي فيه إغراءات قراءة من زاوية تحليلية للشخصيات، وهذا في حد ذاته نجاح كتابي واثق، كون أن كل شخصية يكتبها تكون في حد ذاتها قيمة إغرائية في المناقشات والحوارات الكلية والجزئية حول بيئتها وتعقيداتها وتداعياتها، وهل هناك رؤية وامكانية في أن تكون لها حركة بيننا واقعاً، بعضنا يقول إن (الزين) مثلاً نجده معنا كثيراً بكل عنفوانه الحركي وصرخاته المتكررة وتفاصيله، لكن الطيب صالح وضع كل قوته التوصيفية فيها كشخصية يتحقق لها تمازج في عالم ثاني، ثم جعل هذا العالم جزء من حركته في القرية، إذا (الزين) في حد ذاته قيمة إغرائية يمكن أن نكتشف بها كل أبعاد عالم التجليات وتداعياته هنا، في كل شيء حتى في صرخته (أنا مكتول في حوش….)

     ثم قال: “إن نظرية الاستجابة هذه تقسم بالفصل التحليلي بين العرض والنتيجة وبأن السمات الأساسية للنصوص الأدبية أنها تعزز أشياء لا تتصف بها، فالعمل الأدبي حين يتبنى النتائج مسبقاً يحدث هذا الإدراك ما بين المتوقع والمرسوم.”

     وعن الطيب صالح قلت: “وضع سياقاته الكلية في كونه يعمل لنتيجة، وهي توصيف فعل انساني بصيغ مختلفة ومتنوعة هنا وهناك، تلك إشارة لتفاصيل تقرأ في ظرفية ومكانية محددة لكنها تمضي لتكوين أبعاد مثالية في التعريف بها، مثالية في ترسيم نوعية تباعدها نفسياً واجتماعياً، فشخصية مثل (بت مجذوب) المعرفة بها تأخذك لمستويات خطابية متعددة حول لماذا هي هكذا، ولماذا رسمها هكذا؟ وهنا تفتح مسارات قراءة داخلية بين اتجاه عند القارئ واتجاه عند خياله، وهذا هو ملمح الربط الذي نجح فيه الطيب صالح.

     إذاً الطيب صالح يعمل على صياغة روح خيالية لمن يقرأ له، وينجح في ذلك كثيراً، ويتكون جزء من مفاهيمية (حياة) قد تعرف معالمها، وترى بعضاً منها في رواياته الخيالية التي يرسم بها شخصية مثل (الزين) هي خيالية معراج، معرفته معرفة واثقة بجزء من عقل الزين حاضراً في عالم ثانٍ، وجزء يحضر بيننا كحركته بين الناس، ومن هنا فشخصية (الزين) حاضرة في عالمها الخاص الذي رسمه لها، ولكنها في ذات الزمن تكون بيننا، بصرخته المعتادة وصوته، ذاك التمازج بين فعلين وعالمين مختلفين، يتحركان كمفردات ويتجادلان كحركة واقع ورؤية خيال، وهذا ما جعل فكرة شخصية (الزين) كصورة ذهنية عند قارئ وصورة خيالية عند الطيب صالح لوحدها تشكل (كون مثالي)، وتوصيفه بذلك منطلقه أن صفاء روح شخصية (الزين) هي كون نحلم به على طريقة يا ليتنا كلنا (الزين). من هذا التوصيف فحلمنا في صناعة حياة مثل حياة (الزين) بيانٌ لرؤية معرفة به كحركة نطلبها لتكون حياتنا على نسقها، وخيال ليكون صوتاً وبعداً مختلفاً.

      وما زالتْ الاستجابة الجمالية التي تحيط بها روايات الطيب صالح المدارس النقدية في توصيفها تحاول فتح مساراتها في طريقة رسم معرفة ورؤية خيالية، وبناء شخصية، ثم استغراق في تفاصيلها وتفاعلاتها وملامحها.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن