الرئيسية / احدث التدوينات / سؤال العقل الحديث: حول نظرية «الحق أم الواجب»؟

سؤال العقل الحديث: حول نظرية «الحق أم الواجب»؟

Think-Differently

أعتُبرت على الدوام، مشكلة البدء في الفلسفة عن الحق، والواجب، مشكلة دقيقة جداً، لأننا نقع في مقاربة من نوعية إلغاء المفترضات السابقة، الأخلاقية والدينية، بإحالة الافتراض، إلى صورة موضوعية عِلميّة، تُزاوج بينَ المعالجة البنيوية والتحليل للطرح الإيديولوجي والذي يُحّد بمسلمّات صارمة، إلا انه من البديهي ألا يفلت من مفترضات مسبقة، من صنف آخر، تكوينيّة ذاتية أو ضمنية، أي مغلّفة في الشعور بدلاً من المفهوم، لكن هناك دوماً مهمة يُعاد البدءُ بها، لأي أمر يَخْدُم القانونُ الأخلاقي، دون المقايضة، إذا لم يخلق روحية الواجب، الذي هو -في الحقيقة- لن نُصبحَ خاضعين له، من غير أن نكون أيضاً مشرعيّه، بوصفنا كائنات أخلاقيّة، على خلاف مع قوانين الطبيعة.

هنا ما يسميه كانطْ [الاختبار الأعلى] ما هو إذا لم يكن اختباراً يتعيّن ما يُمكن إعادة إنتاجه، تحت شكل القانون الأخلاقيّ، (اخترعَ الإنسان الواجب) كما يبيّن جيل دولوز، في كتابه:«الاختلاف والتكرار» وعيّن (ما أمكنه أن يتكرر من وجهة نظر الحق) خال وقتئذ أنه هَزَمَ الشيطانيّ والمُنفّر، وكما يكون صدى همومِ دانتون، وكما تكون الإجابة عن هذه الإنهمامات، في هذه المقالة، سأعرضُ فكرة إعادة اختراع الواجب، دون إبهام الوعي بالحق، هو أن نفترض قانوناً أعلى، محايد تجاه القانون، والذي لا يُمكن أن نفكر بتطبيقه دون إصلاح صورة قانون الطبيعة ونموذجه الذاتي، فمن العبث الاستناد إلى وجود عادات غير أخلاقية، أو كما قال برغسون (Bergson) :[الكل من الواجب].

كَتبَ هكسلي، المنظرُ الإنجليزي، ورئيس اليونسكو، رسالةً إلى غاندي، عام 1947م، يطلب منه المساهمة بمقال يعرضُ فيه مجموعة من الأفكار الفلسفيةحول حقوق الإنسان، رفض غاندي، وأجاب:[تعلمت من أمّي الأميّة، لكن الحكيمة، أن جميع الحقوق التي استحقُها، وحافظتُ عليها، جاءت من واجب إتقان العمل، وبالتالي، فإن الاستحقاق الحقيقي لنا يأتي، فقط، عندما نقوم بواجب المواطنة في العالم].

على عكس قول الفيلسوف الألماني وولف (1679-1754) الذي أوضح في كتابه «القانون الطبيعي»:[كلما تكلمنا عن القانون الطبيعي لا نَبغي مطلقا،قانوناً طبيعياً، بل، الحق الذي يتمتع به الإنسان بفضل ذلك القانون].

وهو ما ذهب إليه جون لوك بقوله:[لما كانت الحقوق الطبيعية حقوقاً مُلازمة للكينونة الإنسانية، فهي بحكم طبيعتها هذه سابقة لكل واجب].

لكن لا ينبغي أن يُفاجأ هكسلي بالرفض، وبعيداً عن سواراج [إستقلال] الهند(1909م) التُحفة في النظرية السياسية، كان غاندي يتذمر، ولكن يقول:[أن الحكومة البريطانية على قوتها، حسّاسة للرأي العالمي، الذي لن يتسامح مع قمع التحريض السياسي الشديد، الذي يمثلهُ العصيان المدني، ولا شكّ، طالما ظل العصيانُ مدنياً فهو بالضرورة غير عنيف]. بعد بضعة أشهر من تبادلهما الرسائل، أُغتيل غاندي، في يناير 1948م لم يعش، ليرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ديسمبر من نفس العام.

بطبيعة الحال، تعني ثورة حقوق الإنسان، في العقود القليلة الماضية، أن القانون الدولي يفرضُ مجموعة واسعة من الواجبات، فكلُ حقٍ ينطوي بالضرورة، على واجب مُقابل؛ [المُقايضة] من السهل نسيان هذه النقطة، المهمة، ليس يعني ذلك أن الالتزام بحقوق الإنسان يُترجم إلى خطاب علنيّ، واسع الانتشار، حول الواجبات السياسية أو بروزها السياسي.

نحن الآن على دراية كبيرة، بالإدعاء:[أن جميع البشر وفي كل مكان لهم حقوق]. لكننا أقل دراية، بفكرة أن الحقوق محميّة، من خلال الوفاء بالواجبات.

قبل ثلاثة عقود، عندما كانت حركة حقوق الإنسان في مهدها، علقتْ الفيلسوفة أونورا أونيل بقولها:[على الرغم من أن الكتابة الجادة عن حقوق الإنسان، تُقر بأن أي حق يَجبُ أن يترتب عليه التزامات مُقابلة، فإننا لا نجد أي إعلان عالمي لهذه الواجبات، ولا توجد أي حقوق إنسانية دولية].

وبالتالي، إغفال الواجبات قد يكون له عواقب على حماية الحقوق، لنفترض أن القليل من البشر، يعتقدون أن الحق في التحرر من التعذيب، قد يُترجم إلى واجب لمنع التعذيب والمعاقبة عليه.

والأهم من ذلك، حتى أن أكثر المحاولات سخاءً لحماية الحقوق السياسيّة للأفراد تترك بعض واجبات الأفراد في دولهم والبشرية جمعاء، بالإضافة إلى بعض واجبات الدول لبعضها البعض.

إذا كان على الدول واجب توفير الصحة والتعليم والأمن، فهل من واجب الأفراد دفع الضرائب لضمان قيامهم بذلك؟ إذا كانت المساواة غير متكافئة، فعلاً، عالميا،فهل من الأفضل تأطيرُ المشكلة باعتبارها انتهاكاً غير مباشر للحقوق –أليس هناك حق في التوزيع العادل!- أو كسبب منطقيّ لفرض مسؤولية على الأفراد والشركات والدول للمساهمة في المجتمع؟ إذا كانت البيئة تُعاني، فهل يكون العلاج حقاً شخصياً في بيئة صحية أو واجب جماعي للحفاظ على الأرض، للأجيال القادمة عبر الالتزام بالاستدامة؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة معقّدة، لكن قدرتنا على معالجتها مُستنزفة بفهمنا غير المتوازن للخطاب الأخلاقي والسياسي.

لسوءِ الحظ، أو لحُسنه، بينما كان هناك اهتمام كبير بتاريخ الحقوق، لم يحاول أحد كتابة تاريخ الواجبات الإنسانية، وعلى وجه الخصوص، يوجد الآن قانون كامل بشأن تاريخ تدويل حقوق الإنسان منذ منتصف القرن العشرين.

ولكن، في تقديري، ليس هناك كتاب واحد عن تاريخ الواجبات، على الرغم من أنه من الواضح أن هناك سوابق، بما في ذلك غاندي، لنظرية التزامات لا تتراكم على مستوى المجتمع أو الدولة فقط في العالم كله.

لقد اتضح أن الغرب يزرع نظريات قوية تاريخياً، ليس فقط للالتزامات الحكومية، تجاه الحقوق الفردية، ولكن أيضاً، الأفراد تجاه بعضهم البعض، والمواطنين تجاه حكوماتهم، والدول الغنية تجاه الفقيرة.

منذ آلاف السنين، كانت الواجبات هي الالتزام الرئيسي في الأخلاق الدينية، وبالتالي كانت محور تاريخ (الثقافة الأخلاقية).

[لا تعرف اليهودية الحقوق، الواجبات فقط] وفي النهاية، جميع الواجبات هي لله(إذا كان لكل واجب حق متلازم، فيجب أن يقال أن هذا الحق موجود عند الله!) وعلى الرغم من نقده للمذهب القانوني اليهودي، إلا أن المسيحية، والإسلام، تشبه بالمثل، جوهر التعاليم الأخلاقية (مجموعة من التزامات البشر،سواء لله أو للبشر) فالإسلام يُوجب الطاعة، لله وللرسول وأُوْلِي الأمر، فنُصح الإمام ولزومُ طاعته، فرضٌ واجب، وأمرٌ لازم، كما يشرح ابن عبد ربه، مروياتِ أبي هُريرة، أو كما يقول عبد الله بن عمر:[إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر،وعليك الشُكر، وإذا كان جائراً، فعليه الوزر، وعليك الصبر] وبالتالي لا عقد هناك، سوى تغيّب [الرعية] الشعب، الذي يجب عليه الشُكر أو الصبر(الطاعة الواجبة في كل حال).

وعلى نفس القدر من الأهمية، كانت الواجبات هي الإطار لنظرية غربية منذ عقود قبل الميلاد، ترجع، إلى كتاب شيشرون (Cicero) حول الأخلاقيات العملية،هورتا نسيون الذي يُترجم بشكل حرفيّ لـ«الواجبات» والذي قُدم على مدى مئات السنين، كنظرية سياسية وأخلاقية، كما قدم عمانوئيل كانط،نظرية ثورية للأخلاق: «حرية الناس في اختيار غاياتهم الخاصة» ولكن عندما ألقى محاضرات حول الأخلاقيات العملية، فإن أفكاره أخذت شكلاً تقليديا، وشرحت قائمة بالواجبات.

إن صعود تاريخ حقوق الإنسان في عصرنا قد شّوه، في بعض الأحيان،تصوراتنا عن هذه الحقائق العصية.

في القرن السابع عشر، قبل إعلان حقوق الإنسان والمواطن، لخّص الأخلاقي الألماني صموئيل بوفندورف التركيز المهيمن على الفكر السياسي والقانونيّ لعهده في عنوان رسالته (القانون الطبيعي والناس) وهو يُعَد من أشهر مؤلفاته عام 1672م حول «واجب الإنسان والمواطن».

رداً على هيمنة المدارس الأخلاقية والتقاليد الدينية والسلطات السياسية التي تؤكدُ على الالتزامات ضمن التسلسل الهرميّ الصارم، أكد عدد قليل من المفكرين السياسيين في عصر التنوير، على سيادة الحقوق.

كان الهدف من هذا التحول نحو الحقوق هو الهروب من حجز الواجب، وهذا كان بلا شك، بالإصرار الليبراليّ، على التحرر من إنفاذ الله، وأوزان التقاليد، وصلاحيات الدولة، تقدماً مثيراً في التاريخ.

كان السؤالُ، بعد أن تم الإعلان عن الحريات الفردية والانتصار، ماذا سيحدث لتأكيد الجمهور في وقت سابق على الواجبات؟ هل ستختفي ببساطة؟

إن النداءات إلى الحقوق تبرر الثورات، الشهيرة ضد القمع السياسي، والتي قدتم تدجينها، لاحقاً من خلال مناشدة الواجبات.

تمتْ الإجابة عن الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، لعام 1789م وتحديثه الأكثر ليبرالية لعام 1793م من قبل الإعلان المحافظ، لعام 1795م لحقوق وواجبات الإنسان والمواطن:[إن الحفاظ على المجتمع، يتطلب من الذين يؤلفونه أن يعرفوا ويُوفوا بواجباتهم] كما جاء في الوثيقة.

إذا دافع الليبراليون عن الحقوق، فلم يكن ذلك بسبب اعتقادهم بأن الأفراد يتمتعون بحرية كاملة في حالة طبيعية أسطورية، لم يكن الفرق بين الدول الجيدة والسيئة؛ هو التمييز بين أولئك الذين كانوا يحترمون حقوق ما قبل السياسة لحالة الطبيعة وتلك التي لم تحترمها، كان الليبراليين يشعرون بالقلق من أنه عندما يُنظر إلى الدولة أو العالم كمحفل لحماية الحرية الفردية وحدها، فإن النتيجة ستكون تحرريّة مدمرة، قد تنحي جانبا غير الحرية الفردية، بما في ذلك المساواة.

قدم توماس باين، الذي ألهبَ نيران الثورة الأمريكية، ثم شارك الفرنسيين، دفاعاً مشهوراً عن «حقوق الإنسان»(1791م).

فالأولوية الممنوحة للاستحقاقات الفردية، حسب جوزيبي مازيني «السعي وراء السعادة» على الأمور الأخرى، متجاهلاً الأهداف العُليا والمجتمعية المشترعة، اللازمة لتحقيقها، فيقول في كتابه:«واجبات الإنسان»:[مع نظرية السعادة باعتبارها الهدف الأساسي للوجود، يجب علينا فقط، إنتاج الرجال الأنانيين، لإيجاد المبادئ التي توجهّم نحو تحسين أنفسهم، وتعلمهم الثبات والتضحية بالنفس، وتوحدهم، وهذا المبدأ هو الواجب]. وهكذا، وضع على عاتقه،مهمة تجديد مركزية الواجبات، ما دفع نشاطه على كل المستويات، من تحريضه المحليّ إلى رؤيته العالمية، كان التزامه بواقع وحاجة إلى الاعتماد المتبادل الاجتماعي، من أجل تحقيق كل المطالَب، سعى لتحقيق توازن بين التحرر الفردي والالتزامات الجماعية.

كان غاضباً في منفاه اللندني من مذهب النفعية في عصر التنوير والثورة، ورأى مبدأ بنثام، في المنفعة كأي بديل حقيقي، فهو ينظر إلى النفعية على أنها طريقة للحقوق الفردية، تتنصل من شكليتها، وتحل مكانها، مع تركيز الأخلاقيات،على نفس الذات المتذبذبة:[أنا أعلم أن نظرية الحقوق لا تحظى بتأيّد بنثام] أكد مازيني، في واحدة من أكثر تعليقاته شهرة، أن النفعية قد أنقذت حقوق الإنسان فقط، من (أوهامها اللاشعوريّة) بدلاً من دمجها في عقيدة تشجع التضامن:[إن كتابات بينثام لا تعترف بأي فكرة متفوقة، على الفرد، ولا نقطة انطلاق جماعية،ولا تعليم إلهي للجنس البشري].

وبما أن الاعتماد المتبادل، كان السبيل اللازم للتحسن، فإن مذهبه في الواجبات كان واسع النطاق بشكل استثنائي، لواجبات الدولة باحترام حقوق مواطنيها.

وجد مازيني في واجباته أداة حاسمة لتحصين الحرية الفردية، المُكرسة بنظرية الحقوق من البدعة التحرريّة التي وجدها مدمرة، وأشار إلى أن «فكرة الحرية المقدسة قد تم إفسادها ببعض العقائد العميقة».

وقد أعلن آخرون أن كل الحكومة، وكل السلطة، شرٌ لا بد منه [أو] أن الحكومة ليس لديها مهمة أخرى، غير منع شخص من إلحاق الضرر بشخص آخر، رفض هذه المذاهب (الزائفة) بقوله [يا أخي! إذا كنتَ تفهمُ الحريةَ وفقاً لهذه المذاهبِ المعيبة، فإنك تستحق أن تفقدها، ستكون حُريتك مقدسّة طالما أنها تسترشدُ بفكرة الواجب، والإيمان].

اتفق الليبراليين حول الحاجة إلى التأكيد على ممارسة الواجبات، من المؤكد أنأفضل مثال هو ت.ه. جرين (T.H.Green) المُنظر الذي صهر الدين والليبرالية، والميتافيزيقية الهيغلية، باعتقاده أنه يستطيع الاعتماد على تقاليد الحرية الغربية، التي تمكنه من انتهاز الفرصة، لتبرير دولة أكثر تدخلاً.

وبناءً على ذلك، قدم جرين محاضرة رئيسية حول مبادئ الالتزام السياسي(1885م) وجادل بأن الاستحقاقات الشخصية يَجِبُ أن تحظى باهتمامٍ أقل،بكثير من الدولة – مثل الكثيرين في القرن التاسع عشر، وليس فقط أولئك في أقصى اليسار، مثل كارل ماركس، كانت نقطة انطلاق جرين بمثابة اعتداء على الأسطورة، القائلة:[بأن الفرد كان موجوداً قبل المجتمع، وفي غيابه].

وشكا جرين:[إن التأثير الشعبي، للفكرة التي يجلبها الفرد معه للمجتمع، يُرى في عدم احترام الفرد تجاه الدولة وعلى افتراض أن له حقوقًا ضد المجتمع،بشكل غير مرتبط به].

لم يرفض جرين أي حقوق، لكنه أعاد صياغتها، ووصل إلى نظرية الحقوق التي تعترف بـ(القدرات الفردية) مع إعطاءِ الأولوية للتقدم.

وهذا يعني، قبل كل شيء، الإصرار على أن للواجبات، نفس المكانة والأهمية كحقوق:[لا يمكن أن تكون هناك حقوق فطرية، بأي معنى آخر، من تلك التي تكون فيها، واجبات فطرية].

كان الليبراليون يناقضون الافتراض التحرريّ، حيث كان تدّخُل الدولة، في مجال نشاط السوق الحُر؛ انتهاكاً للحقوق.

وجَهَ المفكرون نيرانهم، نحو مفهوم الحقوق ككيانات ميتافيزيقية؛ وفي القرن العشرين، سعى الواقعيون مثل روبرت هيل وكارل لويلين، إلى تفكيكٍ مماثل للحقوق.

رغم أن النظرية المعادية للميتافيزيقية، تنطبق نظرياً على الواجبات، إلا أن جرين ومعاصروه وخلفائهم، لم يستهدفوا واجبات الانتقاد، ربما لأنهم أرادوا، أن يجعلوا واجباتهم معقولة في عصر تُستخدم فيه الحرية، لتبرير هرمية السوق ونهبها.

لكن إذا كان لدى الناس حقوق تستند إلى خواصّهم الفطرية؛ فإن لهم واجبات فطرية أيضاً، بما يجعل الإعداد الجماعي للحرية الفردية، تناغماً للأغراض الفردية، وتحدياً للسياسة.

كانت دولة الرفاهية، مُبررة شعبياً، ليس من حيث الحقوق، فقط، ففي الأربعينيات عندما ظهر إعلان الأمم المتحدة العالمي، كانت في الواقع نقطة عالية للواجبات، مِثلَ: «إعلان الواجبات تجاه البشرية» الذي أصدرتهُ سيمون ويل، والذي كُتب عام 1943م في لندن قبل وفاتها بفترة وجيزة.

بعد الحرب كان هناك مُهمة لصياغة دستور عالمي يُقدم بـ«إعلان الواجبات والحقوق» من أجل ضمان الرفاهية المادية، وليس السمو الروحي فحسب.

ذهب الأميركيون اللاتينيون، إلى أبعد من ذلك، بـ(الميثاق الإقليمي) ربيع عام1948م.

بالرغم من ذلك، حقوق الإنسان نفسها تتلاشى، عندما يفشل مؤيدوها في العبور إلى لغة الواجب؛ وفي حالة السعي إلى الامتثال للمعايير النظريّة، يجب تحديد متحمليّ الواجبات، وإجبارهم على تحمل عبئهم، ولكن قد يكون للواجبات دور أكبر من مجرد إكمال دائرة تحقيق الحقوق.

على الرغم من أننا نواجه أزمات عالمية، مجاعات ومعدلات عالية في اللجوء والفقر والأميّة، وكارثة بيئية، وعدم المساواة النيوليبرالية، إلا أن القليلين منا يفكرون في إلتقاط آثار المسؤولية العالمية، كمازيني وغاندي، والتي قد تساعد في مواجهة هذه المخاطر على نطاق عالمي.

وكما جادلت آن بيترز، أن القانون الدولي يلجأ إلى واجبات تتطابق مع حقوق الإنسان التي وضعها الجيل الأخير.

عبر المبدأ الشهير «المسؤولية عن الحماية» هذا هو الافتراض بأن الدول الغنية، تدين بواجبات لفقراء العالم، وبالفعل، قام التقدميون، بمحاولات متكررة للتأكيد على حقوق الأفراد، وليس على واجبات الدول – واجباتهم تجاه بعضهم البعض في ضوء ثروتهم وقوتهم غير المتساوية.

وأبرز مثال على ذلك، هو ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول (1974م) المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الاقتصاديّ الدوليّ الجديد، سيكون من الخطأ الجسيم الإصرار، كما فعل كل من مازيني وغاندي، على ما يبدو، على أن التمتع بالحقوق يجب أن يعتمد على افتراض الواجبات أولاً.

إن الجدل الدائر حول القيم المحلية، الإسلامية، والآسيوية، التي ترى أن الطاعة والواجب، مقدسّين، والتي يؤكدون أن المعايير الغربية، تتعارض مع الرؤى المحلية،التي تشجع الواجبات فقط باعتبارها، وسيلة خفّية لحقوق شحيحة.

وفي رسالته إلى هكسلي، عكست دعوة غاندي لتحديد أولويات الواجبات انعكاساً عالمياً للوعي الذاتي:[فالواجبات هي في جوهر المواطنة، الجديرة بالاهتمام في العالم].

من المشكوك فيه، إلى حد كبير، أن حقوق الإنسان وحدها ستُعالج هذه المعضلات في النظرية أو الممارسة، في الواقع، لقد فشلوا بالفعل في القيام بذلك.

مع ذلك، هناك أسباب داعيّة ومُلحّة، لوضع رؤى بما كان عليه تاريخ الواجب الإنساني، حتى نُقّدر ونُقرر ما إذا كان علينا إعادة فرضُ الأعباء الآن وكيف؟

بالضرورة، سيكونُ هناك دوما سِجال قَلِق حول مصدر ومحتوى هذه الواجبات، وعِلاقتها بالحقوق، وأيهما أسبق، وأولى، إلى جانب العمل التاريخانيّ الذي يُعمل على برهنته، لذا أرى أن محاولات عرض وتفسير تاريخ الواجبات، وأقول التفسير الموضوعيّ الجاد، هو خُطوة أولى نحو التفكير النظريّ والممارسة العمليّة، اللذان قد يُؤديا إلى استحقاق الواجبات ذاتها.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق