الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: قراءات: صور يومية في الشرافة والهجرة لمحمد المهدي المجذوب

بريد القراء: قراءات: صور يومية في الشرافة والهجرة لمحمد المهدي المجذوب

بشير

بقلم: بشير أبوسن

     نشأ الشعرُ مع الإنسان، ولازمه خطوةً خطوة، في مسيرة حياته الطويلة، خلّدت فيه الأممُ، وعلى تقلّب الزمان، كلَّ أفراحها وآلامها، طموحاتها وأمجادها وانتكاساتها ومُثلها العليا، ولم تنس حتى عابر الأخيلة والصور. لذلك كان و لا يزال للشعر طابعه الشعبيّ المميِّز من زمان لآخر.

    إن القصيدة المجيدة تخرج من الإنسان لتعود إليه مرة أخرى، لكن كما لم تخرج منه يندهش للفتة الأولى، وبعد حين يعلم أنها “بضاعته رُدت إليه” فيألفها كما يألف صوت صديق قديم.

     المراقب للشعر السوداني منذ بداياته المتعثرة، حتى الآن، لا يمكنه إلا أن يتوقف، ويتوقف طويلاً عند محمد المهدي المجذوب (1919 ــ 1982 ) الشاعر الذي أنزل القصيدة من أبراجها الذهبية العالية، وأسكنها بيوتَ الطين والقطاطي والرواكيب الصغيرة، معبداً بذلك الدربَ الذي سار فيه من بعده شعراءٌ عظام، لكلٌّ واحد منهم الجانب الذي إختاره من الدرب.

     في ديوانه الشرافة والهجرة (1973) نجد القصيدة السودانية الخالصة، لقد أنجب المجذوب قصيدةً عربية مشلّخة الخدود ذات شفاه خضراء، سودانية اللون والطعم والرائحة، وذلك في غير ما شوفينية متعجرفة، ولكن في صدق شاعري مميز، طبع كل شعره الجميل الأخاذ. في هذا الديوان نجد المجذوب يلتقط القصائد ــ أو هي التي تنبعث ــ من شوارعنا المغبرة، ووجوهنا التي شوهتها الشموس، وأغانينا التي نحسبها فلتة من فلتات الزمان، ومن عاداتنا ومن تقلبات واقعنا الاجتماعي آنذاك، إذ أن المجذوب يرى أن الشعر كما الحياة، لا يعرّف، بل يُعاش، وهذا كلام لا بد أن يريحنا جميعاً.

     إن اللغة العربية السودانية، التي كتب بها المجذوب قصائده، هي إنجاز أدبي في حد ذاتها، ولا يسعنا الحديث عنها طويلاً هنا، لقد لاءمَ بين صورة ولغتها في بلاغة جديدة، جديرة بالنظر والدراسة.

     عاش المجذوب موظفاً عاثر الحظ، مخلصاً لبلاده، حاملاً هماً ثقيلاً على كتفيه، بعينين يصدُق فيها قولُ صديقه الطيب صالح: “لا مفر من الحزن في عينيْ كل شاعر حقيقي”. لقد عاش سنين عمره يعاني غُربتَيْ المعرفة والمكان:

وحدي أعيشُ على بؤسٍ ومعرفةٍ    وأكتبُ  الشعر ألوانا من الوجعِ.

و:

آه من قريتي البريئة

لا تعلمُ كم في مدينة التُّرك أشقى.

     أبطالُ المجذوب هنا ليسوا الأبطال المعياريين، ليسوا السادات والساسة والعلماء، بل هم الغبُش من الناس: ستُّ النّفَر التي تناوله المريسة في قرع معتبر، بائعة الكسرة التي تملأ له صحنه، والحذّاء، والغسال، وماسح الأحذية، والحلاق، والموظف المسكين، وحبيباته الكثيرات و… والسودان!. و مثالاً على ما أقول قصيدتُه (راية الحانة):

مريستُنا ملأت بُرمةً

على فمها يستدير القمرْ.

      إن (راية الحانة) يمكن إعتبارها نموذجاً لقصيدة مجذوبية بالتمام،  صورةً و لغة: الشرابُ مريسة، الإناء الكبيرُ بُرمةٌ، والكأسُ قرعةٌ معتبرة، والفتاة التي تسقيه تشدّ إزاراً على صخرة، وما ألصقت شَعَراً بالشعَر، واسمها ستّ النفر، والأصوات التي تأتيه من بعيد لم تكن إلا نقيق الدلاليك، أيّ صورة مليئة بالحياة والصدق الفني كهذه!.

    صورُ المجذوب الشعرية مشاهد يومية، يمر بها السودانيّ في طريقه ــ آنذاك وربما للآن ــ غير آبهٍ بها، ولكن قرنيْ استشعار المجذوب تأبى إلا أن تكسبهما الخلود.

     قصيدته (في الخرطوم) يصف في بعضها حالة الترام الذي استقلّه من الدامر إلى الخرطوم، حيث يقول ساخراً:

إني إلى الدامر السمحاء دوخني  هذا الترام حماراً غير مأمونِ.

فيه ارتدفنا وقوفاً ثم جمدنا  ذاك التأله من سوّاقه الدونِ.

      وهو يرسم في سخرية مشهد (الكمساري) وهو يحصل التذاكر يقول: “وخاض بنا ربّ التذاكر”، ثم يصف حاله، وهو يخرج التذكرة، ومن شدة التزاحم: “قلتُ تذكرتي شهراً، وأخرجها حتى يراها،  يمضي جد مغبونِ”.

      ولا شك أنه عندما لاحت له الخرطوم تشهى ضمن ما تشهّى:

مَن لي بكسرة خالاتي

وما يبست فيها القواديسُ

في أحجار طاحون.

وقرعة حلبوا فيها وأعجبها

رغوٌ يفور على زهو يناديني.

     في قصيدته (أعداء و صديق) نبلغ ذروة ما نقصده بالصورة الشعبية، فهنا تنفجر القصيدة في صالون حلاقة، وبطلها حلاق، وبطريقة بارعة يستغل المجذوب هذه الصورة ليعرض من خلالها صورة كاملة للمجتمع يقول:

يهاترني في السوق ناس   وسرني سكوتي رغم سيفي المجردِ.

إلى أن:

تلعّب حلاقٌ برأسي ولحيتي   ورقّص في شعري مقصا كمبردِ.

يحدثني عن صاحب كان خانَه     وعن أكلة عند البخيل المعقّدِ.

يسبُّ زبونا لم يجد في دهانه     نعومةَ شعرٍ مثل شوك محدّدِ.

ويلفتنا المجذوب لنرى معه الصالون من الداخل:

أشاهدُ في مرآته وجه عابس    كوجهي و يأساً في الجبين المجعّدِ.

ولافتة في خطها وجهُ حكمةٍ     تصيح بنا من يذكر الموت يزهدِ.

تحيّر ما سنّ المواسي عجائزاً   وحرّك من صابونه غير مزبدِ.

و:

و نفّض بعد الجز والبتر فوطةً     يقول نعيماً وهو يرنو إلى يدي.

     ثم إلى آخر القصيدة.

     وفي رائعة أخرى (الفتاة والبن) يطل طقس سوداني فريد لصناعة وشرب القهوة، يصف المجذوب صانعتها بعد أن عدلت هدمها:

وقَلَت بنّها وتنفض ما تقلي تذريه في أناةٍ وحذقِ.

وشجاني صدًى ترنّمَ في الهاونِ لحنا من ابتشارٍ وصفقِ.

نفس الحبهان من فمك البراق يا طفلتي يرفّ ويسقي.

ثم نراه ههنا مخاطبا بائعة الكسرة:

يا ربة الكسرة السمراء بائعة في السوق تنتظر الآمال في الودَعِ.

لأنت أشرفُ من فكر بل عمل أثرى وروّج زيف العقل بالبدعِ.

ملأتِ صحنيَ كدحاً كم شقيتُ به وترقبين جميل الشكر من شبعي.

      ولا يمكنني أن أتوقف، وبعد لم أشر إلى واحدة من روائع الشعر على مر الزمان، أعني قصيدته (سيرة)، و من اسمها يستطيع كل قارئ أن يعلم مدى خصوصية هذه القصيدة عند السوداني، إنها صورة مألوفة بشعر غير مألوف، صورة لا تُملّ تجسد أمة كاملة في لحظة من لحظاتها الفريدات:

البُنيّات في ضرام الدلاليك تسترن فتنة وانبهاراً

من عيون تلفت الكحلُ فيها وأصغى هنيهةً ثم طارا

البطل هنا هذه المرة موكبُ عرس سيرةٌ تعلوها أصوات الدلاليك، تلمح بين الناس حسان القرية وفرسانها:

العذارى ألوانهنّ الرقيقات نبات الظلال شفّ وحارا

يحملون جريد النخل و يغنون بلا شك “يا عديلة يا بيضا:

نحن جئناك يا أمها الليلة بالزين والعديل المنقى

نحن جئناك حاملين جريد النخل فألا على اخضرار ورزقا.

موكب يسير عصراً على شاطئ النيل يتقدمه العريس:

ومشى بالبخور من جعل الخدمةَ في الحي نخوة و ابتدارا

حافياً مسرع الخطى باسمَ النجدة حيا حفاوةً وابتشارا.

والبنات في غناء متواصل

وتشيل البناتُ صفقاً مع الطبل ورمقاً من العيون ورشقا

وغزالٍ مشاغب أصلح الهدم أراني في غفلة الناس طوقا

والعروس:

هي ستّ البنات ستّ أبيها كرماً يحفظ الجوار وصدقا

وجلوْها فريدة جفل الغواصُ عن بحرها خطاراً وعمقا

والبُطان:

وهوى عاشق وطار وأهوى السوطُ رعداً بمنكبيه وبرقا

يتحدى عقوبة الصبر فالحرمان أمسى من السياط أشقا

وإلى آخر ما في القصيدة من صور.

وهكذا يأخذنا الشعر لنرى العاديّ كما لم نألفه من قبل، يعيد صياغته المجذوب، ويعبئه بالإيحاءات والإشارات، ساخراً حيناً ومتألماً حينا آخر. إنها قصائد جديدة بلغة جديدة، نظرة مختلفة للواقع، وإستلهام بديع، وصدق فني عال، وعبقرية تستحق منا الوقوف طويلاً في كل كلمة وبيت وقصيدة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة