الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: لقاء مع سيرولنيك

ترجمات خاصة: لقاء مع سيرولنيك

chien-yorkshire_5023992

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

ترجمته عن الفرنسية : بشاير الزهراني

 

في عدد مجلة لير (Lire) لشهر يونيو 2016 أجرت المجلة لقاءً مع بوريس سيرولنيك (وُلد في يوليو 1937) المتخصص في علم النفس العصبي ورائد علم سلوك الحيوان في فرنسا. وهنا ترجمة للمقابلة:

أجرى المقابلة: Estelle Lenartowicz

كيف بدأت تهتم بالحيوانات؟

أعتقد أن جذور هذا الاهتمام بدأت في طفولتي. قُتلت عائلتي أثناء الحرب، وكل العلاقات الحقيقية التي حظيت بها بعد ذلك كانت مع الحيوانات. في تلك الأيام كان الكبار لا يتحدثون مع الأطفال في العائلة، وخارج العائلة كان انعدام الكلام مضاعفًا. كل ما كان على الطفل أن يفعله هو الجلوس بشكل لائق على المائدة والتزام الصمت، لذا كانت الحيوانات هي الملاذ الذي أجد فيه الراحة المفقودة.

يبدو أننا نحن البشر نحتاج لوجود الحيوانات. ما الذي نبحث عنه عندهم؟ وما التأثير الذي يضيفونه لحياتنا؟

أولا، لهذه الحيوانات دور كبير ومهم. وجد الباحثون المختصون بالنظريات التي تدرس العلاقات بيننا وبينهم، أن العائلات التي تربي حيوانات يكون أفرادها متحدثين وودودين أكثر من غيرهم. وأيضًا للحيوانات تأثير في تنشئة الأطفال معرفيا. فاحتفاظ العائلة بحيوان منزلي -وتغذيته، وتحميمه وتعليمه مثل: (لا يجب أن تأكل هذا، لا يجب أن تقضي حاجتك هنا) – يتبنى الأطفال هذا الدور التعليمي مما يساعدهم أكثر على تطبيق هذه السلوكيات والالتزام بها في العائلة. كما أن تأثير الحيوانات الجيد ليس فقط في محيط المنزل والعائلة، فقد وُجد أن المربين الذي لديهم علاقات جيدة مع أبقارهم معرضون بشكل أقل للاكتئاب والأفكار الانتحارية من المربين الذين يتعاملون مع الحيوانات كأدوات لهم مثل التقنيين والبيولوجيين والمحاسبين.

إذا نظرنا للأمر عن كثب، ما هو “الحيوان”؟ ما الذي نتشابه معه فيه أو نتميز عنه به؟

عادة عندما أُسأل هذا السؤال أقول إنني كلما استزدت في دراسة الحيوانات كلما فهمت جانبها الذي يشبهنا أكثر. لدى الحيوانات الجهاز العصبي الأساسي مثلنا، والجزيئات العصبية الكيميائية والتي تسبب -أحيانا وليس دائما- نفس المشاعر. تملك أيضا أغلب الثدييات نفس جهازنا الجوفي الخاص بالذاكرة. الفرق الجوهري بيننا وبينهم هو في منطقة القشرة. فالإنسان هو سيد القشرة متعددة الأنواع، وهذه هي المنطقة التي تسمح لنا بالتفكير والكلام. لكن يجب أن لا ننسى أن الإنسان موجود على الأرض منذ مليونين ونصف مليون سنة، إلا أنه لم يبدأ الكلام إلا قبل حوالي ثلاث مئة ألف سنة. مما يعني أن الإنسان امتلك القدرة على الكلام في البدء لحوالي أكثر من مليوني سنة لكنه لم يستخدمها لأنه لم يكن يعرف الحاجة إلى بناء العلاقات بين الأشياء وأسمائها. بعدما أنشأ الإنسان المجتمعات المدنية والناطقة بدأ يتميز عن بقية الحيوانات. لكن هذا لا يعني انقطاع صلة الحيوانات بعالم التصورات الذهنية. تمتلك الحيوانات هذه القدرة، بما أنها قادرة على تحديد الأدوات المناسبة واستخدامها. لقد رأيت دلالة على أنهم كونوا سلّما، ولتكوين هذا لا بد أنها تستطيع التفكير. التفكير بأنه يجب عليهم وضع عصوان طويلان بشكل رأسي ثم وضع الأخشاب المتشابكة وتسلق هذا السلم للحصول على الموز. إذا فهم يملكون تفكيرًا هندسيًا. نعرف هذه الأشياء عبر رؤيتها، لا يوجد شيء يتحدث ليخبرنا الحقيقة. لكننا نعرف أنهم -الحيوانات- تتعلم بالمحاكاة والتقليد لا بالشرح القولي.

ما الذي يخبرنا به علم الأعصاب الحديث عن الفوارق بين الإنسان والحيوان؟

بداية لا توجد هناك فروقات جوهرية بينهما. لكن هناك فروقات في الدرجة والأداء. أتاح لنا التصوير العصبي الحديث ملاحظة أن كلا الدماغين الإنساني والحيواني يضمران إذا لم يحفزهما مثير خارجي. وكلما زادت عزلة الدماغ عن المثير الخارجي وانقطع اتصاله بالآخرين كلما تضاءل الفص الجبهي المسؤول عن الاختيار والتنبؤ. نلاحظ هذه الظاهرة عند الطيور التي يتقلص لديها الفص الدماغي الأيسر، نلاحظها أيضا عند الأطفال المتخلى عنهم، وعند من نقصت عندهم قاعدة الدماغ المسئولة عن العواطف والذاكرة. حتى أنني رأيتها عند فئران تأكل كفّيها وفي هذا إشارة واضحة للرائي أنها قضت عزلة طويلة جدا. يمكننا تجنب هذه الآثار بتوفير بديل عاطفي وبيئة مألوفة للمخلوقات الثديية سواء الإنسان والحيوان. هذه هي النقطة التي تنطلق منها أبحاث العلاقات والقدرة على التكيف التي تبنى على ملاحظة الحيوانات.
boris-cyrulnik-1_4536200

ماذا عن الحيوانات؟ كيف ترانا؟

يعتمد هذا على جهازها العصبي. فمثلاً، الحشرات لا ترى منا إلا المواد الكيميائية التي نصدرها، فيرموناتنا. وعند الثعابين فنحن إشعاعات دون الحمراء، كتل حرارية تتحرك تقترب أو تبتعد. أما الطيور فهي ترانا على هيئة مخاريط وعيدان بألوان غريبة، فهي تملك سائلا في أعماق عينها يجعل كل ما تراه يبدو كأنه تحت عدسة شديدة التكبير، ولهذا تستطيع أن ترى قطعة لحم الخنزير من ارتفاع أكثر من كيلو متر. وعند الكلاب، فهي تمتلك حاسة شم ضعف حاستنا بثلاث مئة إلى أربع مئة مرة. لذا نبدو عندها ككرات شمية كبيرة بألوان كألوان الباستيل. وفي العائلات تكون الكلاب أول من يعرف ببلوغ طفل أو طفلة قبل كل أحد، وذلك ليس غريبا لأنها تستطيع شم تغيرات الهرمونات الجنسية عند المراهقين، ويرجع هذا لكونها ستغير تعاملها مع الشخص فبعد أن كان طفلا يتوجب عليها حمايته هو الآن بالغ ستراه كند ومنافس لها.

طالما أن الحيوانات تملك نظرة مختلفة للواقع، ماذا عن أحلامها؟

كل الحيوانات تحلم، حتى لو كان هذا بطريقة مبسطة جدا في بنية الدماغ. لكن بنية الحلم تختلف من حيوان لآخر. في عالم السلاحف والأسماك لا توجد أحلام منظمة مثل أحلام الثدييات، لكنها تمر بمراحل النوم المتتالية من حركة العين السريعة والنوم العميق. الحيوانات الضارية -التي تفترس الحيوانات الأخرى- مثل القطط والنمور تستطيع الدخول في مرحلة النوم العميق بسهولة لأنها تشعر بأمان تام. لكن الحيوانات الطريدة مثل الغزلان والأرانب لا تستطيع الاستغراق في نوم عميق إلا حينما تكون في جحورها ومأواها، تحديدا حينما لا تعود تشعر بالتهديد. باستخدام الرسم الكهربي للدماغ عند البقر، عرفنا أن البقر الذي يكون في المراعي يدخل حالة النوم العميق أقل من البقر في الحظائر الذي يستطيع أكثر النوم بعمق. تحلم الحيوانات كذلك أحلاما إيروتيكية، وقد نرى أن كلبًا أو قطًا يئن أو يضرب أو يبكي أو يرتعش أثناء نومه. وأحيانا تتمثل بعض الحيوانات وضعية الهجوم وهي نائمة فتكشر عن أنيابها في مواجهة عدو متخيل، وحينها تستيقظ، وحالما تدرك أنها كانت تحلم تعود للنوم من جديد. يثبت لنا هذا أن الحيوانات تملك نشاطا عقليا كثيفا قد يصل أحيانا لإنتاج الهلاوس. قال فوكو مرة أن البشر وحدهم المعرضون للإصابة بالجنون، لكن هذا غير صحيح فالحيوانات كذلك معرضة للإصابة بالجنون وإن حدث ذلك فهو غالبا بسببنا نحن البشر وأسلوب حياتنا المعاصر.

إذا هل يمكننا أن نقول بوجود اللاوعي عند الحيوانات؟

نعم، إذا تذكرنا أن مصطلح “اللاوعي” أتى مباشرة من علم الحيوان. ففي القرن التاسع عشر، كان البيطريون يستخدمون المصطلح لوصف حالة أن الحيوانات تدرك الكثير من الأشياء لكنها لا تعي أنها تدركها. قال المختصون في علم الأعصاب المعرفي آنذاك أننا بالكاد ندرك معلومة واحدة من ألف معلومة تحيط بنا، وهذا ينطبق على الإنسان والحيوان معا. إذا فمعظم الحياة المادية تقع في اللاوعي (اللا انتباه) بالمعنى البيطري للكلمة. خدم علم الحيوان بكونه نموذجا الكثير من النظريات الفرويدية. كما أن لاكان(1) استلهم من الإيثولوجيا (علم سلوك الحيوان) الكثير لنظريته وتحديدا جزء (طور المرآة)

يحتدم النقاش في هذه الأيام حول فكرة (محاربة التمييز بين الأنواع)(2) وحول حقوق الحيوان، ما هي الحقوق التي يجب أن نعترف بها للحيوانات حسب رأيك؟

لا تملك الحيوانات حقوقا إلا ما نعطيه نحن لها. نحن البشر نستولي على حقوقنا بالقوة والحروب، وتقييدها قولا وقانونًا كطريقة لنا لنستطيع التعايش معا. وهذا ما لا تستطيع الحيوانات فعله، لا تستطيع أن تطالب بحقوقها وهي في ذلك ليست أفضل من طفل رضيع. فكما نعترف بحق الأطفال في الحماية والرعاية والتعليم يجب أن نفعل ذلك للحيوانات أيضا كواجب أخلاقي للمخلوقات الحية. فهي تشعر وتتحدث حتى لو كانت لغة غير منطوقة. ولأنهم أيضا يستطيعون صنع العلاقات معنا، كما نتشارك وإياهم مجموعة من المشاعر. والسبب الأهم، لأنه لا زال لديهم الكثير ليعلموننا إياه.

________________

(1) جاك لاكان: محلل نفسي فرنسي (1901 – 1981) اشتهر بقراءته التفسيرية لفرويد وبالتغيير الذي أحدثه في مناهج التحليل النفسي

(2) حركة ضد التمييز بين الأنواع (Speciesism) الذي يقول بسيادة الجنس البشري واستبعاد كل ما سوى البشر من التحصينات المعطاة للبشر. تشمل الحركة أيضا التفريق بين مستويات الحيوانات حسب العرق وتشابهها مع الجنس البشري.

(الهوامش من إضافة المترجم)

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة