مَيمُونه

b5a5da960b63d5c03c7980c2f2658af8

بقلم: عمر النّمري

٭في رمضان الفائت ، كانت الجامعة تناقش رسائل الماجستير و الدكتوراه في الأدب ، فعزمت أن أذهب لأحضر إحدى هذه المناقشات ، لكن في الصباح وجدت نفسي عاجزًا ، فالحر شديد ، و الجامعة تبعد عن مدينتي 50 كلم ، فاتجهت إلى عيادتي ، وجدت بعض المرضى في انتظاري ، ففي نهار رمضان قلة من الناس تأتي لمعالجة أسنانها ، كان من بين المرضى شخص ، قدّرتُ أن سنّه 33 سنة ، نحيف ، متوسط الطول ، بِلحيةٍ خفيفة ، لم يكن كثيف شعر الوجه ، يضع قُبعة ، هذه القبعة لفتت انتباهي ، فهي لا تُشبه القلنسوات التي يرتديها بعض الإخوة ، و لا تشبه الطاقيات التي يضعها بعض الصوفية ، و ليست مثقبة كتلك التي نراها فوق رؤوس إخوتنا من بني مزاب ، فما هي هذه القبعة ، و من يكون هذا الرجل ؟! 

بعد لحظات تذكرت أن في هذه القبعة شبهًا بين التي يرتديها العلماء الأزهريون و بين التي يرتديها علماء بلاد الشام ، فهي مضلعة ، و إن وضعتها على سطح تبقى واقفة دون أن تُسندها . فقُلت له دون أن ادري و أنا أضع له إبرة البنج : هل تحت هذه القبعة شيء من العلم ؟! 

انتظرت جوابه بعد أن نزعت إبرة البنج من فمه ، لكنه لم يقل شيئًا ، بل راح يرمقني ، و يتأملني كما كنت أتأمله ، فتحاملت عليه مرة أخرى ، و قلت له : هل تحفظ شيئًا من القرآن ؟ 

بعدما بصق بلطف ، في جوف الوعاء المخصص للبصق على يساره ، التفت إلي و قال مبتسمًا : عندي الماجستير في الشريعة و احضر لدكتوراه في الأدب . 

يا ربااه … 

٭شعرت انه يجب علي الاعتذار منه لتحاملي عليه ، لكنه لم يمنحني فرصة للاعتذار ، و كأنه علم ما بنفسي ، فراح يُمازحني كما يمازح أستاذ تطاول عليه احد تلامذته . 

مكتبي مقسم إلى قسمين ، قسم اعمل فيه و قسم أستريح فيه و أستقبل فيه زواري ، هذا القسم الثاني فيه أريكة أمامها طاولة عليها حجر من رخام مستطيل الشكل ، جعلت الدكتور يستريح على الأريكة ، و أحضرت كرسيًا صغيرًا و جلست قبالته ، و وضعت بين يدي ورقة و قلم ، و رحت أتعلم ، تحدثنا في البداية عن ماهية الأدب و رجالاته ، و تحدثنا عن حدوده التي يجب أن يقف عندها فلا يتجاوزها ، و تحدثنا عن المدارس البناءة و المدارس الهدامة ، ثم تحدثنا عن الرواية ، وجدت أنه كتب روايتين ، واحدة منهما أخذت جائزة في أحد المسابقات الوطنية ، هي رواية تاريخية ، تناولت حادثة وفاة الشيخ العربي التبسي ،  لأن جثة الشهيد العربي التبسي جلبت من معتقل مدينة (آفلو) ودفن بمقبرة الغربة بعين الذهب بولاية تيارت، وهي مقبرة تضم 81 قبرًا ( و هي نفس المدينة التي فتحت فيها عيادتي ) ، تحدثنا عن الفلسفة ، فعرضت عليه بعض الكتب الفلسفية التي اطلعت عليها ، فاكتشفت من حديثه مدى حداثتي في عالم الأدب و الفلسفة ، تحدثنا عن الفن و فلسفة الجمال ، و حدثني عن آلية التفكير ، و لما تناولنا موضوع علم النفس ، وجدت أن له قصيدة تحوي 500 بيت ، تناول فيها تحليلا للنفس البشرية . 

تحدثنا حوالي ثلاث ساعات ، حتى ذهب تأثير إبرة البنج ، مما استدعى الأمر بنجه من جديد ، بعدما نزعت ضرسه ، تهربت من أمر الأجرة لأننا أصبحنا أصدقاء ، لكنه أصر علي قائلا : إن لم تقبض الثمن ، لن آتيك إن آلمتني ضرسي من جديد . 

طلبت منه رقمه و حساب الفايسبوك ، لكني تعجبت فهذا الرجل لا يملك حساب فايسبوك ، لم أتوقع في حياتي وجود شخص مميز كهذا ، شخص لا يفوق وزنه 55 كلغ يعرف كل هذا الكم من المعلومات ، قال لي انه يقرأ بمعدل 300 صفحة يوميا ، بما أني اقرأ 50 صفحة كل 60 دقيقة ، يعني هذا الرجل يقرأ 06 ساعات يوميا ، هي نفس المدة التي يقضيها بعضنا أمام هاتفه يتجول في هذا العالم الأزرق ، و يضع منشورًا ، و ينتظر ميمونية تضع له تعليق أو جام ، و سيسعد كثيرا عندما تضع له ميمونة قلبا  . 

الأمر الذي أعجبني فيه هو حديثه عن الأدباء و الفلاسفة ، فهو يحدثك عنهم كأنه يعرفهم معرفة شخصية ، و يعرف حتى بعض الأمور الخصوصية جدا من حياتهم ، ففي حديثه عنهم يجعلهم واضحين أمامك كأنك تراهم . من الكتب التي نصحني بها : 

_ رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ( محمود شاكر ) 

_ جمهرة مقالات محمود شاكر 

_ مقالات الطناحي 

_ النقد الأدبي أصوله و مناهجه ( سيد قطب ) 

_ الأدب في خطر ( طودوروف ) 

٭قلت له عندما هم بالانصراف ، أني البارحة نويت أن اذهب لأحضر مناقشة للدكتوراه في الأدب ، و لم اذهب ، و قد أكرمني الله بقدومك عندي ، فقد استفدت منك كثيرًا أفضل من حضور مناقشة ، لأنهم لن يسمحوا لك بالمشاركة أو السؤال . 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة