الرئيسية / احدث التدوينات / بيانو ديمقراطي 1 – 2

بيانو ديمقراطي 1 – 2

حسان

     “ألم تتسلَّلْ إلى أمس، حين ذهبتَ إلى البيت, بيتك في القدس، في حارة الطالبيّة؟”، هكذا يباغت محمود درويش صديقه المثقف إدوارد سعيد في ملحميته طباق ليصحو من غفوته العظيمة، التي دخل فيها عام 2003 بسبب السرطان ليغادر كنسر يودع الأولمب.

     لا يمكن أن نذكر المثقف دون أن يرد في أذهاننا إدوارد سعيد، الرجل الذي إستطاع نحت حروف اسمه على قبة المعرفة والفكر والثقافة. فالناظر الي حياة ادوارد سعيد، وتقلباته التي إعترت مسيرته، سيشاهد أبعاد تجربته النضالية والمعرفية. إلتحق إدوارد سعيد بكلية فكتوريا في الإسكندرية، وطرد من الكلية كونه مشاغب، ليرسله والده إلى مدرسة داخلية نخبوية في الولايات المتحدة في ماساتشوستس، وقد ذكر سعيد بأنه كانت سنة تعيسة، شعر فيها بخارج المكان. ما لبث سعيد أن أدار نفسه بشكل جيد، ويحسن صنيعاً في المدرسة ليحوز الترتيب الأول، أو الثاني على مئة وستين طالب. وقد أثرت هذه السنة على حياته المستقبلية، لمقابلته أناس من ثقافات عدة للتشابك، ويتولد الإحساس لديه بخارج المكان. ثم تابع دراسة الفن، وحاز على إجازة بها من جامعة برنستون، وماجستير بالفن، ثم حصل على شهادة الدكتوراه باللغة الإنكليزية والأدب المقارن من جامعة هارفرد. وقد كان متقن للغة الإنكليزية والعربية والفرنسية.

     إدوارد الذي بدأ رحلة العلاج الكيماوي، نقلنا في دفاتر عمره، والتي دونها في كتابه خارج المكان، والذي تزامنت كتابته مع هذا التاريخ، ليقول في صفحة 269: “وحين باشرتُ مرحلة (العلاج الكيمياوي) في آذار/ 1994، أدركت أني دخلتُ، إن لم يكن، المرحلة الختامية من حياتي، فعلى الأقل المرحلة التي لا عودة عنها إلى حياتي السابقة، مثلي مثل آدم وحواء عندما غادرا الجنة. وفي أيار/ 1994 بدأتُ العمل على هذا الكتاب.”

     إذن إن جل ما كان يشغل إدوارد سعيد في كيفية أن يدون لحياته ولهذه البشرية إرث معرفي؛ ليس كتابه خارج المكان آخر كتاب؛ فهناك كتابه “الأنسنة والنقد الديمقراطي” الذي قدم سلسلة من المحاضرات التي تعنى بالخلل الثقافي والمعرفي، الذي يؤدي إلى هذه الحروب الثقافية، التي يشهدها العالم مستفيداً من المنطق الذي يؤكد قابلية الذهن البشري لارتكاب الخطأ، وكان سعيد قد إستفاد من البحوث والدراسات التي تتعلق بهذا الجانب الإنساني، إلى أن إرتقى بها إلى مستوى منظومة معرفية، لم يعد بالإمكان تغييبها، إذا أراد العالم أن يخفف من غلواء الكوارث التي حلت وتحل به. لذلك رأى بأن على المثقفين أن يهتموا بالناس الذين يعيشون بعيداً عن الغرب ومصالحه، ويعانون الآلام والعذابات والقهر، فقال بضرورة النقد الذاتي، الذي قد يرمم بعض نواقص معرفة الذات، والانفتاح على الثقافات الأخرى، باعتبارها مصدراً لفهم الذات على نحو أفضل، وهو بهذا يؤكد على الدعوة إلى التعدد الثقافي بما يسمو بالفكر الأنسني، الذي ينهض بالعلاقات المتوترة في العالم إلى مرحلة أرقى.

     لم يشهد ادوارد ولادة كتابه، فلقد توفي قبل نشره بفترة ليست بالطويلة؛ ليكون الكتاب آخر عهده بهذا العالم؛ لم يكتفي ادوارد بالكتابه والفكر والمعرفة، بل كان عازف بيانو بارع، وقد كتب العديد من المواضيع حول الموسيقى في مجلة ذا نيشن لعدة سنوات. كما ألف ثلاثة كتب حول الموسيقى، وهي متتاليات موسيقية، وكتاب المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع بالاشتراك مه دانييل بارينبويم، وآخر كتاباته بعنوان عن النموذج الأخير: الموسيقى والأدب ضد التيار. رأى سعيد في الموسيقى إنعكاس لأفكاره في الأدب والتاريخ، ووجد إمكانية حياة حقيقية في أجزائه وانجازاته الجريئة. وقد نشرت بعد وفاته مجموعة من المقالات التي كتبها عن جامعة كولومبيا، بعنوان حدود الموسيقى. بهذا تكتمل لوحة البيانو الديمقراطي، فبين الموسيقي والديمقراطية إكتملت لوحة إدوارد سعيد، وأصبحت البيانو الديمقراطي.

     (الأنسنية والنقد الديمقراطي) الكتاب الذي نشر بعد اربعة وعشرين شهر من وفاة ادوارد، يبحث في الحركة الأنسنية النقدية، بما هي عمل المثقف والباحث لمادة الإنسانيات: وهي مادة الدراسات الجامعية التي تعنى باللغات والفنون والآداب والتاريخ، وفي معنى أكثر حصراً: هي دراسة المؤلفات الكلاسيكية الإغريقية والرومانية. وذلك حرصاً على الحد من النزاعات العدوانية والإرهاب والحروب التي يموج بها عالم اليوم. يتضمن هذا الكتاب آخر ما قدمه إدوارد سعيد للنشر، محاضرات خمس، ألقيت في جامعة كامبردج، تعرض خلاصة التطور الفكري والأدبي لإدوارد سعيد، وفيها يمارس (القراءة المقربة) للعشرات من الأعمال بما فيها كتاب (محاكاة) لإريش أورباخ، أهم سفر في النقد الأدبي المعاصر، ويقدم فيه سعيد تأملاً مستفيضاً للنزعة الإنسانية، والتغيرات الضخمة التي طرأت على ممارستها.* (ابراهيم غرايبة – الجزيرة نت)

     عند طرح مفهوم الأنسنة، لابد لي من استحضار تلك الاجابة التي قدمها الأديب والمفكر الجزائري عبد القادر فيدوح في حواريته مع نور الدين علوش، على منصة مؤمنون بلا حدود حيث ذكر: أن الأنسنة في مجمل تعريفاتها تتمحور فيما رآه شيلر F.C.S.Schiller الذي يعتبر أنّ قوام الأنسنة هو إدراك الإنسان أنّ المشكلة الفلسفية تخص كائنات بشرية، وتبذل غاية جهدها لتفهم عالم التجربة الإنسانية، وزادها في ذلك أدوات الفكر البشري وملكاته، طبقاً لما أورده في كتابه “دراسات في المذهب الإنساني Studies in Humanism”، ولا خلاف ـ في ظني ـ بين الأنسنة وبين آراء الناس فيما تواضعوا عليه من أمور ما يستوجبه الواقع الداعي إلى الإصلاح. واضح، إذاً، أنّ أطروحة الأنسنة ترجع إلى مقتضيات تيولوجية Theologi، وإثنولوجية Ethnology، كونها تصور الإنسان وفق قوانين سنن الكون، وهو تفسير يسعى إلى وضع الإنسان تحت إمرة اللوغوس (العقل) في محاولة للبحث عن تفعيل التجربة الإنسانية في ضوء ما يقتضيه توحيد الكليّات عن دائرة التدرج الطبيعي لروح الوجود.

    ووثْباً على النظر إلى هذا المصطلح في مساره التاريخي، وعلى الرغم من تفرع الحديث في هذا الموضوع إلى مجالات شتَّى، وعلى الرغم من اتفاق كل الدارسين على أنّ المفكر الجزائري محمد أركون حاز قصب السبق وشرف الدراية به، فإننا نرى أنه أول من وسّع من دائرة هذا المفهوم، وجعله متساوقاً مع تنامي الوعي الإنساني للحضارة الجديدة. وقد تبين لأركون ـ في حينها ـ أنّ الحضارة العربية ما زالت تعيش على فكر الفقه، ولم تسهم في بناء فقه الفكر، إعتقاداً من وعي هذه الحضارة أنها مركز الكون الإنساني، من دون تبصّر في المقام، أو التدبّر بالنظر في الدلائل التي تراهن على معايشة مستجدات العصر، سواء من الناحية المادية، أو البنيوية، أو المعرفية، أو الثقافية.

    وقد استضاء أركون في “أنسنته” بتنوع إنتعاش التمدّن، والنمو المطّرد الذي أسهمت في بنائه الحضارة الجديدة، ابتداء من باكورة التطور المعرفي، إلى تنامي الوعي الثقافي في كل ما يتصل بالكائن البشري الذي من شأنه أن يظهر الإنسان على إنسانيته، ويعزز فيه دوره الاجتماعي؛ الأمر الذي من شأنه أن يسوّغ بزوغ ثقافة إنسانية مشتركة، لا تكتمل إلا بهذه المفاهيم: العمل المفضي إلى البناء، والحرية، والعدالة، والديمقراطية. وليس غريباً أن يكون أركون مدركاً هذا التصور من دون أن يجعل منه حافزاً لإنتاج معرفة قادرة على البناء، من هذا المنظور كان أركون يستمد رؤاه، كما استمدت أنسنته وعيها الفكري من نتاج قدرات الثقافة المتحررة، ومن المتغيرات التي أحدثتها نجاحات النهضة الحديثة في جميع مراماتها الملازمة لحياة الإنسان المتحضر، بوصفه مصدر الكون في منظومته البشرية. وقد وظف أركون الأنسنة في مجالاتها المتنوعة كالأدب، والثقافة، والتاريخ، والدين، والإنسان في علاقاته الاجتماعية، والفكر في مساره التنويري، وكأننا به في أثناء تناوله وعي الأنسنة يدعو إلى تثوير العقل، بدافع الرغبة في التحديث، ونشر فلسفة الأنوار التي تمكّن في الإنسان نزعته الإنسانية، وتخلق فيه عقلانية متوازنة في الحياة الاجتماعية.

    وجاءت في الفكر الأوروبي الحديث، حين ورد لفظ “أنسنة” “Humanisme” لأول مرّة سنة 1808م، من فريديريك نيثهامر ‎Friedrich Philipp Immanuel von NIETHAMMER في دراسته المعنونة بـ:Der Streit des Philanthropinismus und des Humanismus in der Theorie des Erziehungs-Unterrichts unserer Zeit وقد ذكر الباحث هواري تواتي أنّ لفظ الأنسنة “Humanisme” اكتسى محتوى فلسفياً في أوساط اليسار الهيجلي، واستعمل كمفهوم في الفلسفة الأنتروبولوجية. كما نجد له أثراً عند ماركس Marx في مخطوطات 1844 وفي العائلة المقدسة (1845) الذي ألفه بالتعاون مع فريدريك إنجلزFriedrich Engels. حيث ربطا المفهوم بالتحرر الإنساني، إلى أن إستوى المفهوم في سياقه الفلسفي مع فريديريك فيورباخ Friedrich Feuerbach. وعلى الرغم من تداول هذا المصطلح “أنسنة” Humanisme منذ عام 1840 في مختلف الحلقات الفرنسية المهتمة، فإنه لم يدخل القاموس الفرنسي إلا بعد هذا التاريخ بثلاثة عقود، في ملحقه لسنة 1877، ثم توالت الدراسات الغربية فيما بعد، التي وصفت الأنسنة بأنها ستكون “دين المستقبل”. (ينظر، هواري تواتي: من أجل نزعة إنسانية متوسطية، موسوعة الأنسنة المتوسطية).

     يبحث فيدوح في نشأة المصطلح التاريخي من حيث ظهوره وحركته، ولكن لنستشف عمق المعرفي لابد من تقديم أطروحة اركون، الذي أسس على هذا المصطلح دعائم فكرته؛ إلا أن اركون قد يختلف عن سعيد في طرحه لمفهوم الانسنة، في أنه يحاول أن ينقد ويعيد صياغة التراث الإسلامي؛ كما في كتابه الأنسنة الإسلام، يشير أركون إلى مفاهيم متعددة للأنسنة في الفكر الإسلامي، فهناك الأنسنة المتمركزة حول الله، أو ما يعرف بالتمركز اللاهوتي الذي ينطبق على الأديان التوحيدية الثلاثة؛ وهناك الأنسنة الفلسفية المتمركزة حول الإنسان العاقل، سواءاً أتى الأمر من “داخل المنظور الأفلاطوني للمعقولات، أم داخل الإطار المفهومي للتمركز المنطقي للأرسطية”، ليصل من ذلك إلى القول أن تحرير الفكر الإسلامي من سياجاته العقائدية الخاصة به لن ينجح ما دامت الأطر والأسس التاريخية القصصية للإيمان غير مهدمة، وذلك على غرار تهديم أسس الإيمان المسيحي منذ عصر الأنوار.

    ينطلق أركون من تعيين مفهوم الأنسنة بما هي أحد الأسس التي يرتكز عليها الفكر الديموقراطي والممارسة الديموقراطية، وتقوم على الامتناع عن إقصاء أي شيء ينتجه الإنسان، أو مما يدفعه إليه قدره، ولكنها تخضع كل ذلك للتمحيص النقدي، بما في ذلك عقائد الإيمان الديني، والحقائق المقدسة. انطلاقًا من ذلك، يحاول أركون أن يعيد الاعتبار إلى هذا الجانب الإنساني في الفكر العربي الذي ازدهر في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، حيث مهدت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في زمن العصر البويهي لنجاحه وانتشاره. كان أبو حيان التوحيدي أبرز المفكرين، وهو صاحب المقولة الشهيرة (الإنسان أشكل عليه الإنسان)، فحكمت هذه المقولة جميع كتاباته، وتمرده الفكري، ونقده الصارم لما هو سائد، حيث سعى إلى تعطيل الشرائع الدينية من أجل خلق فضاء مناسب للتعميق الروحي.

    نجد أن مفهوم الأنسنة التي اوردها سعيد في كتابه تقوم على أساس علماني، فتقوم الأنسنة على الفكرة العلمانية القائلة إن العالم التاريخي هو من صنع البشر، وإنه يمكن اكتناهه عقلياً (بلوغ جوهره وَحقيقته) وفق المبدأ الذي صاغه فيكو في “العلم الجديد” إذ قال أننا ندرك فقط ما قد أنتجناه، وبعبارة أخرى إننا نستطيع أن نعرف الأشياء وفقاً للطريقة التي صنعت بها. فالأنسنة هي ممارسة يستخدمها مثقفون وأكاديميون يريدون معرفة ما هم فاعلون، وما الذي يلتزمون به كباحثين يرغبون أيضاً في ربط تلك المبادئ بالعالم الذي يعيشون فيه. وهذا يستدعي بالضرورة مقداراً لا بأس به من التأريخ المعاصر، وشيئاً من التعميم الإجتماعي – السياسي، والوعي الحاد بالسبب الذي يجعل من الحركة الأنسنية مهمة لهذا المجتمع، في هذا الوقت، بعد إنقضاء أكثر من عشر سنوات على انتهاء الحرب الباردة، والتحولات التي يشهدها الإقتصاد العالمي، ونشوء مشهد ثقافي جديد يتجاوز كل تجاربنا السابقة.

     استحوذت النزعة الضد أنسنية على المشهد الفكري في الولايات المتحدة، في إطار النفور الواسع من حرب فيتنام، ويعود بعض ذلك النفور إلى انبثاق حركة مقاومة للعنصرية وللإمبريالية عموماً، وإلى جفاف مادة الإنسانيات الأكاديمية، التي مثلت موقفاً يشيد بعناد بمزايا الماضي وبقدسية الأعراف. لقد نشأ عنصران يلعبان دوراً لافتا في النظرة الكونية الإنسانية، الأول هو الفكرة القائلة أن الأدب يوجد ضمن إطار وطني افتراضي، والثاني هو الإفتراض أن الأدب والأشعار الغنائية والمسرحيات والروايات تتواجد في شكل ثابت، أو على الأقل في شكل يمكن التعرف عليه بإنتظام. وتعرضت فكرة الخيال التي هي محور كل منوعات النزعة الأنسنية الأدبية، منذ منتصف القرن الثامن عشر على الأقل، إلى تحول يكاد يوازي الثورة الكوبرنيكية، ولكنها ما زالت صالحة للإستعمال، مادام لب الجهد والإنجاز الإنساني يتكئ دوماً على جهد فردي، وعلى إبتكار فردي، من هذا اللون أو ذاك.

     مهما يكن من أمر، فمن الجنون الإدعاء أن الكتاب والموسيقيين والرسامين ينتجون أعمالهم وكأنما هي على صفحة بيضاء، فالعالم موسوم أصلاً وسماً عميقاً، ليس فقط بعمل الكتاب والفنانين السابقين، وإنما أيضاً بكم ضخم من المعلومات والخطابات، تحتشد في الوعي الفردي اليوم، مع المدى الفضائي والأرشيف الضخم من المواد التي تدهم المشاعر من كل حدب وصوب. “الحماسة الدينية أخطر ما يتهدد المشروع الأنسني طالما أنها في طبيعتها كلية العداء للعلمانية والديمقراطية، بل هي أكثر أشكال اللا أنسنية تزمتا وأشدها انغلاقاً على النقاش إطلاقاً.” وهنا تكون علامة البحث والقراءة والتأمل الأنسنية هي المقدرة على عزل المألوف عن غير المألوف، وفرز العادي عن الاستثنائي، في الأعمال الجمالية كما في مقولات الفلاسفة والمثقفين والشخصيات العمومية، فالأنسنية هي إلى حد بعيد حركة مقاومة الأفكار المسبقة، وهي تعارض كل أنواع الكليشيهات الجاهزة، وبعيداً عن أن يكون الجهد الأنسني محكوما بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، أو مسيراً سلفاً بها. فالمثير للإهتمام الأعمق هنا، ليس التماثل ولا التماهي، إنما هو جدلية التناقضات والأضداد بين تلك الظروف وبين الفرد الأنسني.

     يصح القول أكثر من أي وقت مضى، أن الجيل الجديد من الباحثين الأنسنيين أكثر تناغماً من جميع سابقيهم، مع طاقات وتيارات عصرنا اللا مركزية، اللا أوروبية، النسوية والمتحررة من الإستعمار، فيحق للمرء أن يتساءل: ما معنى ذلك حقا؟. إنه يعني بشكل رئيسي وضع النقد في صميم الفكر الأنسني، النقد كما هو شكل من أشكال الحرية الديمقراطية، وكما هو ممارسة مستمرة للمساءلة ولمراكمة المعارف المنفتحة، لا المنغلقة، على الوقائع التاريخية التي صنعت عالم ما بعد الحرب الباردة، وعلى تكوينها الكولونيالي المبكر، وعلى المرمى الكوني المخيف الذي تستطيع بلوغه الدولة العظمى الوحيدة المتبقية في زمننا الحاضر. ولعل الحماسة الدينية أخطر ما يتهدد المشروع الأنسني، طالما أنها في طبيعتها كلية العداء للعلمانية والديمقراطية، بل هي تشكل تعريفاً في أشكالها السياسية الأحادية أكثر أشكال اللا أنسنية تزمتاً وأشدها انغلاقاً على النقاش إطلاقاً.

     لقد حولت التعليقات المؤذية عن عالم الإسلام بعد 11 سبتمبر/ أيلول القول أن الإسلام دين عنيف، وغير متسامح بطبيعته، وشديد الميل إلى الأصولية والإرهاب الإنتحاري إلى رأي سائد. ثم إنه لا حصر “للخبراء” والمبشرين الذين يكررون المقولة ذاتها، يساعدهم ويحرضهم مستشرقون سيئو السمعة أمثال برنارد لويس. إن من علامات البؤس الفكري والإنساني لأزمتنا هذه أن يكون لمثل تلك الدعاية المفضوحة هذا الإنتشار الواسع، والأفدح أنها مستمرة دون أدنى إشارة إلى الأصولية المسيحية واليهودية والهندوسية، وهذه بما هي أيديولوجيات سياسية متطرفة لا تقل دموية وكارثية عن الأصولية الإسلامية، وتنتمي كل هذه الحميات إلى العالم ذاته في الجوهر، تتغذى إحداها من الأخرى وتحاكيها، وتحاربها على نحو فصامي.

     يمكن لنا أن نقول ادوارد سعيد إنتمى إلى ما يمكن وصفه بحركة الأنسنة الجديدة. التى هي عباره عن حركة كتاب ومثقفين ينخرطون من أجل مقاومة العالم المضطرب، ومقاومة العنف والهيمنة. إنها أنسنة كونية، تعطى قيمة للعقل والإنسان، وتتصدى للمركزية الغربية، من أجل أن تفسح المناخ لكل الهويات أن تعبر عن نفسها بحرية. يدرك سعيد أنه من الصعب إدخال مفهوم محدد لماهية الأنسنة، بقدر ما يضع أهدافاً أهمها تحقيق الكرامة الإنسانية للبشر، بحيث تحرر البشر من الفضاء الكولونيالى، نحو فضاء حرية تسمح لهم أن يعيشوا بلا إستغلال.

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان