مهيار

السمؤال

      كم أكره هذا التمثال الذي صنعه لي شعبي.. ووضعوه عالياً في هضبة مطلة على غرفة نومي.. أطالعه صباحاً.. خالياً من التجاعيد.. ثم اتلمس اثار الزمن على وجهي.. اراه منتصباً دونما انحناء.. فتئن شيخوخة ظهري.. اتمعن شعره المتفحم.. ثم انظر إلى انعكاس رماد شعري على المرآة.. بت أخشى الخروج في لقاءاتي “الجماهيرية” المعتادة.. لا استطيع أن أدعهم يرونني شيخاً هرماً يوشك على السقوط.. فاكتفيت بمكبر للصوت.. مزروع بعناية في قلب التمثال القميء.. أدعو الجموع إلى هضبة التلة.. ثم اخاطبهم بصوتي المختبئ خلف شفتي التمثال المطبقتين.. وما أن أختم خطبتي بالسلام.. حتى تلتهب أكفهم بالتصفيق.. وهم يرنون بأعينهم تمجيداً وعشقاً.. للتمثال.. كم أكرهه هذا الصامت الذي لا يشيخ..

      ربما غيرة منه على حبي الاكبر.. إذ لا يصدقن أحدكم أنني حاكم عجوز متحجر القلب.. لا أحمل مشاعر حب جياشة شابة تجاه هذا الشعب “الطيب”.. رقيق المشاعر.. ليسوا هم فقط من يرنون نحو ملامحي بحب.. أنا أيضاً من خلف الستر اناظرهم بعشق ممنوع.. هادئين أراهم كما أحب.. مستكينين لكلماتي كما أشتهي.. هذا سوى قلة متفلتة.. ما تفتأ تفتعل القلاقل هنا وهناك.. وهؤلاء أصب عليهم وعليهن جام غضبي وسخطي ما استطعت.. ليس جبروتا والعياذ بالله.. ولكن في سبيل استقرار وامان البلاد والعباد..

     يطابق هيئتي في زمان ما.. زمان كنت فيه شابا يسير بخطوات منتظمة متقافزة.. يلوح بكفه بقوة للجماهير المحتشدة.. ويهتف فيهم بصوت جهوري واضح وصريح.. يحدثهم عن الثورة الحقيقة والدولة الحلم.. عن الحرية والرفاه والعدالة و.. و.. و.. يصفقون.. يتقافزون بفرح طفولي بديع.. وتغص الشوارع والأزقة بجحافلهم العاشقة الممجدة.. ألا تستحق براءتهم الحب؟

   أما ذلك العتيد أعلى قمة جبل ما.. ذلك الجامد لا يفهم معنى الثورة ولا الحرية ولا العدالة.. ذلك الخائن دون أن يدرك ذل الخيانة.. الحاكم دون أن يعي متعة الحكم.. فلم يكُ من مناص دون أن أدعو وزرائي واهل مشورتي لاجتماع خطير وهام.. لمناقشة أمر التخلص منه دونما رجعة.. ولكن تبقى في الخاطر بضع أسئلة تتمنع عن الخضوع للإجابة:

    كيف أستطيع أن أطرح أسباب رغبتي في التخلص منه أمام أهل الشورى؟

    هل يجوز لي بحكم أنهم خاصة خاصتي أن أصارحهم بكل مخاوفي دون خجل أو ريبة؟

     أأستطيع أن أخبرهم أنني أغار على شعبي من كتلة أحجار؟

     ثم هب أنني وجدت طريقة ما أعرض بها ما يعتمل في قلبي.. هل سيجدون هم طريقة مثلى تمكنني بعد إزالة التمثال من العودة شاباً قوياً كصورته؟

     كيف سيهضم الشعب هيئتي المتهالكة وشعري الرمادي ووجهي المجعد؟

     وفي يوم التجمع المنشود.. في يوم تقاطر فيه أهل مشورتي واحداً تلو الآخر صوب قاعة الاجتماعات في القصر الرئاسي.. في نهار أغلق فيه علينا باب القاعة.. ابتدر أقربهم إلى قلبي (مهيار) الحديث قائلاً: “مالي أرى مولاي مكتئباً حزيناً مهموم البال والخاطر؟”

     وللشاب مهيار طريقة مبهجة في سبر أغوار روحي والتسلل بين طيات فؤادي لكشف علتي ومن ثم السعي حثيثاً في طلب علاجها واستئصالها من جذورها.. ولذا ارتفع شأنه وعلا مقامه وزيراً مقرباً.. أجبته بشحوب صوت يضاهي شحوب لوني: “دائما ترى الحقيقة بعين المحب يا مهيار… ما أجملك..”

     ثم طفقت أتمتم وأثرثر حول ذروة الجبل.. أقارب التمثال بكلماتي ثم أبتعد عنه حرجاً أن أصارحهم بما في القلب من لوعة.. كمراهق خجول يحادث أستاذته التي يعشق.. فلا يستطيع إلى البوح سبيلاً.. مضت الدقائق ثقيلة محيرة.. وخطابي يراوح مكانه فلا يكادون يفقهون شيئاً مما أقول.. تبدو على أعينهم سيماء البلاهة والجهل.. لا يجدون صلة تكون جملا مفيدة ما بين كلماتي المتناثرة وبرغم ذلك لا يستوقفونني ليستبينوا ما أنطق.. ما أغباهم.. ما أجبنهم.. كلهم إلا مهيار.. مهيار الذي استوقفني بصوت جهور وجملة اعتراضية مفاجئة: “لعلك مولاي تقصد تمثالك المجيد أعلى الجبل؟”

     جملة واحدة فقط.. انطلقت كصرخة في جوف الليل أعقبها صمت طويل ومضجر.. مطرقاً كنت اتلهى بلا شيء.. وهم يتلهون بغبائهم عن هول ما ينتوي مهيار أن يتابع قوله: “أتريد أن تنقض بناء تمثالكم الكريم سيدي الرئيس المعظم؟”

     لكأنما لمحت بطرف عيني نصف ابتسامة خاطفة بناصية التقاء شفتيه.. ابتسامة مجهولة الشكل فاقدة المعنى.. ظهرت سريعاً واختفت سريعاً.. فلم أعرها كبير اهتمام.. والشاب يستطرد: “أتريدنا أن نأمر باسمكم الشريف بهدم نصبه أنقاضاً حجراً على حجر؟”

     تابع الصمت سيطرته الباردة على مجريات الاجتماع.. حتى قطعته بكلمات أقرب إلى الفحيح ناطقاً: “أجل.. ألا ترون أن الوقت قد حان كي أعود بذاتي وهيئتي إلى لقاء جماهير شعبي؟”

    تلفت مهيار يطالع وجوه الجالسين.. ثم مال على أذني هامساً: “سيدي.. بكامل الاحترام والتجلة.. أتسمح بأن تأمر بخروج القوم من القاعة؟ أريد أن أحادثك منفرداً.”

    سرى صوته الدافئ الشاب من أذني إلى مجاري الدم في عروقي.. ليطرق باب عقلي بهدوء واثق.. فيتحول من مجرد كلمات مهذبات إلى عمل نافذ.. تنهدت عميقاً.. ثم أمرت المجلس بالافتضاض.. إلاي.. ووزيري الشاب.. ففعل عجائز الشورى ما أمرت.. على مضض.. أدري.. ما زالوا يرونه غراً صغيراً لا يستحق ثقتي وقربي.. ولكنني أعلم ما لا يعلمون.. فالملوك أقرب إلى الله من وزرائهم وأهل مشورتهم..

     أغلق باب القاعة للمرة الثانية.. هذه المرة لم يكن سواي ومهيار في قلبها.. ثم ما أن تأكد الأخير من خلوها.. حتى نهض من مقعده.. دار دورة حول طاولة الاجتماعات عاقداً ذراعيه خلف ظهره.. مطرقاً.. كالخائض بفكره عباب تفاصيل أكبر بكثير من سنين عمره الغض..

     قال يواجهني ببصره: “أكاد أفهم يا مولاي ما تحس به.. أكاد أسمع نبضات روحك تشي بكرهك لذلك التمثال الذي لا أقول أنه خطف منك الأضواء.. فحاشاي أن أقلل من قدر مولاي مقارناً له بكتلة من الصخور.. لكنه في الحقيقة استأثر ببصر شعبك.. شعبك الذي تحب وتقدس.. شعبك الذي أنفقت في سبيل عزته وكرامته الغالي والنفيس.. والشباب والصبى.. فبادلكم الحب بالحب.. والاهتمام بالاهتمام.. ولكنك ككل محب متوله.. تريد أن تكون بذاتك هناك.. بروحك وجسدك تلتقي أحباءك.. أبناءك.. أفراد رعيتك المخلصين.. تصافحهم فرداً فرداً.. وتعانق أمانيهم الشاهقة.. وأحلامهم المستحيلة.. ألم أقارب كبد الحقيقة؟”

     بل وأصبتها.. ومزقت بؤرة نسيجها.. لكنني لم ولن أخبرك.. هذا ما طاف ببالي.. مطرقاً أجيبه على حرج كذات المراهق العاشق لمعلمته.. حينما تكتشف سريرة قلبه: إذا.. هب أنك لم تعد الحق فيما قلت.. فكيف السبيل إلى ذلك؟ كيف السبيل إلى هدمه وأنت تعلم أن…

     توقفت هنا.. لم أستطع أيضاً أن أكمل تقريع كلماتي لهيئتي المتكهلة المتهالكة.. تركت له أن يستكمل بحثه بداخلي.. للعثور على ما تبقى من الحقيقة.. فلم يخيب لي رجاءاً.. قال مجيباً لحديثي ومواصلاً لما انقطع منه: “إذاً.. ولكي يكون تحطم تمثالك انتصاراً لك لا هزيمة عليك.. لابد أن يبدو مشهد تهاويه مشهداً بطولياً أمام أنظار أمتك..”

     لم أستبن ما يعنيه.. فأشرت له بأناملي كما اعتاد الملوك أن واصل ما تنتوي قوله.. فقال: “فلتدع يا مولاي كل جموع شعبك طوعاً.. قسراً.. الشيب والشباب.. الرجال والنساء.. الموظفين والعاملين وربات البيوت وتلاميذ المدارس.. أدعهم جميعاً إلى خطاب جامع عند سفح جبل تمثالك.. وهناك.. وتحت أنظارهم وضياء شمس الظهيرة.. لا بد أن تهوي ببلطتك على جسد التمثال.. بضربة واحدة فقط.. ضربة واحدة لا غير.. ولا بد أن تكون كافية لتفتيت صخوره ذرات رمال متناثرة.. ربما يحدثك خاطرك بأن هذا مستحيل الحدوث.. لكن بإمكاننا أن نستأمن أحد المثالين المهرة المخلصين لسيدي الرئيس.. كي يفت في عضد التمثال سراً.. ليلاً والناس نيام دون أن يشعر به أحد.. يخلخل تراص صخوره بما يجعله واهنا مهترئاً دون أن يسقط.. في انتظار ضربة من بلطة مولاي المباركة.. وعقب تحطمه على يدكم الكريمة.. لن يحس أحد بعجز منكم حماكم الله وأبقاكم.. بل سيراكم الشعب كما هي حقيقتكم.. شاباً فتياً.. لا تغير قوته السنوات ومرور الزمن.. فما ترى يا سيدي فيما أرى؟”

    ثم أطرق مبتسماً.. هادئاً.. خانعاً في انتظار أمري..

     كدت أراني.. حاملاً بلطتي تحت ضوء النهار المجيد.. ظلي على الأرض كإله قاهر.. أحمل أحلام الضعفاء وأعذار الأغبياء.. أهوي على الأحجار الصلدة التي تحمل شكلي بضربة مقدسة.. لتذوي رماداً على مد الأفق.. الجموع الهادرة تهتف باسمي.. تمجدني.. تحكي قصتي لأجيال وأجيال قادمة متعاقبة.. أستعير من سرمدية تمثالي أنفاساً لا تكف عن الصعود والهبوط.. وقلباً لا يتوقف عن النبض.

     ثم كادت دمعة طفلة تغافلني فرحة بما خلته حقيقة لوهلة من الزمن خرجت من حلمي الخاطف بابتسامة سيادية متعالية.. التفت صوب مهيار أأمر: “لك ما تشاء.. فانفذ ما وعدت.”

     ينحني.. كي يمنحني ظهراً مستديم الاستقامة.. يغادر.. كي يمنحني حضوراً لا ينقضي.. يبتسم خانعاً في طريقه إلى المثَّال المؤتمن.. كي يمنحني ابتسامة عز يتأجج بلا اختباء.. مهيار الوزير الوفي.. عاد في تلك الليلة فقط كي يخبرني بأن المثال وعد أن ينجز ما اتفقنا عليه في ثلاث ليال فقط لا غير.. ثلاث ليال لأتحول من ملك إلى أسطورة تحكى ولا تموت.. فقط العقول الشابة هي من تستطيع أن تحول ذرائع الضعف والهزيمة إلى أسباب قوة وانتصار.. رأيت التمثال اللعين ينتحب بدموع صامتة تفت عضد وجنتيه بخيوط مالحة.. يستجديني الرحمة والعطف على قوته التائهة.. وأمجاده الزائفة.. رأيته برغم بنيانه الصارم يجثو على ركبتيه أمام قبضتي يمجدني كشعبي.. فقط بلا صوت.. مازال صامتاً غبياً حتى في أحلامي المتعاقبة.. لليال ثلاث.. وفي صباح اليوم الموعود.. النهار الأسطوري.. بعث مهيار باسمي في المدائن حاشرين.. أن هلموا إلى جبل التمثال المجيد.. أغلقوا محالكم.. نواديكم.. مقاصف أنسكم وموارد أرزاقكم.. مدارسكم وأسواقكم وهلموا إلى ما هو أهم وأعلى مكانة.. هلموا إلى مشهد لم ولن تروه قبلاً أو بعداً.. تعالوا إلى خطبة تلتقي فيها أبصاركم المشتاقة بمحيا محبوبكم الأكبر.. سيد البلاد والعباد.. رئيسكم المفدى.. وولي نعمتكم.. تقاطروا ذرافات ووحدانا.. توحدهم الطرقات ولا يفرقهم اختلاف السحنات والألوان الملابس ما بين رث وفاره.. ممزق ومتين.. بال وجديد.. فكلهم عند سفح الجبل واحد.. يستمعون صوتي.. وهناك.. أعلى القمة.. بجوار التمثال.. وقفت أنا.. بحلة تكشف عن ساقيّ.. وذراعي الأيمن.. تحت وهج الشمس.. ضوء النهار المجيد الذي سيشهد انتصاري على شبابي في هرمي.. على قوتي في ضعفي.. لأنبجس من جوف الجبل ينبوع حياة لا يجف.. وقفت بعيدا عن أنظارهم.. لم يستطيعوا أن يروا أخاديد الزمان على وجهي.. لم يلحظوا ارتجاف يدي وغياب العزم عن ساعدي.. لم يكن بجواري إلا مهيار.. في حلة مماثلة لحلتي.. يبدو يمينه قوياً.. وساقاه تنضحان بالعزيمة والشباب.. لكن.. لا يهم.. فأنظار الخلق معلقة بي أنا.. أنا من تقبع البلطة تحت قدمي.. تسكن لا حول لها ولا قوة.. في انتظار أمري.. تماما كما التمثال الأجوف.. مفرغا مما يشد عضده.. الآن فقط.. بات يشبهني.

     مال مهيار على أذني يهمس فحيحاً: “مولاي.. ها قد حانت لحظتك.. اقبض على البلطة بيد من فولاذ.. ثم حطم صخور الشك بضربة اليقين.. دعهم يرون حقيقتك التي لطالما غابت عن أعينهم.. عد كما كنت في زمان مضى.. عد كما ينبغي أن تكون إلى أبد الآبدين.”

     رمقته بنظرة امتنان أبوي.. لو كان لي ولد يا صغيري.. لما تمنيت أن يكون إلاك.. لكنها مشيئة الأقدار.. أن أكون وحيداً.. شأن العظماء.

     والصغار والكبار والرجال والنساء عند سفح الجبل.. ينتظرون كلمة مني.. مددت يميني اتلقف طرف البلطة.. لن أخطب فيهم الآن.. سأحدثهم حديث القوي القادر بعد أن أهدم ضعفي.. وأكتسب حريتي.. سأهتف فيهم حينما لا يعود على ذروة الجبل سواي.. تلقفت قبضة البلطة.. ورفعتها عالياً.. عالياً في وجه الشمس والوهن والخوار.. أو هكذا أردت.. اشتهيت أن تطاوعني.. لكنها رفضت أن تتزحزح عن مكانها.. نظرت إلى مهيار.. لكنه لم يبادلني نظرة بنظرة كما اعتاد.. كان شاخصاً ببصره إلى اللا شيء.. ساهما يحدق في الفراغ.. شددت قبضتي على البلطة أكثر.. وأكثر.. وهي ما زالت ترفض أن تنصاع لرغبة ساعدي المرتجف.. عاونت يميني بيساري.. أسحب أنفاس عزيمتي ومجدي فلا أزفر سوى الهزيمة في يوم ميلادي المزعوم.. تصبب العرق من جبيني قطرات باردة تحاكي الدموع.. وما زالت العنيدة لا تراوح مكانها.. همست لمهيار: يا فتى.. إنها لا تتحرك.. أهي مثبتة بالأرض؟ أهي نبت شيطان خرج من بطنها ويرفض أن يفارق جذور ميلاده؟

     التفت إلي وعلى عينيه نظرة جافة.. باردة.. قال بهدوء: “حاول بقوة أكبر يا سيدي.. الجموع في انتظارك.. الحرج يزداد كلما ازدادت محاولاتك فشلاً.”

     جائعة في الانتظار.. تبحث عن إجابة لسبب تجمعها هنا.. تحت ذروة التمثال.. لربما كانت الجماهير تسائل نفسها.. من هذا العجوز المتهالك المنتصب محني الظهر إلى جوار تمثال زعيمنا المفدى؟ وما الذي يحاول أن يفعله؟ ولم لا تطاوعه يداه؟

     زفرت ضيقي وخوار همتي بصرخة مقتضبة في أذن مهيار: “اللعنة.. ما بال هذه البلطة الأفونة؟”

     أجابني بذات الجمود.. البرود.. الهدوء: “أتريدني أن أساعدك يا مولاي؟”

     لا.. لم أقلها.. لكنها ملأت صدري.. لا بد أن أحمل البلطة بزندي دونما أدنى مساعدة.. لكن ذراع مهيار لم تنتظر إذناً مني – كما اعتادت – مد يده مخالفاً كل تقاليد الوزراء مع ملوكهم.. ارتسمت على طرف شفتيه ابتسامة ساخرة أخيرة وهو يقول : “ربما هي أثقل من أن يتحملها سن مولاي.”

     ثم حملها بخفة ورشاقة.. كانت كالريشة بين يديه.. رفعها عالياً في وجه الشمس.. وفي وجه ضعفي وخوار قوتي.. ثم هوى على تمثالي في مشهد مهيب كإله يحمل أحلام الضعفاه وأعذار الأغبياء.. تهاوت الأحجار تحت قدميه.. ذوت رمالاً تلوث بياض حلتي.. وتغبر وجهي ولحيتي.. لم يسقط التمثال فقط.. لكأنما كانت أحجاره تشكل جسدي.. لكأنما خلقت منه وخلق مني.. احسست بصخوره تتهاوى من هامتي.. فسقطت أسعل بحدة وأنفاسي المتقطعة تحاول عبثاً أن تطرد ذرات الغبار من رئتي.. وهناك.. أمام بقايا التمثال.. وقف مهيار مكانه منتصراً.. مبتسماً.. مضيئاً ومهاباً.. رافعاً يده بالبلطة.. وظله يسقط على جسدي المتهالك.. والجماهير.. الجماهير الوفية الخائنة.. تهتف باسمه.. تمجده.. وسعالي يزداد حدة واشتعالاً.. وانفاسي تذوي دخانا يتمدد عند المكان.. ذروة الجبل.. حيث مهيار المنتصر يأخذ خطواته بين انقاضي وانقاض التمثال.. عند الزمان.. حيث اسمع صدى خيانته تتردد حكايا انتصار لأجيال قادمة.. متعاقبة.

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان