الرئيسية / احدث التدوينات / عبدالغني كرم الله: الإنسان كما أعرفه

عبدالغني كرم الله: الإنسان كما أعرفه

عبير

      ربما يبدو العنوان غريباً، أو غير واقعي من قبيل المبالغة، فأين ومتى عرفت الإنسان؟! لم أذهب للسودان بعد، ولم يجمعني لقاء ب صديقي “غني” حتى الآن، فكيف لي أن أعرفه؟!

      ربما يتساءل واحد من القراء مثل هذا التساؤل، الذي سأجيب عليه ببساطة، وأقول: وهل تعني معرفة إنسان ضرورة التواجد بنفس الحيّز المكاني؟!

     علاقتي بعبد الغني كرم الله بدأت من خلال قراءتي عنه بمجلتنا جيل جديد منذ عام ونصف تقريباً، ثم قرأت له وتحاورت معه وحكينا كثيراً عن السودان وعن الخرطوم وعن مصر وزياراته لها. شاركني بمقالات له ونصوص، وقرأت آلام ظهر حادة وقرأت عن كتاباته وعنه هو شخصياً ممن عرفوه وعاشوا معه أو جمعتهم مواقف به.

      لدينا في مصر مثل شعبي نصّه: “تعرف فلان.. أعرفه.. عاشرته.. لأ.. تبقى ما تعرفوش” ربما يبدو المثل صائباً، إذا ما اعتبرنا المعاشرة تفترض التواجد في مكان واحد، ومواقف عديدة تجمع الأشخاص وبين أفعال وردود أفعال يتعارفوا، لكنني أرى أن هذا الأمر قد يتوافق مع أغلب البشر، إلا أصحاب القلم منهم، فأغلبهم إن لم يكن معظمهم حالة استثنائية لا نستطيع القياس عليها بالمتعارف عليه أو المألوف. فمن خلال ما يكتبون قد نكتشف الكثير عنهم، وعن درجة إنسانيتهم، ومن خلال مواقفهم التي تتكرر وردود أفعالهم حيال الأحداث والتطورات في مجتمع ما، ووجهات نظرهم حيال قضايا سياسية واجتماعية تمسّ المجتمع وكياناته الفردية والجمعية؛ كل هذه عوامل قد تكشف للقارئ الحصيف الواعي بشكل كبير طبيعة الكاتب والإنسان. فما بالكم لو كان هذا الكاتب وذاك الإنسان هو عبدالغني كرم الله!

     في واحد من أحاديث الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينج تحدث عن التاريخ العلمي الموثق للتطور في طبيعة جينات البشر والذي لم يتغير منذ عشرة آلاف عام تقريباً، وتحدث عن أن الجينات هي وكيل نقل المعلومات حصريا بين البشر منذ نشأة الحياة على الأرض. ثم تابع قائلاً: “ولكن الإنسان فقط استطاع خلق الوسيلة الأسرع والأقوى لتوريث المعلومات للأجيال المتعاقبة وهي اللغة المكتوبة.” ربما بلغة هوكينج وتفكيره العلمي يقتصر الأمر على المعلومات المتوارثة والمنقولة، ولكن هناك شيئاً أكبر من هذا، ما تصنعه اللغة المكتوبة في أرواح ونفوس من يقرأونها، وهذا ما كنت أفكر به أثناء فترة اعتقاله من قِبَل السلطات الحكومية السودانية، لماذا يعتقلون كاتباً؟! رغم أن اعتقاله ليس إلا حلاوة روح نظام قمعي لا زال يتشبث بها قبل أن تنقضي أيامه وتتقوض أركانه. لأن التوسع في سياسة الاعتقالات للتخويف والترهيب وفقاً لرؤية نظام حاكم ليس إلا نوع من الإفلاس، ودلالة على خواء هذا النظام وفراغ جعبته. وهذا يعني قرب زوال هذا النظام بوقت قريب. إن اعتقال كل صاحب قلم، كل من يكتب بلسان شعبه وعنهم ولأجلهم، لا يعني سوى أن النظام القائم عدو حقيقي للشعب، وأنه نظام مستبدّ لا يهم القائمين عليه سوى الاحتفاظ بالسلطة على حساب من يحكمونهم. كما يعني شيئاً آخر، يعني أن هؤلاء الحكام لا يخشون شيئاً قدر ما يخشون صاحب القلم، ذلك الذي يمنح ميراثاً حياً نابضاً بالحياة لكل من يقرأ له، هم يخشون ما لا يستطيعون مجابهته ومواجهته بأسوارهم وجدرانهم العالية التي تحجز الأجساد وراءها، ناهيكم عن الأرواح الحرّة المحلقة دائماً في سماوات رحبة متسعة ممتدة ما بين عالمي الواقع والخيال. وهذا هو عبدالغني كرم الله، أستاذي صاحب القلب الطفولي البريء الذي لا يكف عن الدهشة.

      (غٓني) كما يحب أن يُنادى، عاشق الأشياء الذي يتحدث بلسان دولاب خشبي عتيق يحمل رائحة الأم وذكرياته معها، يتحدث بلسان حذاء يطوف الأماكن وينظر إلى الوجوه ويسجل الانطباعات ويتمنى ويحلم، أو يتحدث بلسان طفلة شقية جميلة مدهشة كما هم الأطفال وكما يراهم. غني عاشق السينما، وخيال الظلّ، الذي يحب الحصى والرمال والفراشات ويتابع نملة في رحلتها الطويلة للبحث عن الطعام، أو يختار ثمرة طماطم لتحكي عن نفسها، أو غير هذا من تفاصيل تنّم عن شخصية هذا الإنسان الكاتب الغير عادي. فهو ينتبه لأدق التفاصيل في كل حدث وكل فعل وكل لحظة زمن تمرّ عليه، تلك العلاقات المتشابكة المتداخلة بين الأشياء بعضها البعض وبيننا نحن البشر، علاقات من نوع خاص لا ينتبه لها ولا يدرك قيمتها سوى إنسان بقلب وعقل عبدالغني كرم الله، إنها درجة حساسيته المفرطة تجاه كل ما يحيط به، وتفاعله معه ورؤيته له.

      إن مثل هذا الرجل هو الذي تخشاه الأنظمة الشمولية الظالمة، مثل هذا الإنسان والكاتب الذي لا يحتاج إلى الادّعاء بمساندته لقضية ما، طمعاً في شهرة زائفة أو صخب فارغ، لأن مثل هذا الإنسان يتفاعل فعلياً مع الأحداث والأشخاص والقضايا التي تمس مجتمعه، ويتخذ موقفاً حقيقياً دون مواربة أو التفاف، فمن ينتبه لكائنات لا تستطيع التعبير عن نفسها للبشر، كائنات لا صوت لها، يختارها هو ويمنحها بطولة مطلقة في عوالمه التي يخلقها بما يكتبه، بالضرورة لن يغفل عن البشر أنفسهم وما يكابدونه ويعانون ولا يستطيعون التعبير عنه رغم أن لديهم القدرة على الإفصاح والحديث، لكن القهر يكمم أفواههم ويلجم ألسنتهم، ليكون كرم الله وغيره من الكتاب أصحاب المواقف الحقيقية هم ذلك الصوت الصارخ المطالب بالحقوق، والمُصّر على الدفاع عنها وتحقيقها.

     كنت أعلم أنها مسألة وقت قبل أن يتم إطلاق سراح كرم الله، لأن اعتقاله هو وغيره ليس إلا كارت أخير يحاول النظام به إثبات قدرته على الاحتفاظ بقبضة واهية على البلاد، ولأن الظلم في مجتمعاتنا لا يصدر إلا عن أغبياء، فهم لا يدركون أن ذلك الكارت قد احترق وأن القلوب، وإن صمتت الألسن، تضجّ بصوت لا يصمت، ولن يصمت.

     والآن! كم هو رائع أن أكتب عنه وهو خارج جدران ذلك المعتقل، تلك الجدران الواهية والجدران التي لا تسجن الروح الحرة الأبيّة ولن تستطيع، ربما لن تزيد كلماتي أو تُنقص شيئاً بالحديث عن صاحب أسد في الحافلة، وآلام ظهر حادة، والقلب الخشبي، وغيرها من الموضوعات الغير معتادة التي يطرحها ذلك الرائع في كتاباته. وهذا ما كتبته يوماً على صفحتي الشخصية أثناء فترة اعتقاله، قلت وقتها أن كلماتي ليست فقط تضامناً مع إنسان بعينه، قدر ما هي تضامناً مع قضية إنسانية، قضية حرية وحق لا يموت.

     والآن أقول: “إن الإنسان يبقى خالداً مادام هناك من يكتب عنه ويصفه ويعرفه كما يفعل كرم الله، وأن الحق لا يموت طالما هناك من يؤمن به ويدافع عنه من خلال مواقف لا يصنعها سوى الرجال، رجال بقلوب نبيلة نقية كقلوب الأطفال، وهذا هو غني العزيز والغالي على قلب كل من يعرفه.

     أستاذي وصديقي الغالي.. أبو آمنة، حمدا لله على سلامتك وعودتك لأهلك وأحبابك وقرائك، لكل من يتعلم منك ويقتدي بك. أما أنا فلا زلت على انتظار لقاء يجمعني بك وبأهل السودان الحبيب، أتمنى لو زرت السودان وقد تخلصت من براثن الظلم الذي يضعف شيئاً فشيئاً، وتتقوض أركانه مهما أظهر عكس هذا، ما دامت هناك قلوب نقية وعقول واعية كقلبك وعقلك. وما دامت هناك أرواح حرّة كروحك يا صديقي الغالي. ولا زلت على انتظار وعدك لي بصحبة وتحليق في سماء الخيال، ونظرة إلى السماء بليلة صافية لمراقبة النجوم في سماء الخرطوم.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .