الرئيسية / احدث التدوينات / آلام ملوَّنة

آلام ملوَّنة

رجب

     عاشت أم عدنان حياة قاسية مع زوجها، منذ أن تزوجها وهي في سن السابعة عشرة من عمرها، حتى بلغ عمرها الآن الستين. مرّت خمسة وأربعون عاماً، وقد بلغ إبنها البكري عدنان الخامسة والأربعون، وأبيّض شعره، وبلغ أكبر أحفادها العشرون من عمره.

      حياة أم عدنان ملوّنة بالآلام، تزوجتْ من رجل فقير، ولا بد أن تأكل مما يأكل هو. هي لا تملك من أمرها شيئاً، تفتّحت عيونها وهي ترى نفسها أَمَة في طاعة الله، والرجال الذين على صورته، حتى أنها أصبحت ترى أن الحرية فجور. لا شيء اسمه الحرية في بيت أم عدنان، هكذا أشتهر بيتها باسم أم عدنان، فبرغم أن الحكم لله وللرجال إلا أن البيت بيت أم عدنان. هي لا تعرف قدر قوتها، ولا تدرك حقيقة مؤكدة، حقيقة قد كفر بها الله والرجال، وتلك الحقيقة هي أن أم عدنان هي القائد الحقيقي. هي في مهمتها القديمة: نساء الأنبياء. نساء الأنبياء هنَّ النجوم، والنجوم لا يعرف قدرها أحداً، والكل منشغل بالقمر.

     حينما مات أبو عدنان، كانت قد بلغت حفيدتها الصغرى الثالثة عشرة من عمرها، اسمها جوهرة بنت عدنان. أخذت جوهرة عن جدتها من أبيها، الأصالة. وعن جدها من أبيها أخذت فن الحزن. وعن أمها أخذت الدلال والعذوبة. وعن أبيها أخذت الذكاء، إذ جمعت ما بين أصالة الأجداد وحداثة الأحفاد. وهي في الرابعة عشرة من عمرها، إنفجر نبع الوجود من أسفلها، ولم ينال منها الذعر؛ إذ كانت تسمع عن أسرار النساء الكثير، فأخبرت أمها وبشّرتها أن إبنتها صارت الآن امرأة. من اليوم لا لعب مع الصبية، ويا جارية كفي عن الجريان. إن جريان نبع الوجود هو نهاية جريان اللهو واللعب.

     تغيّرت الحياة بعد موت أم عدنان، وهاجر السكان من قريتهم إلى المدينة، فأخذوا معهم المكان وهاجروا. في المدينة بيوت باسقة ضيقة، بعكس بيتهم في القرية، إذ كان واسعاً ولا يجرؤ أن يتجاوز طوله طول شجرة. كأنهم في القرية كانوا يبجلون الطبيعة.

     قررت أمها أن تنتزع منها حق التعليم، وذلك القرار فيه من الحكمة ما يعجز أبناء الجيل الجديد عن فهمه، فالشرف أهم من التعليم!. فتركت سفينة العلم وهي في الصف الأول الثانوي، لأن أمها ضبطتها تتلاعب بعلكة في فمها، وقد رأت فيها أمها أنوثة خطرة. النعومة التي يتحرك بها فمها، كانت سبباً في تركها للتعليم. رغم ملابسها الفضفاضة، لم ينالوا من أنوثتها التي تفيض من شفتيها، كأنها تصرخ قائلة: “أنا هنا.”

     وصّت زوجة عدنان زوجها أن يصفع إبنته ضربةً تردها إلى الرشد، فالوقاية خير من العلاج، فاستجاب عدنان للنصيحة بعد أن هاله ذعر الفكرة، فصفع إبنته على خدها لكي يستقيم سلوكها للأبد. هكذا تكون نساءنا صالحات.

     تمر السنوات سريعاً، وتكبر جوهرة وتبلغ التاسعة عشرة، ويحين مصيرها الحتمي؛ أن تتزوج بأفضل رجل من بين مجموعة رجال يتسابقون في إظهار القبح.

     بدأت أم عدنان حياتها مع زوجها في بيت من طين، بلا أثاث منزلي، لا شيء في البيت غير السرير المتهالك، وطاولة طعام بدائية، ووابور جاز. أما جوهرة بدأت حياتها الزوجية في بيت يزدحم بالأثاث المنزلي، والتلفاز، والحمّام الإفرنجي، وشيئاً عجيباً يجعل الصيف شتاءاً والشتاء صيفاً. وخادم يسمونه البواب يجلس أمام بوابة العمارة.

    في يوم زفافها وجدت نفسها عاريةً أمام رجل لا تعرفه. في غمرة ضياعه فيها، وجدتْ نفسها تمر بحالة هلاوس بصرية. تغيّر أثاث البيت وصار السرير الناعم كأنه حصير شوك، وطلاء الجدران تتساقط، والروائح البديعة صارت كيّر، وشمّت ريح ماعز وأبقار. لحظة اعتلاء زوجها لجسدها شعرت أنها عادت بالزمن مائة عام، فلا فرق بين بيتها وبيت جدتها، فلا فرق بين جدها وزوجها وأبيها، كلهم طغاة طيبون. وتمر أيامها ملوّنة بالآلام، فلا شيء يحدث غير أنها بالنهار تنظف الشقة وبالليل تؤدي حق زوجها، كأنها جسد للإيجار، أو كأنها مملكة ينال الحكم منها من غَلَب. وذات يوم تأتيها علامات قدوم لونٌ جديد، ستصير أم. قررت أنها سوف تسمي ابنتها خديجة، ولا تعلم سبب ميلها لهذا الاسم.

     خزانة الملابس مكدسة بحفاضات طفلتها خديجة، ولما كانت تغيّر حفاضة ابنتها سألتْ نفسها: ماذا كنا نرتدي ونحن أطفال؟ إذ لم يكن موجوداً ذلك الإختراع المدعو بامبرز، فهل أطفالنا محظوظون أم تعساء؟ .. ولكنها قررت أن تكون إله ابنتها وتحميها من شرور كثيرة، ولن تتركها لزوجٍ يظن أن ضربها يزيد من رجولته أو يجعلها تحترمه أكثر. يخطفها من أفكارها صوت طرقات الباب، فتفز من مجلسها لتنظر من الطارق. إنه علي ابن البواب:

    – ازيك يا واد يا علي.

    – ازيك يا ست أم خديجة .. أنا جبت الطلبات اللي طلبتيها مني.

     تشكره، وتعطيه مبلغ بسيط لتفرحه به، وتلاحظ أن على وجهه علامات كدمات، ولما سألته عن السبب قال أن أبوه يضربه إن أخطأ، لكي يكون رجلاً حقيقياً، فقالت له:

     – معلش يا علي، ده أبوك ومحدش هيحبك أكتر منه .. هو عاوزك تكون راجل بجد وأنت ماشاء الله عليك كبرت .. متزعلش منه.

     – حاضر يا ست أم خديجة .. سلامُ عليكُ

     ترد عليه سلامه وتغلق الباب، وتعود إلى ابنتها وتتأمل وجهها البريء، وهي تفكر في شأن علي ابن البواب، لقد كبر بسرعة، فهو كان طفلاً يوم جاءت إلى هذا البيت .. هل تتغير حياة الرجال من نعيم إلى جحيم في يوم فيض نبع وجودهم؟ سؤالك سخيف يا جوهرة، هكذا قالت لنفسها ثم ارتدت إلى عالمها حيث الآلام، وحيث الأيام تزيدها نفوراً من زوجها المفروض عليها. لم ترتعش ابداً كأنها بلا روح.

     في صباح ذلك اليوم، أزعجتها ارتعاشة جسد زوجها، وانتفاضته بالابتعاد عنها، وهرولته نحو الحمّام كأنها نجس يتطهر منه. بعد خروجه من الحمّام يكلمها:

     – أنا مسافر بعد شوية، عندنا شغل في مكان بعيد .. احتمال أغيب يوم أو يومين.

     – تروح وترجع لنا بالسلامة .. هقوم اجهز لك فطارك.

     – هي خديجة عندها حضانة النهاردة؟

     – آه ياخويا النهاردة أول يوم ليها.

     – عقبال ما نشوفها دكتورة قد الدنيا.

     يضحك هو من عبارته، فتجامله وتضحك. وتودعه عند باب الشقة، ثم تعود إلى حجرة ابنتها وتجهز ملابسها الجديدة. كانت خديجة سعيدة بملابس الحضانة، أبسط الأشياء تجعل الأطفال سعداء، تأخذها من يدها نحو بوابة النور، فاليوم سوف تتعلم طفلتها الكتابة. عند بوابة العمارة تقابل علي، وتسأله عن سبب استيقاظه مبكراً:

    – والدي بعافية شوية يا ست أم خديجة، وأنا بقوم بشوية شغل بداله.

    – ألف سلامة عليه، ربنا يقومه بالسلامة .. طيب يا علي لو سمحت، خد هات الطلبات اللي في الورقة دي، اشتريها، واخدها منك لما أرجع من حضانة خديجة.

    – من عنيا يا ست أم خديجة.

     تتقافز خديجة من الفرحة، بعكس معظم الأطفال، إذ يصرخون خوفاً في أول يوم في دراستهم، وتلك الفرحة طمأنت قلب جوهرة على ابنتها. وأثناء الطريق إلى الحضانة، كانت جوهرة تسأل نفسها عن سر ذلك الحزن العميق الذي تراه دائماً في عيون علي ابن البواب.

     عادت إلى الشقة في حدود التاسعة والنصف صباحاً، وسوف ترجع إلى الحضانة بعد الظهر لتأخذ ابنتها. قررت أن تجهز الطعام لتستغل ذلك الوقت، ولكن قبل ذلك لا بد أن تنال شيئاً من التنعم بالماء الدافيء، والاستجمام بالاستحمام. عندما انتهت من الاستحمام، وبدأت في تجهيز الطعام، تذكرت أن علي لم يشتري لها طلباتها، وقبل أن تتصل عليه سمعت طرقات الباب وفتحت له. الحزن الذي في عينيه يحيّرها. طلبت منه أن يضع الأكياس الثقيلة في المطبخ بنفسه. لم تكن تعامله كأنه رجل، وإنما كأنه طفل، ولذلك لم تكترث بشأن ملابسها، ولكنه صدمها إذ ضبطته ينظر لها بشيء من طمع. إن نظرة الطمع من عين حزينة، تكون محيّرة. أحست كأنه طفل فقير يقف خلف فاترينة ألعاب، وينظر لها بطمع، ولا يقدر على نوال شيء منها، لا يتجرأ على الفعل ولا يتجرأ على القول.

     أفزعتها تلك اللمسة .. كيف يجرؤ على وضع يده، فنظرت له بعين غاضبة، ثم دفعته من كتفه إلى الخارج، فقال لها:

     – افهميني بس يا ست أم خديجة.

     – كنت فاكراك راجل لكن للأسف طلعت وسخ.

     – أنا . . .

     – امشي، ولسانك ميخاطبش لساني ابداً .. انا مش هقول لأبوك ولا لجوزي علشان المشاكل.

     تباطأ في خطواته أثناء خروجه عبر الرواق الواصل بين الباب والمطبخ، وفجأة التفت نحوها وقال:

     – أنا مش خايف ومستعد أموت

     – تقصد ايه؟

     لم يخبرها بقصده، ولكنه وضع يده على صدرها، انتفضت كأن صاعق مس جسدها، فصفعته على وجهه، ولكنه لم يتراجع، فكررت صفعتها، ولم يرتعد. صدمتها جرأته وجنونه، إذ خر ساجداً أسفل قدمها يقبلها، ويقبض بيديه على ركبتيها بقوة لا تليق بضعفه وانكساره. ولكنها أحست بشيء من الرضا نحوه، ووجدت نفسها تستسلم لرجل مستسلم مهزوم تحت أقدامها. تستسلم لأول مرة عن إرادتها، وبعد دقائق ارتعش جسدها وانتفضت بقوة، هذه الرعشة الأولى في حياتها، مع رجل ضعيف أحست أنها أنثى.

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر